في عام 1901، وفي أكثر بقاع الأرض اكتظاظًا بالسكان، جزيرة جاوا الإندونيسية، ولد الطفل كوسناسوسرو لأب من الطبقة الأرستقراطية يُدعى رادن سوكيمي، لم يكن الأب الذي يعمل مدرسًا في مدرسة ابتدائية يعلم أن طفله الذي سيُبتلى بمرض شديد في طفولته، حتى يصل إلى حافة الموت – حتى إنه سيمنحه اسمًا جديدًا بعد نجاته عملًا بالعادة الشعبية الإندونيسية، وكأنما قد وُلد من جديد – سيكبر وسيصبح ذات يوم أقوى وأشهر شخص في إندونيسيا كلها: أحمد سوكارنو.

«بطل قومي» منذ الشباب

أبدى سوكارنو نبوغًا منذ صغره، متفوقًا حتى على أقرانه من أبناء الطبقة الأرستقراطية، وتلقى تعليمًا جيدًا في المدارس الهولندية، فيما لقبه رفاقه في صغره بـ«Djago» التي تعني «البطل»، وبشكل استثنائي، برع في تعلم اللغات، فكان يُتقن العديد من اللغات المحلية، فضلًا عن العربية والتي تعلمها بصفته مسلمًا يقرأ القرآن في صغره، والهولندية لغة التعليم آنذاك، فضلاً عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليابانية.

Embed from Getty Images

سوكارنو يخاطب جموع الشعب عام 1965

درس أحمد سوكارنو الهندسة المدنية في معهد باندونج للتكنولوجيا، وفي هذا المكان اكتسب ما هو أهم من الهندسة بالنسبة له لاحقًا، فقد برز اهتمامه بالسياسة، وبدأ في تنظيم الطلاب الإندونيسيين في الجامعة.

كان سوكارنو ناقمًا على الإمبريالية، وعلى الرأسمالية التي رأى أنها تلتهم الشعوب على حد سواء، وبدأ في تطوير فلسفته الخاصة.

لاحقًا سيقابل فلاحًا إندونيسيًّا عصاميًّا يدعى مرهين يمتلك قطعة أرض يعمل عليها بنفسه، ويعول بها عائلته دون اعتماد على الغرباء، سيُعجب بالرجل، وسيستلهم اسمه ليطلق على أيديولجيته الخاصة التي تطبق الاشتراكية على النمط الإندونيسي اسم «المرهينية».

تاريخ

منذ شهرين
مذبحة «باندا» في أندونسيا.. حين أبادت هولندا شعبًا بأكمله من أجل شجرة توابل!

أسس سوكارنو مع مجموعة من أصدقائه «الحزب الوطني الإندونيسي» عام 1927، واختير أول رئيس له، وسرعان ما اكتسب الحزب شعبية واسعة، بعد قيادته لحركة النضال ضد الاستعمار.

في عام 1929، ألقت سلطات الاحتلال الهولندية القبض عليه وسجنته لعامين قبل أن تُجبر على إطلاق سراحه تحت الضغوطات الشعبية والسياسية؛ إذ تحول إلى «بطل قومي».

اقتنع سوكارنو أن الاستقلال لن يتحقق إلا بمراكمة أسباب القوة، واستخدامها أحيانًا، وعلى عكس بعض رفاقه في الحركة الوطنية، كان على يقين أن استقلال إندونيسيا سيتحقق في حياته.

ضاق الهولنديون ذرعًا بسوكارنو، وخطبه المزعجة المنادية بالاستقلال والمنددة بالاستعمار الهولندي، فألقي القبض عليه في عام 1933 ونفي إلى جزيرة فلورز، ثم إلى سومطرة، لكن تلك لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها!

وكان بطلًا لحرب الاستقلال

في عام 1942، اجتاح اليابانيون إندونيسيا خلال الحرب العالمية الثانية، وطردوا الهولنديين منها، وأطلقوا سراح قادة الحركة الوطنية الإندونيسية وفي مقدمتهم سوكارنو الذي رحب باليابانيين، وتعاون معهم أملًا منه في الحصول على الاستقلال في نهاية المطاف.

شجع سوكارنو الإندونيسيين على الانضمام إلى المعسكرات التي أقامها اليابانيون لتدريب الإندونيسيين على الحرب والقتال، ورآها اليابانيون فرصة لدعم صفوفهم بأعداد جديدة من المقاتلين، فيما عدها سوكارنو فرصة لتدريب الإندونيسيين استعدادًا لمعارك التحرير القادمة.

