يعود هذا الأب من العمل بعد أن استقل المواصلات في طريقه إلى منزله، الضيق في صدره يطبق على أنفاسه من شدة حرارة الطقس، بمجرد أن يدخل بيته يلقي بجسده على أقرب مقعد يكاد يغشى عليه؛ فهو مريض باضطراب ضغط الدم، والطقس الحار قادر على أن يفقده كل قدراته. تهرع إليه زوجته بالمنقذات اليومية من الثلج والمياه، مُشغلةً مكيف الهواء بأقصى سرعة؛ حتى يستعيد زوجها عافيته.

قد يكون التغير المناخي كلمة نسمعها في الأخبار والتلفاز، ونشعر أنها بعيدة عنّا، ولكن ارتفاع درجات الحرارة يعتبر تلويحًا بسيطًا لهذا التغير كي يذكرنا بوجوده. ينظر الأب على شاشة التلفاز المُشغل أمامه، ويراقب الحرائق المشتعلة في أكثر من نقطة في العالم بسبب الاحتباس الحراري.

الرجل هذه المرة – وهو يستعيد طاقته تحت نسمات التكييف لم يكن يفكر في نفسه – كان ينظر إلى ابنه الذي يبلغ من العمر سبع سنوات، ويتساءل كيف ستكون شكل الحياة عندما يكون شابًا أو ربًا لأسرة، كيف سيكون الطقس وطبيعة الهواء المتاح للتنفس؟ هذا الطفل بعد 30 عامًا من الآن – 2021 – سيكون على وشك إتمام عقده الرابع، هل ستكون الأرض مكانًا صالحًا للعيش حينها؟

في هذا التقرير نجيب عن السؤال الذي قد يكون خطر على ذهن الكثير من الآباء والأجداد: كيف سيكون شكل الحياة عام 2050؟ وهل تركنا للأجيال القادمة مكانًا صالحًا للعيش؟

هل سيموت الفقراء من الحر؟

يمكنك أن تتخيل هذا الشاب في صيف عام 2050 خارجًا من منزله مرتديًا على وجهه قناعًا أكثر تعقيدًا من الكمامة؛ غرضه تنقية الهواء الذي لم يعد صالحًا للاستنشاق بسبب التغير المناخي، ويمد الخطى تجاه سيارته وكأنه يهرب من شيء ما، وبمجرد أن يدخل السيارة يُشغل مكيف الهواء، ويخلع القناع، وكأنه كان على كوكب آخر، وليس كوكب الأرض، وكأن هذا القناع هو خوذة حلته الفضائية.

ومن خلف الزجاج يرى هذا الرجل الفقير يسير على الأقدام دون قناع أو مكان مكيف يحتمي به، وفجأة يسقط على الأرض، فيظن الشاب في البداية أنه فقد الوعي، ولكن من التفاف الناس حوله ولغة جسدهم يدرك أنه مات من حرارة الطقس، ورغم حزن المارة حوله، فلم تكن هناك صدمة على ملامحهم أو على ملامح الشاب؛ فهذا المشهد أصبح متكررًا في أنحاء العالم، فعندما كان طفلًا – في عام 2021 – كان هناك ما يقرب من 5 ملايين إنسان يلقون حتفهم بسبب درجات حرارة الطقس في أنحاء العالم، ولكن الآن في 2050 صار الأمر أسوأ من ذلك بكثير.

ففي عام 2014 نُشرت دراسة بريطانية تتوقع زيادات كبيرة في عدد الوفيات بسبب الطقس الحار، وأكد القائمون على الدراسة أنه في حالة عدم السيطرة على التغير المناخي، ستكون الزيادة في نسبة عدد الوفيات بكل أنحاء العالم في عام 2050 بسبب درجات الحرارة أكثر 257%، وفي بيان نشرته منظمة الصحة العالمية عام 2018 أكدت أنه بين عامي 2030 و2050 من المتوقع أن يتسبب تغير المناخ في حدوث ما يقرب من 250 ألف حالة وفاة إضافية كل عام؛ بسبب سوء التغذية، والملاريا، والإسهال، والإجهاد الحراري، مؤكدة في بيانها أن الدول النامية ستكون الأكثر تأثرًا بتللك الوفيات.

وفي تقرير أصدره علماء في الأمم المتحدة عام 2021 عن تأثير البشر الضار على التغير المناخي، أكدوا أن الانبعاثات المستمرة للغازات الدفيئة المُسببة للاحتباس الحراري تهدد مستقبل أبنائنا، فهذا الشاب لن يعيش الحياة كما نعرفها الآن، بل ستكون الظروف المناخية أصعب عليه إذا لم يتخذ البشر إجراءات سريعة وحاسمة في محاربة الاحتباس الحراري، وأكد التقرير أن السنوات الخمس الماضية هي الأكثر حرارة على الإطلاق منذ عام 1850، ولكن هذه هي البداية فقط.

ويؤكد البروفيسور مالتي منهاوزن، أحد المشرفين على التقرير من جامعة ملبورن في أستراليا، أن درجة حرارة كوكب الأرض معرضة لزيادة تصل إلى واحد ونصف درجة مئوية في السنوات القادمة، وستكون عواقب تلك الزيادة على مر السنوات القادمة وخيمة، وستقع ظواهر مناخية «متطرفة»، وستشهد الأرض موجات حر متكررة، وأكثر شدة، كما أننا سنشهد زيادة في هطول الأمطار الغزيرة في أنحاء العالم، وزيادة في حالات الجفاف ببعض مناطق العالم، وبحلول عام 2050 ربما سيكون القطب الشمالي خاليًا من الجليد.

«إن لم نسيطر على التغير المناخي، سنكون عالقين في مكان يصعب العيش فيه عام 2050»، هكذا صرح أستاذ علوم الأرض جولين إيمل، وهذا ما يراه الشاب صديقنا الآن أمام عينيه، ويفكر وهو يرى الرجل الفقير متوفيًا في الطرقات بسبب شدة حرارة الطقس. هل وصل البشر إلى النقطة التي تجعل الفقراء يموتون من الحر؟ ففي هذا الطقس إن لم تحتم بمكيفات الهواء؛ قد تكون فريسة سهلة للموت من الحرارة.

2050.. «عواقب وخيمة على الأمن الغذائي»

هذا الشاب الذي يعيش في مصر، أو حتى في أية دولة عربية آخرى، لن يكون حاله أفضل كثيرًا من باقي أنحاء العالم، ولن يكون هناك مكان آمن تمامًا أمام البشر للهروب إليه، وأي هروب سيكون مؤقتًا، إلا لو كان هذا الهروب من كوكب الأرض نفسه، كما اقترح فيلم «Interstellar»، والذي لم يكن يقدم نظريات خيالية تمامًا، فحقول القمح التي زرعها المخرج البريطاني كريتستوفر نولان خصيصًا للفيلم، كانت نقلًا لشكل العديد من المناطق الزراعية في المستقبل، حين يحرمنا الطقس الحار من زراعة العديد من المحاصيل التي نعرفها الآن، بينما يقف القمح وحده صامدًا لقدرته على تحمل الطقس الحار، في محاولة أخيرة منه لمد البشر بالغذاء.

في تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عام 2009 توقعت أن التغير المناخي سيكون له تأثير واضح على الطعام وتوفره، ومن المرجح أن تكون المناطق الأكثر فقرًا هي التي ستعاني من أعلى مستويات الجوع المزمن، وأكد هذا التقرير أن العديد من البلدان النامية مثل بلدان أفريقيا، سيزداد اعتمادها الغذائي على الواردات الغذائية لعدم قدرتها على زراعة جميع المحاصيل نتيجة التغيرات المناخية.

وفي حين أن تأثير تغير المناخ على إنتاج الغذاء عالميًا قد يكون ضئيلًا في عام 2050، إلا أن توزيع الإنتاج سيكون له «عواقب وخيمة» على الأمن الغذائي، وقد تشهد البلدان النامية انخفاضًا بنسبة تتراوح بين تسعة و21% من إجمالي الإنتاجية الزراعية، وذكر التقرير أن التغير المناخي يعتبر من التحديات الرئيسة التي تواجه الزراعة التي تسعى لإطعام سكان العالم، والذين من المتوقع أن يصل عددهم إلى ما يزيد عن 9 مليار شخص بحلول عام 2050.

أحفادك قد لا يأكلون الشيكولاتة

وفي هذا الوقت 2050 من المتوقع أن يؤثر تغير المناخ على الزراعة، وأنظمة الغابات، عن طريق ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون، والتغيرات في هطول الأمطار، وزيادة الأعشاب الضارة، والآفات، والأمراض، ومن المتوقع أيضًا أن يزداد تواتر الأحداث المتطرفة، مثل الجفاف، وموجات الحرارة، والفيضانات، والعواصف الشديدة – بحسب التقرير.

وكل تلك العوامل سيكون لها تأثير في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل يتماشى مع الزيادات في درجات الحرارة حتى عام 2050، وبعد هذا العام، ومع المزيد من الزيادات في درجات الحرارة، من المتوقع حدوث انخفاض كبير في إمكانات الإنتاج الزراعي في البلدان النامية، وعليه يتوقع أن ترتفع الأسعار بشكل أكبر.

وفي المقابل هناك بعض المحاصيل ستكون عرضه للانقراض أو خطره، ربما يعد أهمها القمح، والذي قد يقف صامدًا أمام حرارة الطقس، ولكن إلى متى؟ يمثل القمح ما يقرب من 20% من جميع السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر، والتغيرات المناخية بحلول العام 2050 قد تؤثر سلبًا على 60% من مناطق زراعة القمح في العالم.

قٌل وداعًا أيضًا للعديد من المأكولات البحرية؛ فما تتعرض له المحيطات من ارتفاع في مستويات ثاني أكيد الكربون بسبب التغير المناخي، وزيادة نسبة الأحماض بنسبة 25% مما كانت عليه قبل عصر الصناعة، إلى جانب ارتفاع درجة حرارة المياه، سيجعل أنواع الحياة البحرية معرضة للخطر، وعلى سبيل المثال في البحر الأبيض المتوسط فقد السردين حوالي ثلثي عدده خلال العقد الماضي، ومن المتوقع أن العديد من أنواع الأسماك قد تنقرض بحلول عام 2050.

في هذا العام، الوقت الذي سيعيش فيه أحفادك، قد لا تكون هناك الحلوى التي تعد إدمانًا للأطفال اليوم: الشيكولاتة؛ فأشجار الكاكاو ربما تكون نباتات قوية يمكنها التعامل مع ارتفاع درجات الحرارة، ولكنها لا تستطيع التعامل مع الانخفاض المصاحب لحرارة الطقس في إمدادات المياه، ومع ارتفاع درجات الحرارة في غرب أفريقيا أكثر من درجتين مئويتين، كما هو متوقع بحلول العام 2050، قد تتعرض تلك الأشجار لخطر الانقراض.

زيادة عدد اللاجئين.. «الشرق الأوسط سيكون منطقة غير صالحة للعيش»

عزيزي القارئ العربي، والذي يعيش بشكل أساسي في منطقة الشرق الأوسط، إذا كنت تسمع عن التغير المناخي، والاحتباس الحراري، باعتبارهما مصطلحين علميين ليس لك شأن بهما، فكر مرة أخرى؛ وهذا لأن الخبراء يؤكدون لك أن منطقة الشرق الأوسط بأكملها لن تكون صالحة لعيش أبنائك أو أحفادك، وهذا الشاب الذي نتخيله منذ بداية التقرير، وتركناه جالسًا في سيارته، هو في طريقه إلى واحدة من سفارات البلدان التي يلجأ إليها الكثير من سكان الشرق الأوسط في عام 2050؛ ليجدوا مكانًا قد يكون صالحًا للحياة على ظهر هذا الكوكب الذي يلتقط أنفاسه الأخيرة.

الحرارة تزداد في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، مثلها مثل باقي أنحاء الكوكب بسبب الاحتباس الحراري، ولكن هذه المنطقة التي نعيش فيها، هي بالفعل موطن لأكثر الأماكن سخونة على كوكب الأرض، وتلك الحرارة قد تكون مميتة في المستقبل؛ مما سيدفع سكان الشرق الأوسط إلى النزوح لبلدان أقل حرارة.

وفي دراسة نشرت عام 2016 أكد القائمون عليها، أنه حتى في حالة تحقيق المجتمع الدولي لهدفه في إبطاء وتيرة الاحتباس الحراري، فقد لا تنقذ تلك الإجراءات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الوصول إلى درجات حرارة وصفها التقرير بكونها «خطيرة»، وتلك الحرارة بحلول عام 2050 قد تجعل الحياة للسكان في تلك المنطقة «شبه مستحيلة».

140 مليون لاجئ.. ومصر بلا إسكندرية

أعلن البنك الدولي في عام 2016 أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين أكثر الأماكن عرضة لارتفاع مستوى سطح البحر عن وجه الأرض، وتوقع التقرير ارتفاعًا بمقدار 0.5 متر بحلول عام 2099، وحذر من أن المناطق الساحلية المنخفضة في تونس، وقطر، وليبيا، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، ومصر على وجه الخصوص، معرضة لخطر شديد، وقد يكون اختفاء مدينة الإسكندرية من أكثر الأشياء المتوقعة في تلك الحالة، بمعنى أن أحفادك عزيزي القارئ الذين يعيشون في مصر قد لا يرون مدينة الإسكندرية لأنها ستكون غارقة بالكامل تحت مياه البحر المتوسط.

