هل هناك حياة على المريخ؟ سؤال طُرح وما زال يطرح من جانب علماء الفلك والفضاء، والأبحاث والبعثات للكوكب الأحمر لا تتوقف حتى وقتنا هذا، في محاولة لمعرفة ما الذي كان يدور على هذا الكوكب في أزمنة قديمة تعود لمليارات السنين، وهل عاش عليه بشر أو كائنات أخرى من قبل حتى لو كانت كائنات دقيقة؟

قد تظن أن هذا السؤال قد قُتل بحثًا، أو أصبح خبرًا قديمًا، لكن الجدل يثار حتى وقتنا هذا، حول الكوكب الأحمر، وهذا الجدل ليس من جانب بعض الأشخاص الهواة المهتمين بالفضاء الخارجي وأصحاب النظريات الغريبة، بل من جانب علماء الفيزياء الفلكية أنفسهم، الذين طرحوا بعض التفسيرات عن وجود حياة على كوكب المريخ، وتساءلوا: هل بدأت الحياة كما نعرفها الآن على المريخ؟ أم أن البشر «لوثوا» الكوكب الأحمر بمظاهر الحياة؟

«معضلة كبيرة».. هل بدأت الحياة البشرية على الكوكب الأحمر؟

اعتمد فيلم «Interstellar» للمخرج البريطاني كريستوفر نولان في قصته على فكرة غريبة بعض الشيء، وهي أن كوكب الأرض لم يعد صالحًا للحياة، وأن البشر على الأرض ربما لن يسمح الوقت بإنقاذهم، فإذا لم يكن الوقت متاحًا لإنقاذ سكان الأرض، فلماذا لا ننقذ الجنس البشري بشكل عام؟

هكذا فكر أحد العلماء – في أحداث الفيلم وعليه جهَّز مجموعة من الحضَّانات لأجنة بشرية لم تكتمل بعد، حتى يطلقها إلى كوكب صالح للحياة في مجرة أخرى بمساعدة أبطال الفيلم، وغالبًا فإن هؤلاء البشر عندما يخرجون من الحضَّانات وينظرون إلى الكوكب الجديد؛ سيكون هذا الكوكب هو وطنهم، وربما لا يعلمون شيئًا عن كوكب الأرض، بل قد يمتد الأمر إلى أنهم ربما يكتشفون كوكب الأرض في يوم من الأيام وهو مهجور من الحياة تمامًا بعد أن دمره التغير المناخي؛ وربما أيضًا يثير اهتمامهم هذا الكوكب الغريب المهجور الذي عليه بقايا حياة بشرية، ومن هذا السيناريو، هل يمكن القول بأن الأمر نفسه ينطبق على كوكب المريخ؟ أم أنها فكرة خيالية تصل لحد التطرف والجنون؟ وهل كوكب المريخ بما عليه من معالم الحياة البشرية كان هكذا طوال الوقت والسنوات الطويلة الماضية؟ أم أن بشر كوكب الأرض لهم يد في ظهور تلك المعالم على المريخ؟

«معضلة كبيرة»؛ هكذا وصف جوناثان لونين عالم الكواكب بجامعة كورنيل في ولاية نيويورك الأمريكية، الجدال العلمي الدائر منذ ما يقرب من 10 سنوات في أوساط علماء الفلك والفضاء، وهذا بعد ظهور عدة مظاهر للحياة على سطح كوكب المريخ مثل الكائنات الدقيقة، والمياه والتنوع المناخي، وبحيرات صالحة لأشكال الحياة، واكتشاف العديد من المكونات الكيميائية الضرورية للحياة كما نعرفها على الأرض، من بينها الكبريت والنيتروجين والهيدروجين والأكسجين والفوسفور والكربون.

تلك الاكتشافات طرحت نظرية غريبة بعض الشيء، وهي أن الحياة قد بدأت في الأساس على كوكب المريخ! وأن كوكب المريخ هو الموطن الأصلي للحياة كما نعرفها الآن. وهناك سؤال ما زال يؤرق حتى من يصدقون في احتمالية تلك النظرية وهو: هل نشأت الحياة على كوكب المريخ بشكل مستقل وموازٍ لكوكب الأرض؟ أم أن كوكبًا قد لقَّح الآخر بشكل الحياة الأولية (المواد العضوية والكائنات الدقيقة) من خلال النيازك منذ نحو 3.8 مليارات السنين؟

الحياة على المريخ.. هل كنا هناك ثم انتقلنا إلى هنا؟

تميل بعض الآراء إلى أن الحياة قد بدأت في الأساس على كوكب المريخ، وهذا وفقًا لعمر الرواسب التي يدرسها العلماء الآن من كوكب المريخ، والتي حصلوا عليها من المهمة المعروفة باسم «مهمة عودة العينة»، والتي كان هدفها إحضار عينات صالحة للدراسة من كوكب المريخ، موضحين أنه ربما انتقال الحياة من المريخ للأرض لم يحدث عن طريق انتقال البشر أنفسهم للأرض، بل من خلال انتقال الحياة الأولية (الميكروبات) إلى كوكب الأرض من خلال الأحداث الفلكية الكبرى مثل التصادم والنيازك.

وهو رأي ليس بعيدًا عن الحقائق الموجودة على أرض الواقع، فوفقًا للرابطة الدولية لهواة جمع النيازك فإن النيازك المريخية عُثر عليها في القارة القطبية الجنوبية وفي مناطق متفرقة في أنحاء العالم، بما يقدر بحوال 160 قطعة من بقايا الصخور القادمة من المريخ، تلك الصخور التي قد تكون وصلت لكوكب الأرض من ملايين السنين، مُحملة بأشكال الحياة الأولية التي نشأت على الأرض كما نعرفها الآن.

وفي عام 2013 بمؤتمر «البحث عن الحياة فوق سطح المريخ» قال كبير علماء الفضاء، جون جروتزينجر، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا إن علامات الحياة الموجودة على كوكب المريخ تعد دافعًا قويًّا لدراسة مظاهر الحياة الأولية التي ظهرت على كوكب الأرض والتي استطاع البشر حفظها؛ ومقارنتها بمظاهر الحياة على المريخ، بهدف فهم «أين نشأت الحياة كما نعرفها الآن على كوكب الأرض؟».

تلك النظريات فتحت الباب للمزيد من الأسئلة سواء من جانب المتخصصين والتي عادة ما تكون أسئلة منطقية، أو من جانب المهتمين بالفضاء والتي تجنح لتكوين أفكار متطرفة، وتعد أكثر نظرية غريبة حول بداية الحياة على المريخ، هو أن تلك الحياة الأولية على كوكب المريخ تطورت حتى وصلت للبشر – نحن- وكان المريخ هو موطن البشر الأصلي، لكن بعد تعرضه للدمار (كما يحدث للأرض الآن ببطء)، بحث البشر في الفضاء الخارجي على كوكب صالح للعيش، وهنا ظهر كوكب الأرض وانتقل البشر إليه!

وتلك النظرية التي بنى عليها كريستوفر نولان – كما ذكرنا سلفًا- فكرة فيلم «إنترسلتر» بالكامل، لكن الفكرة الأكثر احتمالية من منطلق علمي، أنه إذا كان المريخ هو أصل الحياة التي نعرفها على كوكب الأرض، فإن هذا حدث بانتقال الحياة الأولية من المريخ للأرض، وليس البشر أنفسهم.

هل لوَّث البشر الكوكب الأحمر بمظاهر الحياة الأولى؟

في المقابل هناك نظرية حديثة ظهرت هذا العام 2021، عندما طرح عالم الوراثة كريستوفر ميسون سؤالًا مهمًّا «هل لوث البشر المريخ بالحياة»؟ موضحًا أن هناك ما يزيد على 30 مركبة فضائية بمعداتها قد هبطت على المريخ منذ عصر استكشاف الفضاء، فماذا لو أن البشر هم من نقلوا أشكال الحياة الأولية دون قصد إلى كوكب المريخ، ومن ثم اكتشفوها، وقالوا إنها عاشت على المريخ طوال مليارات السنين؟

«لدى وكالة ناسا ومهندسيها في مختبر الدفع النفاث (JPL) بروتوكولات دقيقة وشاملة لتقليل عدد الكائنات الحية التي قد تتنقل دون قصد في مهمة فضائية. وتوجه المعايير المتفق عليها دوليًّا إلى أي مدى يجب أن تكون هذه البروتوكولات صارمة وتلتزم بها وكالة ناسا، لكن في بعض الحالات قد يحدث تجاوزات» 

هكذا يصرح ميسون مؤكدًا أيضًا أنه يصعب الوصول للرقم الصفر فيما يخص الميكروبات؛ فهي كائنات دقيقة عاشت على الأرض ملايين السنين وتعيش وتنمو داخل أجسادنا، وخارجها أيضًا على الجلد، ولذلك يكون من الصعب أن تصعد مركبة إلى الفضاء أو جهاز استكشافي دون أن يكون فيه بعض أشكال الحياة الأولية، رغم كل ما تراعيه ناسا من إجراءات تنظيف صارمة.

ولذلك يؤكد ميسون أنه من الضروري أثناء دراسة العينات القادمة من المريخ أن يكون هناك اهتمام كبير بالتفريق بين أشكال الحياة التي وجدت على المريخ بشكل مستقل، وبين أشكال الحياة التي أحضرها البشر أثناء صعودهم للمريخ.

لكن فوهة بركان جيزيرو الموجود على كوكب المريخ، والتي يعتقد العلماء الذين يحاولون دراسة عينات منها أنها كانت بحيرة على سطح المريخ قبل مليارات السنين؛ قد تقف ضد نظرية ميسون بأن البشر قد لوثوا الكوكب الأحمر بالحياة حديثًا من خلال محاولات استكشافه؛ لأن هذا البركان قد يكون المكان المثالي للبحث عن دليل على الحياة الميكروبية القديمة على المريخ!

«ماكدونالدز» على المريخ!

في شهر أبريل (نيسان) من هذا العام 2021، نشر عالم الفيزياء الفلكية الشهير، نيل ديجراس تايسون، على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، صورة مثيرة للجدل وكتب عليها كلامًا أكثر إثارة للجدل، وكانت الصورة واحدة من الصور التي التقطتها مروحية إنجينيويتي الاستكشافية التابعة لناسا.

الصورة التي نشرها العالم على حسابه

وقد أظهرت تلك الصورة ظلالًا تشبه علامة «ماكدونالدز»، وكتب معلقًا على تلك الصورة: «علامات الحياة الأولى تظهر على المريخ»، وعلق العالم مازحًا: «البعض يسأل، البرجر الذي يباع بوزن ربع باوند على المريخ قد يزن 10 أوقيات على الأرض أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما يباع على الأرض»، وعلى الرغم من لهجة العالم الساخرة فإن منشوراته أثارت الجدل لما يحوم حول الكوكب الأحمر من غموض، مؤكدًاهذا الجدلأن جميع الاحتمالات قد تكون ممكنة في أذهان البشر على كوكب الأرض فيما يخص الحياة على المريخ.

«الحياة على المريخ» هي قضية ستظل موضع جدل وبحث في الأوساط العلمية، ومحط اهتمام مستكشفي الفضاء، ربما بسبب الرغبة في معرفة الإجابة عن سؤال: هل نحن الكائنات الحية الوحيدة التي عاشت في هذه المجرة؟ أو بسبب الرغبة في استكشاف كواكب أخرى صالحة للحياة في حالة عدم قدرة البشر على إنقاذ كوكب الأرض من مصيرة المنتظر، والذي لا يبشر بالخير في حالة عدم القدرة على معالجة التغير المناخي والسيطرة عليه.

لكن السؤال الذي لا يزال مطروحًا ويثير فضول العلماء؛ هل بدأت الحياة على المريخ فعلًا؟ فإذا كانت الإجابة هي نعم فهذا معناه أننا في الأصل مريخيون، انتقلنا إلى كوكب الأرض.

إنفوجرافيك

منذ سنتين
7 أماكن على الأرض تشبه المريخ.. أحدها جوه الأكثر نقاءً في العالم

المصادر

تحميل المزيد