منذ اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، انتقل آلاف الروس إلى سوريا لدعم الأسد وقواته في مواجهة المتظاهرين، قبل أن تتحول هذه المواجهات بعد فترة ضد أنصار لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» بمناطق مختلفة في سوريا. وبعد انتهاء المواجهات على خطوط القتال، وتمكن قوات الأسد بدعم روسي من السيطرة على أغلب المناطق التي كانت تحت حكم «داعش»؛ اختار أعداد كبيرة من الجنود الروس الإقامة بشكل دائم في سوريا، بتوجيه من سلطات بلادهم، وذلك بعدما بنت موسكو قاعدتين عسكريتين، وفي طريقها نحو بناء ثالثة.

هذا الوجود الدائم للجنود الروس في سوريا، صنع نمطًا جديدًا لحياتهم، بعدما أصبحوا سكانًا دائمين في المدن السورية. يحاول التقرير التالي التعرف علي هذه المظاهر، وفقًا لشهادات خاصة من سكان سوريين، ومصادر أخرى، رسمت صورة كاملة لحياة القوات الروس، سواء النظامية أم المرتزقة الذين جاءوا للقتال عبر شركات وسيطة.

«هآرتس»: قد يكتب نهاية أزمة سوريا.. هذا هو التحالف الجديد في الشرق الأوسط

العسكر الروس «سكان أصليون»! «منيو» طعام روسي ومتنزهات خاصة

تحول العسكر الروس إلى «سكان أصليين» في سوريا، بعدما انتقلوا من كونهم زائرين لقضاء مهمة عسكرية محددة إلى شبه مقيمين بشكل دائم، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، مدفوعين وراء ذلك بالمصلحة التي حتمت هذا البقاء. وقد كان أحد أبرز مظاهر هذا الوجود الدائم وتحول الروس من زائرين لسكان شبه أصليين هو مدة عقدي إيجار قاعدتي حميميم وطرطوس البحرية لصالح الروس، والتي تم تحديدها لنحو 49 سنة قابلة للتمديد؛ الأمر الذي يحسم مسألة البقاء الطويل لسنوات ممتدة.

هذا الوجود الدائم لهؤلاء الجنود تطلب استنساخ مظاهر حياة تتوافق مع أنماط معيشتهم في روسيا؛ والذي تحقق عبر أشكال متنوعة، وسط قبول رسمي وشعبي. فبحسب مصادر محلية من مدينة اللاذقية الساحلية، تحدثت لـ«ساسة بوست» عبر وسائل الاتصال الإلكتروني، فقد امتد حضور الجنود الروس إلى الشوارع العادية، حيث يراهم المواطنون المحليون يوميًا في الشوارع من منظور آخر يخالف الصورة والانطباع السائد باعتباره احتلالًا لبلد عربي.

إذ يقول مصدر سوري محلي من سكان مدينة اللاذقية: إن «الوجود الروسي محبوبٌ من العلويين والشيعة، ومكروهٌ من السنة». «ناس منظمون، وبيشتغلوا صح، وأنقذوا اللاذقية، لولا تدخلهم بآخر وقت؛ كانت اللاذقية صارت زي باقي المحافظات. لا أحد يعرف كيف بيشتغلوا؛ عندهم سرية تامة، لكن كل الشعب بيشوف القوات الروسية في الشوارع».

هذا الحضور الواسع للروس على الأرضي السورية تنعكس مظاهره في مواقف مختلفة، أبرزها إدخال محلات المدن السورية الموجود فيها الروس قوائم للأطعمة الروسية ضمن منتجاتها المعروضة، تلبية لاحتياجاتهم في ظل بقائهم لفترات طويلة كـ«مقيمين» لا «زوارًا»، ووسيلة من جانب آخر لهؤلاء التجار لتنشيط حركة البيع والشراء التي تأثرت كثيرًا بسبب الأزمة المالية، التي انعكست على قيمة أجور الموظفين بعد الانخفاضات الكبيرة في الليرة.

وسعى الروس داخل مناطق تمركزهم بالمدن السورية لخلق حياة موازية، عما كانت موجودة في وقت سابق تتمع بامتيازات تجعلها «أكثر رفاهية»، شملت تأسيس قاعات الرياضة، وحمام «الساونا»، والمخابز، ومصبغة الملابس، وكذلك كنيسة صغيرة أرثوذكسية، في حيز وجودهم بالمدن السورية.

وتحدث ضابط روسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عن وجودهم الممتد لسنوات طويلة، وربط ذلك بإشارته إلى نباتات صغيرة مزروعة داخل حديقة في القاعدة البحرية الروسية، معلقًا عليها بأن «سيكون أمامها الوقت الكافي لتنمو»، ويقول ضابط روسي – فضل عدم الكشف عن هويته – إن لدى الجنود «كل وسائل الراحة اللازمة».

وتشكل قاعدتا «حميميم» الجوية ومرفأ طرطوس البحري المناطق الأساسية لتمركز القوات الروسية داخلها على الأراضي السورية. إذ جرى إنشاء قاعدة حميميم الجوية، من خلال اتفاق رسمي مع الحكومة السورية في أغسطس (آب) 2015، وهي تقع جنوب شرق مدينة اللاذقية شمال سوريا، وتشمل مركزًا ضخمًا لجمع المعلومات الاستخباراتية، وحُولِت إلى مركز عسكري دائم أواخر العام 2017، وتحيط بها ثكنات القوات البرية الروسية.

بينما تقع قاعدة طرطوس البحرية، على بعد 50 كيلومتر فقط من حميميم، حيث تتمثل مهامها في تزويد السفن العسكرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط بالإمدادات، وتدير عمليات التواصل والتجسس ومراقبة المنطقة الواقعة شرق المتوسط.

وتتفاوض روسيا لتأسيس قاعدة عسكرية جوية جديدة على الأراضي السورية، وتحديدًا استئجار مطار القامشلي لمدة 49 سنة، بهدف نشر أنظمة دفاع جوية قادرة على رصد التحركات الأمريكية في العراق؛ مما يشي بأن أعداد الروس في طريقها للزيادة.

ويرتبط انتشار هذه المظاهر بالارتفاع اللافت في أعداد الروس، سواء عسكريين أو مدنيين وافدين إلى سوريا في السنوات الاخيرة، فقد ارتفعت أعداد الرحلات بين البلدين بأكثر من أمثاله منذ بدأت موسكو الاستعدادات لعمليتها في سوريا منتصف عام 2015.

وسجل جهاز الأمن الاتحادي أعداد زائري سوريا من المدنيين الروس بحوالي 22 ألفًا في 2016، ونحو 25 ألف في 2017، فيما قدر وزير الدفاع سيرجي شويجو العام الماضي أن أكثر من 63 ألفًا من أفراد الجيش الروسي اكتسبوا خبرة قتالية في سوريا منذ 2015، وهو العدد الذي تراجع بمرور الوقت، مع انقضاء المعارك العسكرية.

الضباط الروس وضباط الأسد.. قبض وتفتيش وتعمد إهانة

تُشكل سطوة الضباط الروس على قوات الأسد مظهرا بارزًا لوجودهم داخل المدن السورية؛ إذ تظهر هذه السطوة في وقائع متعددة من بينها تفتيشهم لعدد من أفراد قوات النظام السوري، أو قيام الشرطة العسكرية الروسية بإلقاء القبض على عدد منهم جنوب دمشق، وتصويرهم بطريقة مهينة، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، دون اعتبار لهيبتهم.

الواقعة الأهم في كشف هذه السطوة هي ما ذكرته صفحة قاعدة حميميم الروسية على «فيسبوك»، من أن الشرطة الروسية قد تمكنت: «في جنوب العاصمة دمشق من إلقاء القبض على عدد من عناصر القوات الحكومية السورية بعد محاولتهم نهب وسرقة ممتلكات المدنيين». وتابعت ردًا على أسئلة من موالين لدمشق: «بكل تأكيد القوات الروسية لا تسمح بحدوث انتهاكات في المناطق التي تم تحريرها كما تلتزم الشرطة الروسية في إعادة الأمن والأمان لمناطق جنوب دمشق، وسيتم التعامل بالقوة مع أي تمرد من قبل الأفراد المتورطين بانتهاك القانون، ومن يساندهم في المناطق التي تم تحريرها بمشاركة من القوات الروسية».

هذا الحضور والسطوة للقوات الروس عكس تململًا عند قطاع عريض من داعمي الأسد، اعتبرها «اهانة لكل سوري». ومثال على ذلك، ما كتبه رضا الباشا، الإعلامي في قناة الميادين الداعمة لنظام الأسد، عبر حسابه على «فيسبوك»: «انتشرت صور من ببيلا ويلدا تظهر الشرطة العسكرية الروسية تهين مجموعة تعفيش وسرقة يرتدون اللباس العسكري، الجهة المسؤولة عن هؤلاء اللصوص يجب أن تحاكم عسكريًا لأنها أعطت الضوء الأخضر للصوص؛ مما تسبب في إهانة لكل سوري».

كذلك امتد نفوذ وسطوة القوات الروسية إلى تهميش أشخاص تابعين لجهات نافذة مثل المخابرات الحربية السورية، فضلًا عن تمكن قوات الروس من تهميش حضورهم في المناطق عبر القيام بمهامهم، والتعامل معهم بشكل مُهين،  أمام سكان المناطق المحلية، للدرجة التي جعلت الروس يطالبون السكان بوثائق الهوية الرسمية لكل شخص، كوسيلة لفرض سطوتهم.

وأثارت تلك الحوادث موجة غضب على مستوى القيادات العسكرية والأمنية للنظام لما اعتبروه «تعديًا على جنود الجيش العربي السوري من قبل قوات يُفترض أن تكون صديقة».

المرتزقة الروس في سوريا.. حياة أكثر عشوائية

في المقابل تبرز حياة أخرى لروس آخرين جاءوا إلى سوريا لأداء المهمة نفسها التي تؤديها قوات جيشهم النظامي، وهي القتال في الخطوط الأمامية جنبًا إلى جنب مع قوات بشار الأسد. هؤلاء الروس هم المُرتزقة الذين لا يُعتبرون رسميًا جنودًا، خلافًا لكون مهامهم كمرتزقة محظورة قانونًا. وتنص على ذلك العقود التي يوقعها المتعاقدون، إذ تُلزمهم على ألا يتحدثوا، لا هم ولا أفراد أسرهم، عن طبيعة عملهم إلى وسائل الإعلام.

 الأمر الوحيد الذي يشترك فيه هؤلاء المرتزقة مع الجنود الروس النظاميين هو أنهم يتلقون علاجًا عند الإصابة في المستشفيات المحجوزة للجيش الروسي. ويُقدر أعداد الروس المرتزقة في سوريا بنحو 3 آلاف مقاتل روسي، انخرطوا في مهامهم العسكرية منذ عام 2015، وتباينت مهامهم بين الاشتراك في مهام عسكرية قتالية، أو حماية قواعد عسكرية روسية ومنشئات هامة تابعة لبلادهم.

ترتسم العشوائية على حياة هؤلاء المرتزقة في مظاهر متعددة تبدأ من المرتبات الضئيلة التي يتقاضونها، وتصل لنحو 3 آلاف دولار أمريكي شهريًا، وتنتهي بإنكار السلطات الرسمية الاعتراف بهؤلاء حال وقوع إصابات لبعضهم أو قتلهم؛ ما يحول دون تسليم جثث أغلبهم إلى ذوييهم في روسيا، على خلفية التجاهل والنظرة الدونية للسلطات لهم.

وتمتد هذه العشوائية في التعامل معهم بوصفهم مقاتلون من الدرجة الثانية، إلى الأطعمة المُقدمة لهم خلال فترة وجودهم في سوريا؛ إذ تحصل كُل مجموعة قتالية على حقائب طعام تكفيها لمُدة شهر، وتشتمل على أغذيةٍ مُعلَّبة وأرز ومعكرونة. لكن أغلب هذه العناصر القتالية يشكو من عدم كفاية هذه الأغذية، إلى جانب التنبيهات التي تشدد عليها السلطات الرسمية حول تحركاتهم، إذ يُحظر عليهم السير في الشوارع كحال الجنود الروس، وتوضع قيودًا على كافة تنقلاتهم، والتي تصل إلى حظر استخدام الهاتف.

أمام هذه القيود على تحركاتهم وضعف المقابل المالي، يضطر عناصر من هؤلاء إلى البحث عن طرق بديلة تضمن لهم حرية أكثر بطرق غير مشروعة، عبر بيع الذخيرة التي بحوزتهم لوسطاء مقابل الحصول على عدّة علب سجائر، أو مشروبات كحولية أو حتى مُعدّات أفضل.

يستعيد ألكسندر وهو أحد المُشاركين كمرتزق روسي في الحرب السورية، وقائع مهامه خلال حديثه «ناشيونال انتريست»، قائلًا: «كنا نقوم ببيع ما بين 10 إلى 15 خرطوشة إلى وسيط ، مقابل الحصو على عدة علب من السجائر أو الكحول أو بعض المعدات الأفضل».

وكانت بعض الصور التي نشرتها صحف أمريكية لبعض من زملاء ألكسندر في الشوارع السورية قد أدت لمزيد من التحكمات في تحركاتهم، وإلزامهم بالبقاء في مواقع سرية، وحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يقول ألكسندر: «من خالف هذه التعليمات كان عقابه إرساله إلى منزله في روسيا دون الحصول على روبل واحد».

ويضيف الكسندر، وهو اسم مستعار حماية له، أن العقد القائم بيننا وبين الشركات الوسيطة ورقةٌ لا قيمة لها، كاشفًا أنه كان مستحيلًا البقاء على قيد الحياة أكثر من ستة أشهر حال الاكتفاء بالمواد الغذائية التي تسلمها هو والعناصر الملازمة هل من الجهات الروسية بعد وصولهم سوريا.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها.. 4 ملفات تتصارع حولها روسيا وإيران في سوريا

المصادر

تحميل المزيد