من بين آلاف المفكرين والكتاب في حقول العلوم الإنسانية كافة، يبرز اسم ابن خلدون باعتباره أبا علم الاجتماع البشري، وأول من خط بقلمه قواعد علمية تحكم سير تاريخ الأمم والدول وفق حركة دائرية منظومة، لكن القليلين يعرفون أن وراء ذلك العقل «العبقري» قصة حياة صاخبة مليئة بالتقلبات والمغامرات، وأن حياة ابن خلدون لم تكن أقل صخبًا على الإطلاق مما أثارته مؤلفاته الفكرية على مدار قرون من الزمن.

على خطى الأجداد

ابن خلدون سليل أسرة عريقة، ينتهي نسبه إلى الصحابي وائل بن حجر، قدم جده الأكبر خالد (خلدون) إلى الأندلس عند الفتح، وحكم بعض أبنائه مدينة إشبيلية بعض الوقت، قبل أن تسقط منهم الرياسة، فأقاموا في إشبيلية زمنًا، حتى بدأت المدن الأندلسية تتساقط في يد الممالك المسيحية، فانتقل بنو خلدون إلى تونس حيث صار جد عبد الرحمن الأدنى (والد أبيه) مقربًا من أميرها أبي يحيى، وتولى منصب الحجابة، غير أن محمد والد عبد الرحمن قد زهد عن السياسة، ولمع في فنون الأدب.

بين جنبات هذا البيت العتيق، المتبحر في شؤون السياسة والأدب، ولد عبد الرحمن بن خلدون، في غرة رمضان 732 هجرية، في مدينة تونس، حيث تلقى العلم على يد أبيه الذي يمكن اعتباره معلمه الأول، ثم تتلمذ على يد كبار عصره، وخاصة علماء الأندلس الذين هاجروا إلى تونس بعدما ألم بها من النكبات، ومن أبرز هؤلاء أحمد بن عبد المهيمن الحضرمي الذي أخذ عنه ابن خلدون العلم الشرعي واللغة، وأبو عبد الله بن إبراهيم الآبلي الذي أخذ عنه العلوم العقلية، والفلسفة، والمنطق، والرياضيات، والفلك، والموسيقى.

وفيما كان الفتى الذي لم يبلغ العشرين بعد يبلي بلاء حسنًا في كل حقل يخوض فيه من العلوم، جاءته الطامة الأولى في حياته، حيث عصف «الموت الأسود» بالعالم شرقًا وغربًا، وأفنى نحو ثلث السكان، مات والدا عبد الرحمن ومعظم شيوخه، ونسبة كبيرة من سكان تونس. استوحش ابن خلدون الحياة بتونس بعد رحيل الأحباب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأراد الهجرة إلى المغرب الأقصي حيث ما تبقى من شيوخه وعلمائه ممن استطاع النجاة، قبل أن يصرفه أخوه عن مسعاه، ليكف ابن خلدون عن طريق العلم، ويبدأ في التطلع إلى المسار الآخر الذي لمع فيه أجداده، وهو مسار السياسة ، فأخذ يتطلع إلى الوظائف العامة متقلبًا بين بلاط السلاطين وقصور الأمراء كما سنسرد في السطور اللاحقة.

فنون

منذ 5 شهور
5 لوحات تشرح نظرية ابن خلدون.. هكذا جسَّد الفن نشأة الدول وسقوطها

قبل أن نخوض في مسيرة ابن خلدون السياسية، يجدر بنا أن نتوقف قليلًا لنلقى نظرة على أحوال الأمم والملوك في أفريقيا والمغرب في ذلك الزمان، حيث كانت منطقة شمال أفريقيا مسرحًا للثورات والتقلبات السياسية منذ أواخر القرن السابع الهجري، بعد انهيار دولة الموحدين، حيث انقسمت البلاد إلى ثلاث ممالك: فقامت في تونس دولة بني حفص، وفي تلمسان والمغرب الأوسط دولة بني عبد الواد، وفي فاس والمغرب الأقصى دولة بني مرين، مع بعض الإمارات الصغيرة في القواعد والثغور.

في عام 731هـ صار أبو الحسن سلطانًا وافر الطموح بعد وفاة أبيه، كان أبو الحسن وافر الطموح، يتطلع إلى أبعد ما في يده من الممالك والبلاد، فغزا جبل طارق وانتزعها من الممالك المسيحية مجددًا، ثم استولى على المغرب الأوسط وأطاح دولة بني عبد الواد، قبل أن يتطلع إلى أخذ تونس التي كان عليها حينئذ السلطان عمر بن أبي يحيى من بني حفص.

أناب أبو الحسن ابنه السلطان أبا عنان على المغرب الأوسط، ومضى باتجاه أفريقية (تونس) حتى انتزعها، وأقام بها عامين يوطد شؤونها، قبل أن تدور عليه الدوائر، فتدب الثورة في الثغور والمناطق في المغرب الأقصى، ويصل إلى مسامع أبي الحسن سعي ابنه أبي عنان لانتزاع العرش منه، ليسرع باتجاه المغرب الأقصى بعد أن ينيب ابنه الفضل على تونس.

لم يكد أبو الحسن يغادر تونس، حتى ثار بها أبو الفضل بن أبي يحيى يطلب ملك أسرته، ونجح في مسعاه قبل أن ينقلب عليه الوزير أبو محمد عبد الله بن تافراكين الذي أقام على العرش الطفل أبا إسحق بن يحيى، ليكون صورة للملك باسم الحفصيين، فيما استبد هو بشؤون الحكم وتصريف البلاد على الحقيقة.

«الغاية تبرر الوسيلة» عند ابن خلدون

استدعا الوزير أبو محمد ابن خلدون، وولاه وظيفة «كتابة العلامة» باسم السلطان المحجور عليه أبو إسحاق، كانت تلك الوظيفة تقتضى صياغة مقدمات الخطب والرسائل التي تصدر باسم السلطان، وتحتاج إلى قدرة بلاغية وإنشائية لم يفتقر إليها ابن خلدون أبدًا، لكنه كان يفتقر إلى الحماسة اللازمة للبقاء في تونس، خاصة أنه كان يسوءه ضعف حكومتها واضطراب أحوالها في مقابل استقرار أحوال المغرب الأقصى بقيادة السلطان أبي عنان، الذي تولى زمام الأمور بعد وفاة أبيه أبي الحسن.

جاءت الفرصة لابن خلدون بعدما زحف أمير قسنطينة، أبو زيد حفيد السلطان أبو يحيى الحفصي نحو تونس، راغبًا في استعادة ملك أسرته من استبداد الوزير بن تافراكين، فلقاه الأخير بجيشه، وكان ابن خلدون في ركاب الوزير، ولكن النصر كان حليفًا لأبي زيد، ففر ابن خلدون من المعسكر المهزوم، وتوجه صوب المغرب الأقصى كما كان يتمنى قبل سنوات.

كان السلطان أبو عنان في ذلك الحين في تلمسان، قاعدة المغرب الأوسط، فسعى ابن خلدون إلى لقائه، وأخذ يتودد إليه ويتقرب، ويقدم إلى السلطان فروض الولاء والطاعة، حتى ظفر ببعض بغيته، فعينه السلطان عضوًا في مجلسه العلمي بفاس، وكلفه شهود الصلوات معه، ولم تمض شهور قليلة حتى رفّعه السلطان ليكون ضمن كبار كتابه وموقعيه ممن يتولون كتابة وتوقيع الأوامر السلطانية.

أتيح لابن خلدون وهو في المغرب الأقصى أن يتصل بمعارفه القدامى من أهل العلم والأدب، فتمكن حينها أن يجمع بين اهتماماته بالسياسة والعلم معًا، لكن طموحه كان أبعد من ذلك، فلم يقنع بما أفاض عليه السلطان من المنح والمناصب، ورآها أقل مما كان بين يدي أسلافه وأجداده، فلم يمض عامان حتى اُتهم ابن خلدون بالتآمر مع الأمير الأسير أبو عبد الله محمد الحفصي (وكان أميرًا على بجاية من أعمال تونس قبل أن يستولي أبو عنان على أملاكه ويأخده معه أسيرًا) إلى فاس ويودعه السجن، قبض على ابن خلدون وأودع السجن، ورغم أن أبا عنان قد عفا عن الأمير محمد الحفصي نفسه، إلا أنه ظل غاضبًا على ابن خلدون طيلة عامين كاملين، حتى كتب ابن خلدون قصيدة من مئتي بيت، متوسلًا ومعتذرًا، ومما جاء فيها: 

على أي حال لليالي أعاتب * وأي صروف للزمان أغالب

كفى حزنا إني على القرب نازح * وإني على دعوى شهودي غائب

رق أبو عنان أخيرًا لتوسلات ابن خلدون بالإفراج عنه، لكن الموت كان أسرع منه، فقضى السلطان قبل أن ينفذ وعده، ليجيء بعده ابنه أبو زيان الذي لم يلبث أن أطاح به الوزير الحسن بن عمر الذي استبد بشؤون الحكم، وأقام على الحكم طفلًا من أبناء أبي عنان.

أخرج الوزير الحسن بن عمر ابن خلدون من سجنه، وأحسن إليه وقربه وأعاده إلى مناصبه، لكن الوزير الحسن تعرض إلى انقلاب من منصور بن سليمان، قبل أن يتعرض بدوره إلى انقلاب مضاد قاده أحد إخوة أبو عنان وهو الأمير أبو سالم بن أبي الحسن، الذي عبر البحر من الأندلس يطلب ملك أخيه، ونجح في مسعاه، يستقيم له الملك سنوات قليلة قبل أن ينقلب عليه صهره ووزيره عمر بن عبد الله الذي ولى أخاه تاشفين السلطان اسمًا لا وصفًا، فيما صار يصرف هو أمور الحكم باسمه.

في كل تلك الأحداث كان ابن خلدون حاضرًا، يميل مع الريح حيث مالت، يخطط وينفذ، ويتآمر مع هذا وذاك، وينضوي تحت راية كل متغلب ظاهر، ولو على حساب من أحسن إليه، انقلب ابن خلدون على الحسن بن عمر الذي خلصه من الأسر، وأخذ يتقرب من منصور بن سليمان حتى صار كاتبًا له، ثم تحالف مع أبي سالم وساعده على الإطاحة بابن سليمان، وحرض على ذلك الأعيان والشيوخ الذين كانت له عندهم كلمة مسموعة، ليوليه أبو سام خطة الكتابة، ثم خطة المظالم، ثم انضم إلى شيعة الوزير عمر بن عبد الله بعد ذلك فأقره على مكانته ومنصبه.

لكن ابن خلدون كان يطمح إلى ما هو أرفع من ذلك من المناصب كالحجابة أو الوزارة، وهو ما رفضه الوزير ابن عبد الله، فغضب ابن خلدون واستقال من وظائفه فغضب عليه الوزير، قبل أن يعالج ابن خلدون الأمور ببلاغته وذكائه، ليأذن له الوزير بالخروج من المغرب الأقصى، على ألا يمر بالمغرب الأوسط حيث كان عمر بن عبد الله يخشى أن يتصل ابن خلدون بأعدائه من بني عبد الواد، فهو خير من يعرف طباع ابن خلدون ومراوغاته، فلم يعد أمام ابن خلدون إلا أن يولي وجهه شطر المغرب.

ابن خلدون يولي وجهه شطر الأندلس

توجه ابن خلدون إلى غرناطة، حيث كانت تربطه علاقة صداقة بوزيرها لسان الدين محمد بن الخطيب، والسلطان ابن الأحمر، منذ أن كانا لاجئين في بلاط السلطان أبي سالم بفاس قبل سنوات، لاقى ابن خلدون حفاوة وكرمًا عند سلطان غرناطة، فأصبح من رجالات مجلسه، وأجزل إليه العطاء، وحينما كان ابن الأحمر بصدد إبرام صلح مع ملك قشتالة، أرسل ابن خلدون سفيرًا لإتمام المهمة.

وصل ابن خلدون إلى إشبيلية موطن أجداده، ونجح في مهمته، حتى أنه أثار إعجاب ملك قشتالة الذي طلب إليه أن يبقى عنده وأغراه بأنه سيرد إليه أموال أجداده في أشبيلية، فاعتذر ابن خلدون بلطف، ليعود إلى السلطان ابن الأحمر الذي كافأه بأن أقطعه إقطاعًا كبيرًا من الأرض، وسمح له باستقدام أسرته من المغرب، ليعيش ابن خلدون فترة نادرة من الهدوء وسعة الرزق واستقرار الأحوال.

لكن هذا الهدوء لم يطل، إذ لحقته عاصفة أخرى من عواصف ابن خلدون، فقد تحركت نفس الوزير لسان الدين ابن الخطيب من ابن خلدون، وخشى على ما في يده، وخشي من تصاعد نفوذه عند ابن الأحمر، فأخذ يؤلب السلطان على ابن خلدون الذي أدرك أن أيامه في الأندلس لن تطول، وأن عليه أن يتأهب للرحيل من الأندلس.

في تلك الأثناء كانت التقلبات في المغرب تتجه إلى ما يسر نفس ابن خلدون، نذكر الأمير أبا عبد الله محمد محمد الحفصي، أمير بجاية الذي أسره السلطان أبو عنان وحبسه، وحبس ابن خلدون عامين في فاس لتآمرهما ضده؟ لقد نجح ذلك الأمير في استعادة ملكه في بجاية، ولم ينس وعده لابن خلدون، فعين أخاه يحيى وزيرًا، وكتب إلى ابن خلدون نفسه يعده ويمنيه بالقدوم إلى بجاية ليوليه الحجابة.

كانت فرصة سانحة لابن خلدون، فاستأذن السلطان ابن الأحمر للخروج من الأندلس إلى المغرب فأذن له، فخرج إلى بجاية، حيث تولى الحجابة، وهو المنصب الذي طالما لم به ابن خلدون حيث إنه يمنح صاحبه «الاستقلال في الدولة، والوساطة بين السلطان وأهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد» كما يصف ابن خلدون نفسه.

كانت تلك بداية دورة أخرى من دورات الاضطراب والتقلب في حياة ابن خلدون، لم يطل حكم أبي عبد الله في بجاية كثيرًا إذ سرعان من انقض عليها ابن عمه أبو العباس بجيشه، فقتله ودخل بجاية ظافرًا، فهب أبو حمّو – من بني عبد الواد – سلطان تلمسان (بالمغرب الأوسط) طامعًا في بجاية هو الآخر، لكن جيوشه هُزمت المرة تلو المرة أمام جيوش أبي العباس، في الوقت الذي كان يحاول فيه السلطان عبد العزيز الذي كان على عرش فاس (المغرب الأقصى) يحاول انتزاع تلمسان من أيدي أبي حمّو، وقد نجح في ذلك بعض الوقت، قبل أن يتوفى السلطان عبد العزيز ويخلفه ابنه السعيد في كفالة الوزير ابن غازي، ليتمكن أبو حمّو من انتزاع تلمسان مجددًا.

هل يمكننا تخمين أين كان ابن خلدون من كل تلك التقلبات؟ بالطبع كما المعتاد كان مع المنتصر أيًا يكن، لكن يبدو أن كل تلك السنوات والتجارب الطويلة كانت كفيلة بتسرب الشك في قلب ابن خلدون ومن يخالطه، وكأنه بدأ يشك في حكمته قراراته، وفيمن يجب أن يحالف أو يصادق، كما بدأ من حوله يشكون فيه وفي ولائه ووعوده، ويتوقعون دومًا مؤامرته وألاعيبه.

لنأخذ أمثلة على ذلك، لما قتل أبو عبد الله في بجاية، رفض ابن خلدون دعوة بعض الأعيان أن يبايع بعض أبناء الأمير القتيل، ويحكم ابن خلدون باسمهم، وآثر التسليم للأمير الغازي، فانضم إلى حاشية أبي العباس الذي أقره على مناصبه، قبل أن يرتاب منه ومن خططه، فخطط القبض عليه وفتش بيته واعتقل أخاه، ففر ابن خلدون إلى المغرب الأوسط حيث انضم إلى أبي حمو سلطان تلمسان، الذي أكرمه وعرض عليه الحجابة، وقد حاول ابن خلدون مساعدته في محاولاته الفاشلة لانتزاع بجاية من أبي العباس.

ثم لما رأى ابن خلدون اهتزاز ملك أبي حمو من وقع هجمات السلطان عبد العزيز سلطان فاس، حاول النجاة بنفسه والهروب إلى الأندلس، فقبض عليه جنود عبد العزيز، وجاءوا به إلى السلطان الذي عنفه، لكن ابن خلدون نجح في استمالته وتطييب خاطره، ليضمه عبد العزيز إليه، ويمضى ابن خلدون بدعوته بين القبائل يؤلبها ضد أبي حمّو، حتى مات السلطان عبد العزيز، وتولى ولده السعيد والسلطان ابن غازي، اللذين تعرضا بعد ذلك إلى انقلاب قاده السلطان أبو العباس ابن أبي سالم، وقد قام هذا الأخير بالقبض على ابن خلدون، وأودعه السجن بضعة شهور قبل أن يفرج عنه.

ترك ابن خلدون المغرب ورحل إلى الأندلس من جديد، لكنه لم يجد هناك نفس الحفاوة التي وجدها من قبل، فعاد إلى المغرب، واعتزل السياسة بضع سنوات، وأقام في قلعة ابن سلامة بضع سنوات قضاها في تصنيف كتابه الشهير «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، الذي يعد كتابًا تأسيسيًا في علم الاجتماع، وقد أتم ابن خلدون تأليفه وهو في الخامسة والأربعين من العمر.

مرحلة الزهد في الحياة.. مصر تفتح أذرعها لابن خلدون

أراد ابن خلدون العودة إلى تونس، فاستأذن سلطانها أبا العباس في ذلك فأذن له، فعكف على تنقيح كتابه ومراجعته، ثم أهدى السلطان نسخة منه، وقد خشى ابن خلدون أن تبتلعه ألاعيب السياسة مرة أخرى، فاستغل موسم الحج ليستأذن أبو العباس في السفر، لينتقل بعد ذلك إلى مصر، حيث نزل الأسكندرية سنة 784هـ.

لقيابن خلدون في مصر الكثير من الحفاوة والتكريم، وقد تتلمذ علي يديه عدد من العلماء المعروفين مثل تقي الدين المقريزي وابن حجر العسقلاني، كما سعى إلى الاتصال بحاكم مصر حينئذ الظاهر برقوق الذي أحسن إليه، وأكرم وفادته، وولاه منصب «قاضي قضاة المالكية»، وخلع عليه لقب «ولي الدين»، وتوسط له برقوق لدى سلطان المغرب لإطلاق سراح أسرته، ليركبوا البحر في طريقهم إلى مصر للالتحاق به.

 كان منصب قاضي قضاة المالكية محط الأطماع، وهو ما أثار الكثير من الأحقاد ضد ابن خلدون، سيما وهو الغريب وليس من أهل مصر، كما أن سياسة ابن خلدون الصارمة في القضاء، وبعده عن المحاباة، قد أثار الكثيرين ضده، فكثرت الوشايات لدى السلطان، الذي عزل ابن خلدون عن وظيفته، ولم يبد ابن خلدون مقاومة لسعي الساعين ضده، فقد زهدت نفسه في المناصب خاصة بعد أن فقد زوجته، وأولاده وأمواله حينما غرقت بهم السفينة التي أقلتهم من تونس إلى مصر بالقرب من الإسكندرية، وقبل أن يصلوا إليها بمسافة قصيرة، وفي تلك السنة استأذن السلطان في الحج فأذن له.

لم يكن الظاهر برقوق ساخطًا على ابن خلدون، وإن عزله من منصب القضاء استجابة لوشايات البعض، فقد ظل ابن خلدون يتنقل بين الوظائف والمناصب العلمية حتى أعاده برقوق مرة أخرى إلى القضاء، قبل أن يتوفى الظاهر ويحل محله ابنه الناصر فرج، الذي أقر ابن خلدون على وظيفته، وقد ظلت الحرب سجالًا بين ابن خلدون وبين خصومه على منصب قاضي قضاة المالكية، حيث يُذكر أنه قد تولى هذا المنصب وعزل عنه أربع مرات في خمس سنين.

وبينما ابن خلدون مقيمًا بمصر بين الدسائس والمؤامرات، جاءت الأنباء بهجوم جيوش المغول المسلمين بقيادة تيمورلنك على الشام، وكانت حينئذ تابعة لسلطان المماليك بمصر، فخرجت الجيوش من مصر بقيادة الناصر فرج لمقاومتهم، وكان معه ابن خلدون في جملة العلماء والفقهاء الذين خرجوا معه، لكن خلافًا وقع بين أمراء جيش الناصر دفعه إلى العودة إلى القاهرة بعد أن علم بتدبير بعض الأمراء مؤامرة لخلعه. ترك الناصر الفقهاء والقضاة وراءه في الشام، فتقدم ابن خلدون للقاء تيمورلنك يطلب منه الأمان، فأجابه تيمورلنك إلى طلبه.

ويذهب البعض إلى قراءة تفاصيل اجتماع ابن خلدون بتيمورلنك بأنه قد عاوده داؤه القديم، وساوره الحنين إلى المغامرات السياسية، فكان يعلق على صلته بتيمورلنك، يرجو منها أن يصير في حاشيته، ولذلك يسرف في مدحه، ويذكر له أنه كان عظيم الشوق إلى لقائه منذ أمد طويل، ويتنبأ له في مستقبله بملك عظيم، مستدلًا على صحة تنبؤاته بحقائق الاجتماع، وأقوال المنجمين والمتنبئين بالغيب.

لكن ابن خلدون لم يجد عند تيمورلنك ما يبتغيه، فسئم البقاء في دمشق وعاد إلى القاهرة، وعكف على تنقيح كتبه حتى وافته المنية في رمضان 808هـ بعد أن عاش حياة حافلة بالمغامرات السياسية، رأى فيها تقلب الدول صعودًا وهبوطًا، ودوران الزمان على البلاد والعباد، ولعل تلك الخبرات وهذه التجارب التي خاض ابن خلدون غمارها كانت محركه الأول لكتابة مقدمته التي تعد إلى اليوم المرجع التأسيسي الأول لعلم الاجتماع السياسي، والتي يعد ابن خلدون بسببها واحدًا من المفكرين البارزين في تاريخ البشرية.

المصادر

تحميل المزيد