لاحقًا سيتعرض سوكارنو للكثير من اللوم على تسامحه مع الوجود الياباني في البلاد، والذي يبقى «احتلالًا أجنبيًّا» رغم كل شيء، وبخاصة أن اليابانيين دمروا الكثير من المقدرات الاقتصادية للبلاد، وأساؤوا معاملة الإندونيسيين واستغلوا كثيرين منهم كعمال بالسخرة لدعم المجهود الحربي.

لكن على كل حال، لم يبق اليابانيون في إندونيسيا أكثر من ثلاث سنوات ونصف، حيث انتصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية واستسلمت اليابان.

Embed from Getty Images

أحمد سوكارنو 

كان الهولنديون يحزمون أمتعتهم للعودة إلى مستعمرتهم القديمة، معتبرين إندونيسيا (التي كانت تسمى جزر الهند الشرقية الهولندية) حقًّا مكتسبًا لهم، ولم يكن سوكارنو ورفاقه متحمسين في البداية لإعلان استقلال البلاد من جانب واحد بدون ترتيبات محلية ودولية أوسع، لكن، وتحت ضغط الثوار الشباب، قرروا المضي قدمًا في تلك الخطوة.

وفي 17 أغسطس (آب) عام 1945، ومن شرفة منزله، وأمام حشد مكون من 500 شخص، وقف أحمد سوكارنو مع رفيق كفاحه محمد حتا، وأعلنا استقلال إندونيسيا، وبأنها صارت دولة مستقلة عن كل من اليابان وهولندا، وجرى اختياره رئيسًا، ومحمد حتا نائبًا له.

لم يستسلم الهولنديون بهذه البساطة بالطبع، فهاجمت القوات الهولندية الجزر الإندونيسية من جديد، لتندلع «حرب عصابات» بين قوات إندونيسيا والهولنديين، يسميها الإندونيسيون «حرب الاستقلال».

على الهامش اعتقدت عناصر الحزب الشيوعي الإندونيسي أن باستطاعتهم تحدي سلطة سوكارنو بين الإندونيسيين، فقادوا تمردًا في جاوة الشرقية تمكنت قوات البلاد من سحقه سريعًا، ونال سوكارنو بذلك إعجاب الأمريكيين الذين تأكدوا أنه ليس شيوعيًّا، وأعجبوا بقدرته على هزيمة الشيوعيين منفردًا.

أحكم الهولنديون قبضتهم على المدن، لكنهم لم يسيطروا على الريف، ودامت الحرب طيلة أربع سنوات، وقبض على الرئيس الإندونيسي وقادة الجمهورية عام 1949، حتى قررت الولايات المتحدة التدخل، وهدد الرئيس هاري ترومان بوقف مساعدات اقتصادية لهولندا، وفي النهاية اعترف الهولنديون بحرية إندونيسيا التي جرى الاعتراف بها دولة مستقلة في الأمم المتحدة عام 1949. 

«الديمقراطية الموجهة»: سوكارنو «ينقلب» على الحكم البرلماني

كانت السنوات الأولى من حكمه عاصفة بالاضطرابات الداخلية، فقادت فصائل إسلامية مسلحة تمردًا في جاوة الغربية مطالبة بإنشاء دولة إسلامية، كما اندلع خلاف صارم بين الأحزاب المختلفة حول هوية الدولة الجديدة، أراد الإسلاميون تضمين الشريعة الإسلامية في الدستور، وأراد الشيوعيون تحويل البلاد إلى دولة شيوعية على النمط السوفيتي، في الوقت الذي طالب فيه القوميون بإقامة نظام علماني.

سوكارنو

في الوقت نفسه، كانت أوضاع الجيش الداخلية على صفيح ساخن، ونظم قادة الجيش استعراضًا عسكريًّا، ودفعوا بمظاهرات مدنية تطالب بحل البرلمان الذي حاول التدخل في الشؤون العسكرية.

كان الدستور المؤقت الذي جرى إقراره عام 1950 يجعل نظام الحكم في البلاد برلمانيًّا على النمط الغربي، وكان منصب سوكارنو يفتقد إلى السلطات الرسمية، وإن كان له مكانة رمزية مكنته من إدارة البلاد بوصفه «أبو الأمة» وعرَّاب الاستقلال.

