في عصر التكنولوجيا والعولمة، يسهل علينا النظر إلى الحضارات القديمة بعين الازدراء، وكأنها أمم من البدائيين الذين يعيشون في جهل وفقر وبربرية، إلا أنه عند النظر إلى المعالم التاريخية الباقية لبعض أقدم المدن في التاريخ، نتعلم سريعًا أن التطور العمراني والمجتمعي ليس حكرًا على أمم اليوم، وأن مدنًا تعود لزمن قبل الميلاد، كانت تعج بالنشاط والازدهار والحضارة.

1. منف.. المدينة الفرعونية التي تأسست قبل 5 آلاف عام

تأسست مدينة منف في بداية قيام الدولة المصرية الموحدة قرابة عام 3200 قبل الميلاد، وتقع اليوم جنوب مدينة الجيزة، وما تزال المعالم الأثرية العجيبة للمدينة، التي تعد إحدى أقدم المدن في التاريخ، تذهل علماء الآثار.

تأسست الحضارة المصرية القديمة على ضفاف نهر النيل، الذي كان يفيض ويسقي الأراضي الصحراوية القاحلة المحيطة به؛ مما سمح للفلاحين بالاستقرار والزراعة، وشيئًا فشيئًا نشأت أمة بالمنطقة وتطورت لتصبح حضارة مزدهرة حينئذ، تزرع الحبوب وتخزن المحاصيل الوافرة، وتبني المعابد الضخمة والأهرامات الهائلة، وتدفن ملوكها من الفراعنة في مقابر مهيبة.

تتزين مدينة الجيزة إلى الآن بالآثار الباقية منذ تلك الفترة؛ أي قبل أكثر من 5 آلاف سنة، مثل مجمع الجنائز الفرعونية المصرية القديمة والمعابد الكبيرة، والهياكل المقدسة، بما في ذلك أبو الهول والهرم الأكبر، مما يشير إلى أن سكانها كانوا يعيشون في مدينة مهيبة مليئة بالبنايات الضخمة.

وتظهر هذه الآثار أن المصريين القدماء أتقنوا أنظمة الري وضخ المياه من النيل إلى الأراضي الزراعية، كما برعوا في بناء الهياكل الكبيرة، وما يتطلب ذلك من معرفة هندسية وتنظيم جماعي، وأدوات متقدمة تستخدم في البناء.

لكن الأمر لم يقتصر على هذا الجانب، فقد ابتكر الفراعنة نظام كتابة خاص بهم، وهي الكتابة الهيروغليفية، وأتقنوا الرسم والنحت والتحنيط، وما تزال إلى اليوم الرسومات الزاهية والمومياوات والتماثيل المنحوتة شاهدة على براعة المصريين القدماء في هذه الفنون. مثلما عرفوا أيضًا تصنيع الزجاج والمعادن، واستمتعوا بالعروض البهلوانية والموسيقى.

كان الفرعون هو الملك المطلق للبلاد ورئيس الجيش، وكلمته قانونًا مُلزمًا، فكان على جميع أهل مصر أن يكدحوا من أجله إن هو أمر بذلك؛ إذ كانوا يعتقدون أن الفرعون هو ابن إله الشمس آمون، ولذلك يبدو أن الفراعنة كانوا محور الأمة المصرية آنذاك، وعلى شرفهم بنى جحافل من المصريين مقابر لهم في غاية الضخامة، وهي الأهرامات.

عرفت أيضًا طبقة الكهنة مكانة رفيعة في المجتمع المصري القديم، وتُظهر المعابد العظيمة الباقية أهمية الدين في حياة المصريين وقدسية الكهنة الذين كانوا يسكنون المعابد، التي لم تكن دورًا للعبادة فحسب، بل كانت أيضًا مسؤولة عن جمع ثروة المملكة وتخزينها في نظام من مخازن الحبوب، ويشرفون على توزيعها؛ وهو ما منحهم سلطة قوية في المجتمع المصري القديم.

2. بابل.. أكبر مدينة في العالم في زمانها

في عصر الفراعنة، كانت توجد حضارة أخرى عظيمة بجانبها في بلاد الرافدين، وهي الحضارة البابلية، وكانت تضم مدينة أخرى من أقدم المدن في التاريخ.

تشير التقديرات إلى أن عاصمتها بابل كانت أكبر مدينة في العالم في فترة القرن 17 قبل الميلاد، ومرة أخرى في القرن الرابع والخامس قبل الميلاد، وكانت أول مدينة تاريخية يصل عدد سكانها إلى أكثر من 200 ألف نسمة.

في الوقت الحاضر، توجد بقايا المدينة في مدينة الحلة بمحافظة بابل في العراق، على بعد حوالي 85 كيلومترًا (53 ميلًا) جنوب بغداد، وتضم مجموعة من بقايا أطلال أثرية.

بُنيت بابل بشوارع طويلة ومستقيمة، وعلى الجانبين بيوت مرتفعة من عدة طوابق من الصلصال، بالإضافة إلى قصور ومعابد، ويلجها الناس للتجارة من مختلف الأنحاء، يحيط بها سور كبير ذو ثمانية أبواب، أبرزها المدخل الشمالي المهيب المسمى ببوابة عشتار، وأيضًا تزينت بحدائق معلقة، وهي واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.

في عهد الملك حمورابي (حكم من 1792 إلى 1750 قبل الميلاد)، نشأ لأول مرة مفهوم القانون في التاريخ؛ إذ سنَّ الملك مجموعة من القوانين المكتوبة التي تحكم بين الناس، والمعروفة بشريعة حمورابي.

ابتكر أيضًا البابليون تقسيم الأسبوع لسبعة أيام وسمُّوا أبراج التنجيم؛ إذ كانوا يهتمون بالفلك والنجوم، ودأبوا على التنبؤ بوقت خسوف الشمس والقمر، كما تظهر سجلاتهم المسمارية، وما يتطلب ذلك من منطق رياضي وملاحظة، وكان ذلك مساهمة مبكرة وكبيرة لظهور علم الفلك في ما بعد.

استخدم سكان بابل القدماء الكتابة المسمارية في التدوين على ألواح من الصلصال، كما أجادوا الحساب لإدارة معاملاتهم التجارية، وحفروا قنوات مائية ضخمة للري، وأنشأوا صهاريج كبيرة للاحتفاظ بالماء، كما كان لديهم منذ تلك الفترة الموغلة في القدم أشكال من التعبير الأدبي، مثل قصة جلجامش.

3. أثينا.. مهد المعرفة والديمقراطية

كان الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد، ذوي حضارة عظيمة، وإن لم تكن لديهم إمبراطورية موحدة، وإنما كانوا مجموعة من المدن المستقلة والمتحالفة أحيانًا، كانت أثينا واحدة منها وأكثرها ثراء وتطورًا.

حتى اليوم، يشار إلى أثينا على أنها مهد الحضارة الغربية؛ إذ كان لها تأثير ثقافي وسياسي كبير في الرومان، وفيما بعد في أوروبا في عصر النهضة.

تعلم الأثينيون من هواية غزو البحار، التي دأبوا عليها لعقود، تقدير التجديد والتنوع، وأسسوا مجتمعًا حقق فورة حضارية نادرة في سجل تاريخ البشرية؛ إذ أنتجوا خلال ظرف قصير ثورة في الأفكار والفنون والمعرفة، وأضحت أثينا مركزًا للفلسفة والتعلم والرياضة.

ما يزال إرث أثينا القديمة واضحًا حتى اليوم؛ فالطلاب حول العالم يدرسون أفكار فلاسفتهم مثل أفلاطون وأرسطو، ويشارك الرياضيون في الألعاب الأوليمبية كل أربع سنوات، تمامًا كما كانت في عهد أثينا القديمة، وتستقطب التماثيل الأنيقة والرائعة، والأعمدة الرخامية، والمعالم الأثرية الإغريقية في أثينا ملايين الزوار كل عام.

وبخلاف الحضارات الأخرى، عرفت أثينا تطورًا حتى على مستوى السياسة، عندما قدَّم سولون، وهو أحد النبلاء، مقترح قانون 594 قبل الميلاد، ينص على أن الشعب؛ أي سكان مدينة أثينا، ينبغي أن يدير شؤونه بنفسه، فكانوا يجتمعون في سوق أثينا ويصوتون برفع أيديهم لينتخبوا مجلسًا من المنتخبين يتكفل بإدارة المدينة، ومن هناك ظهرت الديمقراطية التي نعرفها اليوم.

سمح هذا النظام السياسي الجديد لشعب أثينا بالتجمع في الأسواق والمجالس، والخوض بحرية في الشؤون العامة، وسرعان ما تحولت النقاشات بين العامة إلى موضوعات الخير والشر، والحياة والمعرفة، والأخلاق وغيرها من المجالات، وهو ما سمح بتطور سريع لأثينا في المعرفة والفنون، وبروز فلاسفة عظام.

على الأرجح كان يعيش المواطن الأثيني العادي، قبل 2500 سنة، أفضل من معظم شعوب العالم العربي، الذين لا يستطيعون اختيار حاكمهم والإدلاء برأيهم في الفضاء العام بحرية، وكان أيضًا الأثيني يسكن بيوتًا مبلطة وواسعة. علاوة على أنه كان يخرج أحيانًا للاستمتاع بحلقيات الحكمة والفلسفة في الأكورا، ويشاهد مسرحيات التراجيديا والكوميديا في الهواء الطلق، وهو ما لا يسع كثيرًا من الكادحين فعله اليوم.

4. روما.. مركز القوة والعظمة

كان الرومان في البداية مجرد مستوطنة من الفلاحين تقع بجوار المدن اليونانية، لكنهم تأثروا بالتطور السياسي والحضاري الحاصل بالإغريق، فأسقطوا سنة 509 نظامهم الملكي وأسسوا الجمهورية الرومانية، ومنذ ذلك الحين بدؤوا يتوسعون شيئًا فشيئًا حتى أنشأوا الإمبراطورية الرومانية لتصبح واحدة من أكبر الإمبراطوريات في العالم القديم، يقدر عدد سكانها بحوالي 50 إلى 90 مليون نسمة، أي حوالي 20% من سكان العالم في ذلك الوقت.

لم يكن الرومان مولعين بالاستغراق في التأمل والفنون والمعرفة مثل الإغريق، لكنهم كانوا عمليين أكثر، ويعملون جاهدين على توسيع نطاق حكمهم وإعمار مدنهم؛ مما سمح لهم بإنشاء إمبراطورية عظيمة، عاصمتها روما، التي كانت آنذاك مركزًا للعظمة والثراء والقوة.

كان لدى الرومان نظام سياسي يشبه الجمهوريات الكلاسيكية، حيث يشارك الإمبراطور السلطة مع مجلس الشيوخ الممثلين للشعب، وأحيانًا تتحول روما إلى ديكتاتورية عسكرية عندما يصل أحد الجنرالات إلى السلطة، لكن في العموم كان المواطن الروماني يحظى بحقوق وواجبات أيضًا، كما يفرضها قانون روما الصارم.

تاريخ

منذ 9 شهور
مترجم: مملكة عريقة نافست الحضارة المصرية.. هذه أعظم حضارات السودان المنسية

امتلكت روما بنية تحتية متطورة حتى بالنسبة لعصرنا اليوم، حيث كانت الشوارع مبلطة ومضاءة ليلًا بالمشاعل، والبيوت والقصور الرخامية الرحبة تملأ المدينة، ومزودة بقنوات للصرف الصحي، وأخرى تجلب المياه من الينابيع إلى داخل البيوت، بالإضافة إلى المرافق العامة من حمامات عمومية ومطاحن حبوب وزيتون، فضلًا عن المنتدى الروماني (البرلمان)، الذي كان يمثل المركز العصبي لإدارة المدينة.

دأب سكان روما كذلك على حضور مباريات الكولوسيوم، التي كانت تقام بانتظام في المدينة، حيث يتبارز المجالدون فيما بينهم، وأيضًا مع الحيوانات المفترسة، وما يزال إلى اليوم مدرج الكولوسيوم الضخم صامدًا معلمًا سياحيًّا في إيطاليا.

ساهم الرومان بقوة في تطوير البنية التحتية ونظام ربط البيوت بالقنوات المائية، ونظام إدارة مجتمعات هائلة الحجم، كما أنشأوا جيشًا محترفًا سمح لهم بالتوسع، وأسسوا نظامًا للحكم نعرفه اليوم بالجمهورية، والذي كان مصدر إلهام لجمهوريات حديثة مثل الولايات المتحدة، التي إلى الآن تسمي برلمانها الرئيسي، بمجلس الشيوخ.

*الصورة الرئيسية للتقرير هي إعادة تصميم لمدينة منف من لعبة «أسِّسنز كريد أوريجينز».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد