وُلد الحسن بن هانئ بن الصباح عام 145هـ في الأهواز ببلاد فارس، ومات أبوه وهو صغير، فأرسلته أمه إلى البصرة ليعمل في حانوت عطار، وكان أبو نواس يرتاد -حين يفرغ من عمله- مجالس الشعر فتتلمذ على يد أئمة البصرة، حتى تعرّف إليه الشاعر والبة بن الحباب، وأُعجب بذكائه وصحبه معه إلى الكوفة ثم إلى بغداد.

وتعكس أشعاره روح عصره الذي انتشرت فيه الملذات، وكان أول ما قاله أبو نواس من الشعر، الأبيات الشهيرة:

حامِلُ الهَوى تَعِبُ ** يَستَخِفُّهُ الطَرَبُ

إِن بَكى يُحَقُّ لَهُ ** لَيسَ ما بِهِ لَعِبُ

تَضحَكينَ لاهِيَةً ** وَالمُحِبُّ يَنتَحِبُ

تَعجَبينَ مِن سَقَمي ** صِحَّتي هِيَ العَجَبُ

كُلَّما اِنقَضى سَبَبٌ ** مِنكِ عادَ لي سَبَبُ

مدح أبو نواس الخليفة العباسي هارون الرشيد، وأعجب الرشيد بشعره ونوادره وقربّه إليه، ولازمه أبو نواس، وعاش معه في ترف قصر الخلافة، وأنشد أغلب أشعاره في وصف النعيم والترف والجواري والخمر، حتى قيل إنه «شاعر الخمر»، وزاد على ذلك بأن تغزّل في غلمان القصر، وكان أول من يقول الشعر فيهم.

دَعْ عَنْكَ لَوْمي فإنّ اللّوْمَ إغْرَاءُ ** ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ

صَفراءُ لا تَنْزلُ الأحزانُ سَاحَتها ** لَوْ مَسّها حَجَرٌ مَسّتْهُ سَرّاءُ

ويقول سالم شمس الدين في تقديمه لديوانه: «كان أبو نواس أجود الناس بديهة، وأرقهم حاشية، لسِنًا فصيحًا عالمًا بالشعر وضروبه»، وقال عنه الإمام الشافعي: لولا تهتّك أبي نواس لأخذت عنه.

سَأُعطيكِ الرِضا وَأَموتُ غَمًّا ** وَأَسكُتُ لا أَغُمُّكِ بِالعِتابِ

عَهِدتُكِ مَرَّةً تَنوينَ وَصلي ** وَأَنتِ اليَومَ تَهوَينَ اِجتِنابي

وَغَيَّرَكِ الزَمانُ وَكُلُّ شَيءٍ ** يَصيرُ إِلى التَغَيُّرِ وَالذَهابِ

فَإِن كانَ الصَوابُ لَدَيكِ هَجري ** فَعَمّاكِ الإِلَهُ عَنِ الصَوابِ

ويُروى مما كان بينه وبين هارون الرشيد أنه دخل عليه ذات مرة فانشغل عنه الرشيد بجارية فُتن بها، ورآه أبو نواس يهدي إليها عقدًا، فانصرف غاضبًا وكتب على باب القصر:

لقد ضاع شعري على بابكم ** كما ضاع عقد على خالصة

علمت الجارية بما كتبه الشاعر، وحين أتى إليها الرشيد وجدها تبكي، وتذكر له ما كان، فغضب الرشيد وأرسل في طلب أبي نواس، الذي علم بما ينتظره، فذهب في طريقه يغير حرفين في القصيدة لتصبح:

لقد ضاء شعري على بابكم ** كما ضاء عقد على خالصة

وهكذا راح يقول البيت للخليفة، الذي كافأه ببعض المال، وقد علم بما كان لكنه كافأه على حكمة التصرف.

يقول الشاعر العراقي محمد مظلوم إن أبا نواس أول شاعر مدينة في الشعر العربي، والمؤسس الحقيقي لقصيدة الكوميديا في هذا الشعر، حتى إنه قال قصيدة يهدد فيها إبليس بالتوبة:

دعوتُ إبليسَ، ثمّ قلتُ لهُ ** في خـلـْــوَة ٍ والدّمــوعُ تَـنـْــهَمِـــرُ

إنْ أنْتَ لم تُـلْقِ لي الـمـوَدّة َ فـي ** صدْرِ حبيبي، وأنْتَ مُقتدِرُ

لا قلْتُ شعْرًا، ولا سمعْتُ غِنًا ** ولا جَرَى في مَفَاصِلي السَّكَرُ

ورُوي أنه كان سكرانًا، فمر بمسجد حضرت فيه الصلاة فدخل في الصف الأول، فقرأ الإمام «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» فإذا بأبي نواس يقول: لبيك، فلما قُضيت الصلاة ساقوه للحساب.

غدوتُ على خمر ورحتُ إلى خمرِ** وأقبلتُ من سُكرٍ أميلُ إلى سكرِ

ولم أرَ مثلي لا تزال ركابهُ ** على سفرٍ من غير برّ ولا بحرِ

وقال أبو نواس في إبليس:

عجبتُ من إبليس في كبره ** وخبث ما أضمر في نيته

تاه على آدم في سجدة ** وصار قوادًا لذريته

«نحاولُ مُلكـًا أو نموتَ فنُعذرا».. حين يزور «شيطان الشعر» الملوك

 

الاضطرابات السياسية تشكل شخصية أبي نواس الشعرية

يذكر عباس العقاد أن العصر السياسي الذي عاش فيه أبو نواس كان له أكبر الأثر في هذا التكوين، فقد عاش في أوائل القرن الثاني الهجري حين سقطت الدولة الأموية وقامت دولة بني العباس، « وأمثال هذا العصر في تواريخ الأمم يتسم بسمات الانقلاب، ويشيع اليأس من جانب والمجازفة من جانب آخر، ويتبدل فيها الولاء غير مرة بين النجم الآفل والنجم الطالع».

في مقابل الخلافات في بيت الحكم قامت في ذلك الزمان خلافات بين الرعية؛ الفرس والعرب، والعرب انقسموا بين القحطانيين والعدنانيين، فضلًا عن الخوارج الذين رموا كل هؤلاء بالكفر.

أبو نواس بريشة الشاعر والفنان اللبناني جبران خليل جبران- مصدر الصورة

    وقد عاش أبو نواس في طفولته هذه الظروف، وشهد لاحقًا وعن قرب من قصر الخلافة النزاع بين الأمين وأخيه المأمون.

وقُدّر لأبي نواس أن يُبتلي بمحن كثيرة في عصره، لا أن يكون شاهدًاعليها فقط، فعاش في خضم التقلّبات فكان أبوه من جند بني أمية، وهكذا ضاع رزقه لدى سقوط الأمويين، وكانت أمه من الأهواز محل الخلافات فغادرت به إلى البصرة بحثًا عن الرزق، وكانت البصرة حينها محلًّا للدعوة السياسية، فعرف أبو نواس مبكرًا النفاق والرياء.

كما كانت البصرة – وكل مدن العراق- حينها ملتقى كل المِلل، فعاش فيها المجوس والزنادقة وأهل الصين والهند، واختلف على أرضها أهل المذاهب في النحو، والفقه، والفلسفة، وعلوم الكلام.

نوادر أسطورية.. حينما أحب «الحاذق» سوء سمعته

كان أبو نواس يتقي من حسن السمعة ما يتقيه الإنسان السوي من مذمتها. *عباس محمود العقاد

اشتهر أبو نواس بين الأميين وجهلاء العامة وصار اسمه علمًا فعُرف بينهم باسم أبي النوّاس أو النواسي؛ فقد عُرف بأنه الشخص الحاذق، أو «الحِدق» بالعامية، وتناقلوا أخباره ونوادره وأضافوا إليها، ولم يسلم من هذه الإضافات إلى سيرة الرجل حتى رواة الأدب، فكانوا «يؤثرونه بكل خير إن استطاعوا» وكذلك المصادر الأجنبية.

يفسر عباس العقاد هذه الشهرة بأن أبا نواس أصبح «شخصية نموذجية»؛ أي إنه مثّل نموذجًا اجتماعيًّا ولِع الناس بالحديث عنه، وأضافوا له كل خبر من جنس أخباره، مثلما أضافوا إلى حاتم الطائي حكايات عن الجود لم تقع، وكما أضافوا إلى سيرة لقمان الحكيم أقوالًا لم يقلها عن الحكمة.

على أن العقاد يحكي أن الشخصية التي تكوّنت لأبي نواس على مر السنوات لم تعد هي شخصيته الحقيقية؛ فقد صوّره الناس والرواة على أنه نموذج في سرعة الجواب، وإقحام نظرائه، وسعة الحيلة في الخروج من المآزق، وهو ما لم يكن صحيحًا تمامًا، كما أن اقترانه بشخصية نموذجية أخرى، وهو الخليفة هارون، كان سببًا في ما أُضفي عليه من شهرة.

ألا فاسقني خمرًا وقل لي: هي الخمر ** ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهر

يفسر العقاد هذه النزعة إلى المجون ومخالفة الدين والعرف والطبيعة أحيانًا إلى استخفاف أبي نواس برأي الناس، ورغبته في إعلان ما يفيد دائمًا بأنهم أهون عنده من أن يتستر، حتى إنه يطلب مذمتهم ويفضلها على ثنائهم.

ويُرجع العقاد ذلك إلى ظاهرة نفسية واضحة لدى أبي نواس هي «النرجسية»

لقد زادني تيهًا على الناس أنني ** أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر

المتأمل شعر أبي نواس سيجد أن وصفه للخمر والغزل والمجون لم يكن «اشتهاءً للمتعة» بقدر ما كان رغبة في الجهر بالمحرمات، وكما يقول العقاد: «من اللغو أن يبحث الباحث جادًّا عن مذهب أبي نواس في الزندقة، إنها آفة العبث بالمخالفة ولا شيء سواها يغريه بهذا السخف الذميم».

وإن قالوا: حرام، قل: حرام ** ولكن اللذاذة في الحرام

وأُشيع عنه نادرة «قيل إن إخوانًا له أشاعوا أنه تاب ونزع عما كان عليه من الفسوق والخمر، فأقبل الناس يهنئونه، فجعل يكذب ذلك ويقول: «والله أنا شر مما كنت، فلما كثُر ذلك عليها دعا بخمّار يهودي وأجلسه في جانبه ومعه خمر، فكلما جاء من يهنئه يقول للغلام: صبّ لي من خمرك، فيشرب قدحًا ثم يقول لمهنئه: قد رأيت صحة التوبة».

تمثال أبي نواس في العراق- مصدر الصورة

«فلقد علمت بأن عفوك أعظم»

صحب أبو نواس بعد هارون الرشيد ابنه الأمين، وشهد عن قرب ما دار بين الأمين والمأمون من خلاف، وتاب قبل موته، فقال في المرض الذي مات فيه:

لهف نفسي على ليال وأيامٍ ** تجاوزتهن لعبًا ولهوا

قد أسأنا كل الإساءة فاللهــم ** صفحًا عنّا وغفرا وعفوا

ومات سنة 199هـ، وكتب في رقعة عُثر عليها بعد موته:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ** فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ** فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا ** وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

محمد فوزي.. «ابن طنطا» الذي غنَّى لأم كلثوم وأبي نواس ولحَّن النشيد الوطني الجزائري

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!