استمرت الاضطرابات السياسية تعصف بالساحة السياسية الإندونيسية، وفي عام 1955 أنتجت الانتخابات البرلمانية مجلسًا تشريعيًّا ممزقًا بين التيارات الإسلامية والشيوعية والقومية، بلا غلبة لأي فريق على الآخر، ووصلت محاولات التوافق على دستور جديد إلى طريق مسدود.

استغل سوكارنو ذلك لتسويق نظريته بأن الديمقراطية على الطريقة الغربية لا تصلح لإندونيسيا، وتبني بدلاً من ذلك ما سماه «الديمقراطية الموجهة»، والتي يجري فيها تشكيل مجلس من فئات المجتمع يعبر عن «الإجماع الوطني» بتوجيه من رئيس الدولة.

كانت هذه الخطوة منه نحو استعادة السيطرة الفعلية على مقاليد الدولة، بعد سنوات من المنصب الصوري بلا صلاحيات دستورية حقيقية، قد لاقت استنكارًا من محمد حتا، نائب الرئيس ورفيق كفاحه.

استقال حتا من منصبه ليزيد من التوتر السياسي في البلاد، لكن ذلك لم يفت في عضد سوكارنو الذي تعرض لعدة محاولات اغتيال، وأعلن الأحكام العرفية في البلاد عام 1957، بعد سلسلة من التمردات المحلية، وأمم مئات الشركات الأجنبية وضيَّق على الأنشطة الاقتصادية، سيما تلك التابعة لجهات هولندية أو صينية.

عرَّاب الاستقلال «يُلدغ من جحر الانقلابات»

خارجيًّا، كان سوكارنو أحد القادة المؤسسين لـ«حركة عدم الانحياز»، بالإضافة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو.

فقد استضافت مدينة باندونج الإندونيسية أول مؤتمرات الحركة التي بدأت بـ29 دولة، وهدفت إلى الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة، وخلق مجموعة دولية «محايدة» بين الكتلتين الشرقية والغربية.

في عام 1965 انسحبت إندونيسيا من الأمم المتحدة بعدما دعمت الأخيرة ماليزيا التي اعتبرها سوكارنو «مؤامرة إمبريالية» لتطويق إندونيسيا، وتعهد بـ«سحقها».

Embed from Getty Images

سوكارنو وقادة دول عدم الانحياز

كان سوكارنو بارعًا في اللغة، وخطيبًا مفوهًا، لكنه لم يكن بالبراعة ذاتها في الملفات الاقتصادية المختلفة، وعلى غرار  «الديمقراطية الموجهة»، فقد حاول كذلك صياغة أيديولوجية اقتصادية خاصة به سماها  «الاقتصاد الموجه»، لكنها أدت إلى نتائج كارثية!

انهار الاقتصاد الإندونيسي وبدأت الحكومة في طبع النقود بشراهة، ما أدى إلى ارتفاع مستويات التضخم، كما نقصت قدرة البلاد على الوفاء باحتياجاتها الغذائية.

وبالرغم من أن البعض ظل ينظر إليه بوصفه «القائد العظيم»، فإن السخط كان يتزايد داخل إندونيسيا، وبدأ البساط ينسحب من تحت قدميه، حتى إنه عمد إلى التقارب مع «الحزب الشيوعي الإندونيسي»، في محاولة منه لخلق توازن مع قوة الجيش التي بدأت تنمو في السياسة الإندونيسية.

وفي 30 سبتمبر (أيلول) 1965 قام مجموعة من العسكريين باختطاف وقتل ستة من كبار جنرالات الجيش، فيما سيشكل هزة عنيفة للتوازن السياسي الهش القائم في البلاد.

تاريخ

منذ شهرين
صورته على العملة.. تعرف إلى محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان

قامت قوات الجيش بقيادة الجنرال سوهارتو بدحر الانقلابيين، وحمّل سوهارتو المسؤولية عن «حركة 30 سبتمبر» للشيوعيين المتحالفين مع سوكارنو، وبدأ حملة تطهير ضدهم (تتراوح التقديرات حول أعداد الضحايا ما بين 80 ألفًا إلى مليون شخص)، في ظل دعوات سياسية وشعبية لزوال نظام سوكارنو، والمطالبة بالإصلاح الشامل وإعادة تنظيم الدولة، ليضطر سوكارنو في عام 1966 إلى تفويض صلاحياته إلى سوهارتو، قبل أن يُعزل من منصب الرئاسة ويوضع تحت الإقامة الجبرية، ليتوفى بعد ذلك بعامين فقط عن عمر يناهز 69 عامًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد