لقد حدث شيء عجيب في الكون؛ إنها نشأة “الحياة”، شكل بديع وصاخب ومترابط من أشكال المادة. ورغم اختلافه نوعيًّا عن الصخور والغازات والغبار، إلا أنه مكون من نفس الخامات ونفس العناصر العادية المتوفرة في كل مكان.

تتجلى الحياة على طريقتها الخاصة؛ فهي تجتازنا بخطوات مسرعة أو تحنق علينا أو تتلاشى على عتبة نافذة الكون، ومع ذلك يصعب تعريفها بمصطلحات قاطعة. نحن نقول إن الحياة تستنسخ نفسها وتوائم ما حولها وتستخدم الطاقة، بل ونجد أن بعض أشكال الحياة قد طورت شبكات معالجة مركزية كبيرة. وأصبحت الحياة، في نموذج واحد منها على الأقل، على إدراك عميق بذاتها.

وتفرض نوعية الحياة هذه تساؤلاً ملحًا: ما الأشكال الأخرى الموجودة للحياة؟

ربما لا يكون هناك أي لغز علمي آخر مثير للشغف ومحير في حله يطل على الألفية الجديدة. يمثل تصور الحياة خارج الأرض فجوة هائلة في معرفتنا عن الطبيعة. وبمعاونة أدوات مثل تلسكوب هابل الفضائي، اكتشف العلماء كمية مذهلة من التراب الكوني، إلا أنهم لا يحيطون معرفة سوى بعالم واحد مأهول.

لدى كل منا اعتقاداته وسيناريوهاته الخاصة. فقد قدر عالم الفلك الراحل كارل ساجان عدد الحضارات المتقدمة تكنولوجيًّا في مجرتنا وحدها بنحو مليون حضارة. أما زميله فرانك دراك، فكان أكثر تحفظًا حيث قدر هذا العدد بنحو 10000 حضارة. كما احتسب الباحث الفلكي المرموق جون أورو وجود مئات الحضارات المتفرقة في مجرة درب التبانة. وأخيرًا، يوجد شكوكيون مثل بن زكرمان وهو عالم فلك بجامعة كاليفورنيا، لوس آنجلوس، يعتقد بأننا نعيش وحدنا في هذه المجرة إن لم يكن في الكون بأسره.

وكافة التقديرات تحرزية في المقام الأول. فالحقيقة هي أنه لا يوجد دليل حاسم على وجود أي حياة خارج الأرض. وكما أشار كثير من العلماء فإن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب. ولكن ما زلنا لا نملك أي معرفة مادية بوجود ميكروب أو عفن واحد أو حتى طاسة دولاب ترجع لسفينة فضاء مارة بالصدفة.

فتصورنا حول الحياة خارج الأرض هو كما وصفه كارل ساجان “مناقشات معقولة”، يتم التوصل إليها غالبًا من خلال انطباعات وأيدولوجيات والتزامات عشوائية ودون معرفة مسبقة. وحتى إن استطعنا إقناع أنفسنا بأن هناك حياة في الخارج، فإننا سنواجه معضلة أخرى ألا وهي جهلنا التام بهذه الحياة، فعلى سبيل المثال، نحن لا نعرف مدى غرابة الحياة في الخارج، أو إذا كانت ذرات الكربون هي المكون الأساسي لها، أو إذا كانت تتطلب وسيطًا سائلاً كالماء، أم أنها تسبح أم تطير أم تشق الأنفاق.

وبالرغم من وجود غمامات من الشكوك فإن الحياة خارج الأرض أصبحت مجالاً مثيرًا للاهتمام بشكل كبير أمام التساؤلات العلمية. ويطلق على هذا الحقل “علم الأحياء الخارجية” أو “علم الأحياء الفلكي” أو “علم الفلك البيولوجي”. ويتم تغيير الاسم كل عدة أعوام وكأنه لحماية الجهلاء.

أيًّا كان المسمى، فهذا العلم هوعلم يسوده التفاؤل. فنحن على علم الآن بأن الكون يعج بالكواكب. فمنذ عام 1995 قام علماء الفلك باكتشاف 22 كوكبًا على الأقل يدور حول نجوم أخرى. وتأمل وكالة ناسا في بناء تلسكوب يطلق عليه “مكتشف الكواكب الأرضية” للبحث عن كواكب شبيهه بكوكب الأرض وتحليل تربتها للتأكد ما إذا كان هناك عالم ينبض بالحياة في الغلاف الجوي. في العقد الماضي تم اكتشاف كائنات حية تتكاثر على كوكبنا وسط بيئات غير معتادة وغير ملائمة. إذا أمكن أن تعيش الميكروبات في مسام الصخور على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض أو على حافة ينبوع شديد السخونة مثل ينبوع يلوستون، فلربما اعتادت العيش في مكان آخر ككوكب المريخ.

يتعرض كوكب المريخ لغزو واسع النطاق من كوكب الأرض من قبل المسبارات لدراسة منطقة القطب الشمالي والمركبات المدارية لإجراء مسح شامل لسطح الكوكب والمركبات الفضائية لتحليل التربة وأخذ عينات للبحث عن حفريات. وقد تم قذف عليبة تحوي صخورًا من كوكب المريخ إلى كوكب الأرض في عام 2008، حتى هبطت في صحراء ولاية يوتا وقام العلماء بفحصها في معمل محكم الإغلاق. أما في الأعوام القادمة، فسيتم إرسال مسبارات لتدور حول قمر كوكب المشترى أوروبا، وإن أمكن لتهبط عليه. ويكشف التكوين الثلجي هذا عن علامات متعددة على وجود محيط تحت سطح الكوكب لعله يضم غلاف حيوي رغم ظلامه الحالك وبرده القارس.

ويعزز مهمة البحث عن ميكروب فضائي الجهد المتواصل للعثور على حياة عملاقة وذكية وقابلة للتكيف. حتى الآن لم يصرح معهد  SETIالمتخصص في البحث عن الذكاء خارج كوكب الأرض، بوجود إشارة مؤكدة أرسلت من قبل حضارة فضائية، وذلك بعد مرور 40 عامًا من المحاولات إلا أن تكنولوجيا معالجة الإشارات تصير أكثر تعقيدًا عامًا بعد عام. يحسب المتفائلون أن المسألة مسألة وقت حتى نتمكن من ضبط تردد قناة الاتصال الصحيحة.

ولا يعرف أحد متى يحدث تقدم هائل في عمليات الاستقصاء هذه، هذا إن نجح إحداها في المقام الأول. ربما يسود هذا المجال بأسره نسبة معقولة من الدعم والتأييد لكني أراهن أن هذا التقدم الهائل لن يحدث إلا بعد أعوام عديدة إن لم يكن عقود. فالحقيقة بمنتهى البساطة هي أن الحياة خارج الأرض كما هو متعارف عليها ليس لها وجود بشكل محدد.

لكن هناك حقائق أخرى لا بد من الإشارة إليها لاستدامة البحث عن الكائنات الدقيقة الفضائية. فمنها، أن الكون، بشكل تقريبي، يبدو صالحًا للعيش. ومنها، أن الحياة تبسط معلومات عن نفسها، فهي على أسوأ تقدير تترك آثارًا وبصمات وأصداء. وإن كان الكون يفعم حقُّا بأشكال كثيرة للحياة، فلن يطول الأجل حتى تتكشف أسرارها.

ورغم أن الاتصال بحضارة فضائية سيكون حدثًا يشكل تحديًّا ثقافيًّا يهتز له العصر، إلا أن علماء الأحياء الخارجية سيرضون بكل سرور باكتشاف حفرية صغيرة باعتبارها أحد بقايا الكيمياء الحيوية للحياة خارج الأرض، أو باعتبارها مثالاً، أو نقطة بيانية واحدة لإضافتها إلى ما لدينا، ألا وهو الحياة على الأرض. هذا هو ما نحتاج إليه لبدء عملية طويلة الأمد لوضع الوجود الإنساني في نصابه الصحيح على خريطة الكون.

وعليه يغامر علماء الأحياء الخارجية بالذهاب إلى أسوأ الأماكن على وجه الأرض أو على الأقل الأكثرها خطرًا: الأكثرها جفافًا أو برودة أو البيئات الأكثر شبهًا بكوكب المريخ أو قمر أوروبا.

فإن أردت تعقب عالم الأحياء الخارجية جاك فارمر من جامعة ولاية أريزونا، فابحث عنه في وادي الموت أو على شواطئ بحيرة موناكو القريبة أو تحت الجرف الجليدي بالقارة القطبية الجنوبية أنتاركتيكا. أما إذا كنت تريد العثور على كريس ماكاي فعليك بالبحث في صحراء أتاكاما في تشيلي أو على أي جزيرة تقع شمال الدائرة القطبية.

أما أقذر كهف يمكنك تخيله هو المكان الذي ستعثر فيه على بني بوسطن. اصطحبت بوسطن في إحدى رحلاتها إلى كهف رطب تعجه الخفافيش في جنوب المكسيك يطلق عليه كهف فيلا لوز؛ حيث كانت تدرس الميكروبات المستوطنة هناك، وذلك في بيئات مصير أي إنسان فيها لا يرتدي قناع غاز هو الهلاك.

تقول بوسطن: “لطالما أردت الدوران حول الكون وزيارة كواكب أخرى. لكن ربما هذا أقرب شيء يكمن الوصول إليه في عمري هذا”.

لا يردع بوسطن وصديقتها ديانا نورثرب التي تعمل أمينة مكتبة وعالمة أحياء في نيو مكسيكو، أقنعة الغاز القابضة على الوجه التي لا بد من ارتدائها، ولا الرطوبة الدائمة، ولا الظلام الحالك، ولا الخفافيش، ولا الإمكانية الضئيلة بحدوث انبعاث لأول أكسيد الكربون الذي يقضي على الجميع. ولا يؤرقهما كثيرًا الإصابة بالملاريا، أو حمى الدَّنْك، أو أي من الأمراض النادرة بهذا المكان. قبل دخولنا كهف فيلا لوز سألتهمH إن كان هناك أي مخاطرة للإصابة بأي عامل ممرض غير معروف كالإيبولا مثلاً. ردت بوسطن قائلة: “من غير المحتمل حدوث ذلك”.

كانت أرضية الكهف مغمورة بالمياه على أعماق مختلفة، كما لم تكن المياه شفافة. لذلك مشينا بحذر شديد لتجنب المياه العميقة التي لم نعرف حدودها بعد. لكن طبقًا لمعايير استكشاف الكهوف كان الأمر أقرب إلى نزهة في الحديقة؛ لم نكن بحاجة إلى حبال، قمنا فقط ببعض الزحف والركض ببطء عبر ممرات ذات أسقف منخفضة.

وأنتهينا بالوصول إلى أعمق وأكبر حجرة في الكهف تعرف باسم “القاعة الكبرى”؛ حيث تنطلق أسراب الذباب بسرعة، وتغزل العناكب خيوطها، وتسافر الخفافيش في مسارات متعرجة فوق رؤوسنا باعثة سونارها حاد الصوت. كانت حوائط الكهف المكونة من صخور حمراء مغطاة بمادة لزجة خطراء ووحل داكن ومعجون دبق من الجص الأبيض وحجر جير في طريقه للتحلل بواسطة حامض الكبريتيك.

في اللحظة التي كنت أفكر فيها بمدى مشابهة هذا الكهف للتجويف الأنفي عند الإنسان، كنا قد وصلنا إلى مخاطيات الكهوف (تحاول بوسطن جاهدة إدخال هذه الكلمة ضمن قائمة المصطلحات العلمية). مخاطيات الكهوف هي تكوينات هلامية تشكلت من خلال الفضلات الميكروبية وتدلى من أسقف الكهوف. كانت تعمل بوسطن وفريقها على قياس سرعة نموها لمحاولة فهم الأيض الميكروبي وتأثيره بعيد الأمد على حالة الكهف الجيولوجية. فيما يبدو أن المناخ الجاف قد منع تشكل هذه التكوينات منذ زيارتها الأخيرة.

أخذنا قسطًا من الراحة بالخروج إلى السطح مرة أخرى. أما بوسطن فقد وضعت أعمالها في الكهف في نصابها.

تقول بوسطن: “اكتشفنا (تعني بذلك العلماء بوجه عام) كائنات دقيقة تتكاثر في بيئات قاسية على أن يتواجد الإنسان بها، ولكنها ضرورية لبقائها. إنه لأمر موسع للمدارك. فنحن جمعيًا مصابون إلى حد ما بمتلازمة الإغراق في التفاصيل العلمية وعدم شرح الأساسيات. فدراسة مثل هذه الأمور مفيد لنفسك ومفيد لعقلك ومفيد لعملك لتوسيع مخيلتك وللانفتاح على احتمالات جديدة”.

والاحتمال الأكثر تحفيزًا هو أن الكون مفعم بالحياة، وأننا في القرون المقبلة سنجد هذه الحياة. وما يثير التفاؤل المستمر لدى علماء الأحياء الخارجية هو المعرفة بأن الكائنات الحية تتكون بشكل رئيس من هيدروجين ونيتروجين وكربون وأكسجين، وتلك هي العناصر الأربع الأكثر انتشارًا والأنشط كيميائيًّا في الكون. تمتزج أشكال الحياة بما عداها في كيان واحد مما يصعب حلهما، ولن يتمكن حتى النصل المسنن من الفصل بينهما على نحو تام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد