من بين كل رجال العهد القديم في سوريا يبرز اسم رفعت الأسد بصفته رجلًا مقاومًا لأحكام الزمن في المحو والنسيان؛ فمنذ خروجه من سوريا منفيًّا قبل ثلاثة عقود ونصف لا يختفي اسمه من وسائل الإعلام إلا ليعود من جديد، لتحكي قصته حكاية النظام السوري منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، بكل تفاصيلها السياسية والعسكرية، وحتى وضع النظام السوري الحالي بقيادة ابن أخيه بشار الأسد، الذي يحكم أطلال البلاد تحت إشراف روسي.

وتكشف قصة رفعت الأسد كيف يمكن لبريق السلطة أن يُشعل فتيل الصراع بين الإخوة، أو كما قيل دومًا: «الملك عقيم»، كما تثبت في الوقت نفسه كيف يمكن لرجل تورط في جرائم جسيمة في عالمنا العربي أن يُفلت من العقاب، حتى لو كان سببًا في إزهاق أرواح عشرات الآلاف، أو غسيل أموال بقيمة مئات المليارات، فمن هو رفعت الأسد؟ وما قصته؟

رفعت الأسد

رفعت الأسد

من القرداحة إلى «سرايا الدفاع».. من هنا بدأ رفعت الأسد

في الثامن من مارس (آذار) 1963 استيقظت سوريا على وقع أصوات الدبابات والجنود المنتشرين في شوارع العاصمة دمشق، معلنة بداية حقبة جديدة من تاريخ البلاد، أطاح الانقلاب الحكومة التي أدارت البلاد بعد الانفصال عن مصر عبد الناصر عام 1961، ونفذه الضباط البعثيون داخل الجيش، وبغطاء مدني من الزعيم التاريخي لحزب البعث السوري ميشيل عفلق، وبالتعاون مع ضباط من ذوي الميول الناصرية، والذين طمحوا أن يعيد البعث تجربة الوحدة مع مصر.

العقل المدبر لانقلاب الثامن من آذار، كان مجموعة مكونة من خمسة ضباط هم محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، الذين انتموا إلى الطائفة العلوية، بالإضافة إلى أحمد المير، وعبد الكريم الجندي، من الطائفة الإسماعيلية.

عربي

منذ سنة واحدة
«بيزنس النظام والمهربين».. ماذا يحدث لو أردات امرأة الهرب من «سوريا الأسد»؟

شرع المنقلبون في تنفيذ حملة تسريح بحق عدد كبير من ضباط الجيش الذين شكُّوا في ولائهم للانفصاليين (عن مصر)، قبل أن يمتد القمع ليشمل الضباط الناصريين، ومن أجل تعزيز قبضة البعث على الجيش، وتعويض النقص في عدد الضباط، قرروا تشكيل دفعة استثنائية من الموالين ليلتحقوا بالكلية العسكرية؛ إذ حصلوا على تدريب قصير لا يتجاوز بضعة أشهر، ليتخرجوا من بعده ضباطًا جرى توزيعهم على وحدات الجيش الأكثر أهمية.

من بين ضباط هذه الدفعة كان رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد الأصغر، والمولود في القرداحة عام 1937، وبعد ذلك بسنتين فقط كان رفعت الأسد جزءًا من انقلاب آخر عام 1966، قاده صلاح جديد بالتعاون مع حافظ الأسد ضد الرئيس أمين الحافظ، الذي تحالف مع كل من ميشيل عفلق ومحمد عمران.

وقد أفضى هذا الانقلاب إلى انحصار مراكز القوة في سوريا بين معسكرين: معسكر صلاح جديد الذي أحكم سيطرته على حزب البعث، ومعسكر حافظ الأسد الذي صار وزيرًا للدفاع وعمد إلى بناء ولاء مطلق لشخصه داخل الجيش.

اتسعت الشقة بين المعسكرين، خاصة بعد هزيمة الجيش السوري أمام إسرائيل عام 1967، واحتلال الجولان والقنيطرة، وهو ما حاول صلاح جديد استغلاله لسحب البساط من تحت أقدام حافظ الأسد، ودفع الحزب إلى إطاحته، لكن الأخير كان يقِظًا بما يكفي، فنفذ انقلابًا عسكريًّا جديدًا في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 أسماه «الحركة التصحيحية».

كان هذا هو الانقلاب الأخير في تاريخ سوريا؛ إذ أحْكَم بعدها حافظ الأسد قبضته المطلقة على كل مفاصل الدولة العسكرية والسياسية، وقد شارك رفعت الأسد بقوة في انقلاب «الحركة التصحيحية»؛ إذ كان حينها على رأس «الفرقة 569»، وقائدًا لـ«سرايا الدفاع»، التي صارت أقوى وحدات النخبة في الجيش السوري، وأكثرها عددًا وعتادًا وتدريبًا.

رفعت الأسد «درع أخيه»

أسس حافظ الأسد حكمه بالحديد والنار، وصاغ دستورًا جعله الحاكم الأوحد لكل الهيئات، ومصدرًا لكل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعصف بالحريات العامة ونكَّل بالقوى السياسية كافة، وأحكم قبضته على القوات المسلحة، وعلى القيادة القطرية لحزب البعث، وأمَّن ذلك كله عبر شبكة مُتقنة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي تخضع له مباشرة وتدين له بالولاء المطلق، ولكي يضمن هذه السيطرة المعقدة لجأ إلى الاعتماد على «عُصبته» من الطائفة العلوية عمومًا، وبالأخص على عشيرته من آل الأسد.

مُنذ السنوات الأولى لحُكم حافظ كان رفعت الأسد «درع أخيه» كما كان يُلقب، وكانت «سرايا الدفاع» هي التشكيل العسكري الأقوى في سوريا، وقد أنيطت بها مهمة حماية المفاصل الرئيسة للنظام، بما في ذلك مقر قيادة حزب البعث، وكان تمركزها الأساسي حول العاصمة دمشق.

وفي هذه الأثناء حصل رفعت الأسد على دورة أركان حرب عليا مع مجموعة من الخبراء الروس، وإلى جانب دوره العسكري أنيطت برفعت الأسد عدة أدوار مدنية، فتولى رئاسة المحكمة الدستورية في عام 1975، كما عمل على توسيع نشاطه، وإسباغ صورة أكاديمية على شخصيته، فحصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة دمشق، وتولى رئاسة مكتب التعليم العالي في العام 1975، كما أسس رابطة الخريجين العليا التي كان لها 15 فرعًا في جميع أنحاء سوريا، وعملت على تعزيز الهيمنة الثقافية للبعث.

وفي 26 يونيو (حزيران) 1980، وأثناء انتظاره للقاء دبلوماسي في قصر الضيافة بالعاصمة دمشق، تعرَّض الأسد لمحاولة اغتيال بقنبلتين يدويتين نفذها أحد حراسه الشخصيين، ونجا منهما بأعجوبة، وجَّه النظام أصابع الاتهام في تلك المحاولة إلى جماعة الإخوان المسلمين، الفصيل الإسلامي الأكثر قوة في سوريا، والذي كان النظام يعده مصدر الخطر الوحيد المتبقي بعد أن تمكن من تصفية الحضور السياسي لبقية القوى السياسية كافة.

جُن جنون أركان النظام بعد هذه المحاولة، وفي مقدمتهم رفعت الأسد، الذي أخذ على عاتقه الانتقام لأخيه، فقاد مجموعات من «سرايا الدفاع» نحو سجن تدمر، منفِّذًا «مجزرة» بحق مئات السجناء هناك، بحجة انتمائهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، شكلت هذه الحادثة علامة فارقة في تاريخ النظام عمومًا، بوصفها بداية عهد من الرعب في البلاد؛ إذ استُحدث بعدها قانون يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين.

بعد ذلك بعامين فقط سيعيد رفعت الأسد ترسيخ صورته قائدًا دمويًّا لا يعرف التسامح مع خصوم النظام، فبعد احتجاجات شعبية قام بها أهالي حماة وسط البلاد، مدعومين ببضع مئات من المسلحين الإسلاميين، قرر رفعت الأسد إنهاء ظاهرة المعارضة الإسلامية في البلاد إلى الأبد، فقاد «سرايا الدفاع» مجددًا، مدعومًا بآلاف العناصر من الجيش والأمن لتنفيذ واحدة من أكبر «المجازر» في تاريخ سوريا، هذه المرة بحق مدينة بأكملها.

استبيحت مدينة حماة طيلة 27 يومًا، ما بين الثاني إلى الثامن والعشرين من فبراير (شباط) 1982، حيث نفذَّت القوات عمليات إعدام جماعية لم يُفرق فيها بين مدني ومسلح، أو بين شيخ وشاب، ولا بين رجل وامرأة، بل طالت الإعدامات حتى المصلين في المساجد، ودمرت آلاف المنازل ونهبت ممتلكات السكان، كل ذلك وسط تعتيم إعلامي ورقابة مشددة، ولم يُعرف حتى اليوم الأرقام الحقيقية للضحايا الذين قدروا بعشرات الآلاف، قدمهم رفعت الأسد «قربانًا» لبقاء نظام «آل الأسد».

«المُلك عقيم».. معركة الأخوين

بعد مذبحة حماة لم يعد لنظام الأسد في سوريا أي جيوب معارضة شعبية أو سياسية، لكن ذلك فتح الباب لصراع من نوع آخر، هو صراع داخل البيت الأسدي نفسه، ففي عام 1983 مرِض حافظ الأسد ونقل إلى مستشفى بدمشق، حيث ظل لأسابيع في غرفة العناية المركزة، وهو ما دفع بأسئلة كثيرة تطفو إلى السطح حول مستقبل سوريا وحكمها حال اختفى حافظ الأسد من المشهد.

في تلك الأثناء لم يعد رفعت الأسد يخفي طموحاته، فقد جعل عناصر «سرايا الدفاع» في حالة استنفار دائم، وكثَّف من تدريبها وتسليحها، وعمد إلى توسيع نفوذه سيما في مناطق الطائفة العلوية، وبدأت صور لرفعت الأسد تنتشر في العاصمة دمشق تمثله وهو يرفع قبضته اليمنى دليلًا على القوة والتحدي، وفي عام 1984 بدأ رفعت الأسد بإعادة توزيع قواته في مداخل العاصمة دمشق، واقتربت دبابات «سرايا الدفاع» من المفاصل الحيوية للنظام، وبدا واضحًا أن الصراع بين الشقيقين على وشك الانفجار.

في كتابه «ثلاثة أشهر هزت سوريا»، يروي وزير الدفاع السوري السابق، مصطفى طلاس، تفاصيل الصراع المحتدم بين الأخوين، وكيف تمكن حافظ الأسد بعد عودته من مرضه من احتواء الوضع؛ إذ أعاد تركيب صفوف قواته، وفكك شبكات الضباط الموالين لرفعت الأسد بهدوء، قبل أن يلتقي برفعت بصحبة أمهما ناعسة شاليش، التي كان يحسب لها رفعت الأسد حسابًا كبيرًا، وقد أوصت بألا يُعصى أمر لحافظ الأسد.

أسفرت المفاوضات بين الرجلين عن مغادرة رفعت الأسد البلاد، متجهًا إلى موسكو، وجرى على إثر ذلك تفكيك سرايا الدفاع، وألحقت عناصرها بوحدات الجيش الأخرى، ليحل محلها «الحرس الجمهوري» و«الفرقة الرابعة».

عاد رفعت الأسد إلى سوريا عام 1985؛ إذ شارك في أعمال القيادة القطرية لحزب البعث، قبل أن يغادر من جديد إلى فرنسا، ليعلن عدم مسؤوليته عن السياسة السورية، وإن ظل محتفظًا – شكليًّا – بمنصب نائب الرئيس لشؤون الأمن القومي حتى عام 1998.

انتهى الدور السياسي لرفعت الأسد، وإن لم تخل السنوات الطويلة التي قضاها في المنفى من تصريحات معارضة، من بينها تصريحه إبان اندلاع الثورة السورية بأن «بشار لن يتمكن من البقاء في السلطة»، لكنه إجمالًا ركز خلال تلك العقود على بناء إمبراطورية اقتصادية من الاستثمار في العقارات.

بعد أكثر من 30 عامًا قضاها خارج سوريا، بدأت المشكلات تواجه رفعت الأسد؛ إذ بدأت في عام 2019 إجراءات محاكمته في فرنسا بتهمة «الانتماء إلى تنظيم قام بغسيل أكثر من 600 مليون يورو في إسبانيا»، كما قضت محكمة فرنسية بباريس في يونيو (حزيران) 2020 بسجن رفعت الأسد أربع سنوات بعد إدانته بتهم تشمل غسيل الأموال، واختلاس أموال عامة في سوريا، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف بباريس في أغسطس (آب) الماضي.

ضاقت الأرض برفعت الأسد، الذي ناهز عمره 84 عامًا، وصارت الدعاوى القضائية تلاحقه من كل حدب وصوب، وفيما كان الكثيرون ينتظرون خبر القبض عليه وإيداعه السجن، فوجئوا به يعود إلى سوريا، بعد أن سمح له النظام السوري بالعودة منعًا لسجنه، وهو الموقف الذي علقت عليه صحيفة «الوطن» السورية المؤيدة للنظام بالقول إن «الرئيس بشار الأسد ومنعًا لسجن رفعت في فرنسا، ترفَّع عما فعله وقاله رفعت الأسد، وسمح له بالعودة إلى البلاد مثله مثل أي مواطن سوري آخر، ولن يكون له أي دور سياسي أو اجتماعي».

المصادر

تحميل المزيد