وفي تقرير نُشر عام 2018 كان هدفه دراسة العلاقة بين تأثيرات تغير المناخ، وأنماط الهجرة الداخلية، في ثلاث مناطق نامية من العالم، هي أفريقيا الصحراوية، وجنوب آسيا، وأمريكا اللاتينية؛ توقع البنك الدولي أن ارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف سيجعل الكثير من المناطق غير آمنة في الكوكب، وغير صالحة للسكن، وقد تؤدي مغادرة اللاجئين موطنهم إلى مناخات صالحة للعيش إلى اضطرابات سياسية، ويتوقع البنك الدولي في هذا التقرير أن يصل عدد اللاجئين بسبب التغير المناخي إلى 140 مليون شخص بحلول عام 2050.

في عام 2050 هذا ستكون درجات الحرارة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى بمقدار أربع درجات مئوية بحسب معهد ماكس بلانك الألماني، وبحلول نهاية القرن قد تصل درجات الحرارة المرتفعة خلال النهار إلى 50 درجة مئوية، بالإضافة إلى 200 يوم من الموجات الحارة الاستثنائية كل عام، وإذا لم نسيطر على التغير المناخي، لن يكون عام 2050 الذين سنهرب فيه من الشرق الأوسط هو الأزمة، بل عام 2100 حين تصبح تلك المنطقة غير صالحة للعيش تمامًا.

23 ترليوين دولار خسائر الاقتصاد العالمي

اقتصاد العالم في خطر حقيقي بسبب التغير المناخي، ولذلك كانت الخسائر الاقتصادية هي موضع نقاش اجتماعات المناخ العالمية التي استضافها الرئيس الأمريكي جو بايدن على ضوء الاحتفال بيوم الأرض في نهاية شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ومن المتوقع أن مجموعة من أغنى دول العالم ستشهد انخفاضًا بنسبة 5% من حجم اقتصادها، بينما أمريكا الجنوبية ستتعرض لنسبة انخفاض تصل إلى 9%، وحوالي 17% نسبة انخفاض في اقتصاد الشرق الأوسط وأفريقيا، و25% في دول جنوب شرق آسيا. 

قد تأتي الأشكال الرئيسة للضرر الاقتصادي متجسدة في المخاطر المادية، مثل الأضرار التي تلحق بالممتلكات، والاضطرابات التجارية الناجمة عن زيادة مستويات الظروف المناخية القاسية، ومخاطر أخرى مثل قيام الحكومات بإعادة توزيع الموارد الشحيحة لتعديل المتغير ومكافحته، وبهذا المعدل في الخسائر الاقتصادية قد تصل الخسائر العالمية إلى 23 تريليون دولار بحلول 2050.

وعلى الرغم من أن المعلومات التي تصل إلينا من الإحصاءات الدولية تعتبر إنذارًا ومؤشرًا خطيرًا على كوكب الأرض بحلول عام 2050، فإن ورقة سياسية صدرت في عام 2019 عن مؤسسة فكرية أسترالية تقول إن تلك التقارير الأخرى لا تعرض المخاطر كاملة، مؤكدين أن مخاطر التغير المناخي أسوأ من هذا بكثير، وقد وصف موقع «لايف ساينس» تلك الورقة والتوقعات الموجودة بها بأنها «مخيفة»، ووفقًا لتلك الورقة البحثية التي كتبها مجموعة من الخبراء في المناخ؛ فإن التغير المناخي يشكل «تهديدًا وجوديًا على الحضارة الإنسانية» بحلول عام 2050؛ فقد تنهار الحضارة البشرية كما نعرفها بشكلها الحالي.

الحفاظ على البيئة، والتغير المناخي، والاحتباس الحراري، كلها مصطلحات كان البعض يسمعها وكأنها مصطلحات علمية لا تعني له شيئًا، ولكن الأمر اقترب أكثر مما يتصور البعض؛ فعام 2050 الذي تحدثنا عنه في هذا التقرير سيحل بعد أقل من 30 عامًا، بمعنى أن طفلك الذي ينام على الأريكة الآن أو يلعب في الحديقة – أثناء قراءتك للمقال على هاتفك – في الثلاثينات من عمره قد لا تكون بلده صالحه للعيش، ولذلك لم يعد الحفاظ على البيئة، والبحث عن بدائل تساعد في تقليل الاحتباس الحراري، رفاهية أو أمرًا اختياريًا، بل هو – حرفيًا – مسألة حياة أو موت لأبناءك وأحفادك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد