لم يحظ حاكم من دولة الأمويين بحب واحترام جموع المسلمين عبر التاريخ مثلما فعل عمر عبد العزيز، الذي ضرب به المثل في العدل والتقوى والورع، حتى عده البعض «خامس الخلفاء الراشدين»، وما زال حتى اليوم يطلَق اسمه على الشوارع والمدارس والمساجد في العالم العربي، لكن أيام عمر بن عبد العزيز ولت سريعًا، وعادت دولة بني أمية إلى سيرتها الأولى، على يد الخليفة يزيد بن عبد الملك.

«سنعيدُها سيرتَها الأولى».. يزيد يهجر إرث «خامس الخلفاء الراشدين»

حينما حضرته الوفاة، أوصى الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، بالخلافة من بعده لابن عمه عمر بن عبد العزيز، على أن يكون الأمر من بعده لشقيقه يزيد بن عبد الملك، دامت خلافة عمر بن العزيز نحو عامين ونصف، كان منهجه فيها العدل، ورد المظالم إلى أهلها، وإعادة العمل بالشورى بعد أن كان خلفاء بني أمية المتعاقبون قد استبدوا بالسلطان. كانت أيامًا ذهبية بالنسبة للعديد من المؤرخين المسلمين ذكَّرت المسلمين بعصور الخلافة الراشدة.

ولذلك، حين حضرت عمر بن عبد العزيز المنية، وبويع من بعده ليزيد بن عبد الملك، كان الناس ينتظرون من الخليفة الجديد أن يسير على نهج سابقه، وقد كان يزيد قبل أن يتولى الخلافة محبوبًا في قريش، حيث كان يكثر من مجالسة العلماء، وحضور حلقاتهم، سواء في المدينة أو في دمشق، وقد حفظ كثيرًا من الأحاديث، وروى بعضها، حتى عده البعض من المحدِّثين، كما كان يوصف بالتواضع، وهو ما جعل الناس يستبشرون بقدومه، خاصة أنه في بداية عهده قد عزم على أن يسير في الناس بسيرة عمر، ويروى عنه أنه قال: «والله ما عمر بأحوج إلى الله مني».

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز.. عندما سبقت الحلول السياسية حد السيف!

لكن هذه الحماسة ما لبثت أن تبددت؛ إذ تشير الروايات إلى أن يزيد بن عبد الملك لم يتبع نهج عمر في الحكم إلا أربعين يومًا فقط، قبل أن يرتد بعد ذلك إلى السياسات التقليدية لخلفاء بني أمية والبيت المرواني قبل عمر بن العزيز، خاصة فيما يتعلق بالأمور المالية؛ إذ كان يزيد يرى أن بعض «إصلاحات» عمر المالية قد أدت إلى نقص عائدات بيت المال، ويورد ابن عبد ربه في «العقد الفريد»، أن يزيد بن عبد الملك قد كتب إلى بعض عماله يقول:

أما بعد، فإن عمر (بن عبد العزيز) كان مغرورًا، غررتموه أنتم وأصحابكم وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة؛ فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبُّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا! والسلام

كان يزيد بن عبد الملك حريصًا كل الحرص على زيادة موارد الدولة من الأموال والخراج، ولو اضطره ذلك إلى أن يسلك مع الرعية أساليب الشدة والقسوة التي اختفت في زمن سلفه، وفي المقابل، لم يكن يزيد يساير نهج عمر في التقشف على نفسه وعلى رجاله، فقد كان يميل إلى التبذير، وأعاد بعض مظاهر الأبهة والترف السلطاني التي كان قد وضعها عمر، وفي حين كان عمر يؤنب عماله أحيانًا على الإسراف في الورق والشمع، أو على تضييع دنانير قليلة من بيت المال، نجد أن يزيد يأمر عامله على مكة أن يحمل له أحد المغنيين، ويكافئه بألف دينار كاملة، فقط ليسمع منه بضع أبيات من الشعر.

حكم يزيد بن عبد الملك يموج بالثورات

تعرضت خلافة يزيد بن عبد الملك لتهديدات داخلية كادت تعصف بحكمه، كان من أبرزها ثورة يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. كان المهلب أحد أبرز قادة قبائل أزد عمان، وقد صار واليًا على خراسان عام 77 هـ، فأبلى في ولايته بلاء حسنًا، وحقق فتوحات عظيمة في بلاد ما وراء النهر، كما نجح في القضاء على قطري بن الفجاءة، زعيم فرقة «الخوارج الأزارقة»، الذي أعيا جيوش الأمويين المتعاقبة لسنوات طويلة.

بعد وفاة والده، خلفه يزيد بن المهلب في حكم خراسان، لكنه ما لبث أن عُزل من منصبه بتدبير من الحجاج بن يوسف الثقفي عند الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، والي الأمويين على العراق، والذي كان يخشى آل المهلب ويبغضهم، وحين تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة (وكان بدوره يبغض الحجاج بن يوسف وسياسته بغضًا شديدًا)، أعاد يزيد إلى حظوته، وولاه العراق وخراسان معًا، وكلفه بمهمة تتبع أقارب الحجاج من آل عقيل وقتلهم، وكان من بين هؤلاء زوجة يزيد بن عبد الملك، فحاول التوسط لها عند يزيد بن المهلب، فرفض وساطته، فظل يزيد بن عبد الملك يتحين الفرصة للانتقام من ابن المهلب.

بعد أن تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، حبس يزيد بن المهلب بسبب مخالفات مالية، وحين اقترب أجل عمر، وأدرك ابن المهلب أن الخلافة ستؤول إلى خصمه يزيد بن عبد الملك، اجتهد في الهرب من سجنه، ووصل إلى عشيرته في البصرة، التي كان يتمتع فيها بيت المهلب بنفوذ كبير، نجح يزيد في أن يجمع الناس حوله، فسيطر على البصرة وبايعه بعض زعماء الكوفة وانضمت لحركته عمان والبحرين والجزيرة، ولما أحس يزيد بقوته أعلن الخروج على الحكم الأموي، وخلع الخليفة، وسب بني مروان على المنابر، ونادى بالبيعة لنفسه.

أدرك الخليفة يزيد بن عبد الملك عظم الخطب، فجهز لقتال ابن المهلب جيشًا عظيمًا قوامه نحو 80 ألف مقاتل، جعل على قيادته أخاه مسلمة بن عبد الملك، والتقى الطرفان في معركة العقر عام 102هـ، ودار قتال شديد استبسل فيه ابن المهلب في القتال، لكن مالت دفة النصر فيه إلى جانب جيش مسلمة بن عبد الملك، وقتل يزيد بن المهلب وكبار قادة جيشه، وأخذ جنود مسلمة يتتبعون بقية آل المهلب، ويقتلونهم أينما كانوا، كما أمر بمصادرة أموالهم وممتلكاتهم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
الحر بن يزيد الرياحي.. تعرف إلى القائد الأموي الذي أبى قتال الحسين فقُتل معه

تعرضت خلافة يزيد كذلك إلى بعض ثورات الخوارج، التي نجح يزيد في احتوائها بطرق مختلفة، فقاتل بعضها أحيانًا، كما نجح في تفكيك بعضها بالسياسة والدهاء أحيانًا أخرى، مثل حركة عقفان الحروري الذي خرج في 80 رجلًا من الخوارج، فبعث يزيد إلى كل رجل من المتمردين رجلًا من أقاربه يحثه على الرجوع، فرجع الجميع عن رأيهم بما فيهم عقفان الحروري نفسه.

وكان يزيد قد ولى على أفريقيا أحد المقربين من الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو يزيد بن أبي مسلم، فحاول الأخير أن يسير فيهم بسنة الحجاج في إعادة الجزية على من أسلم، فثار عليه الناس وقتلوه، ثم بعثوا إلى يزيد بن عبد الملك رسالة مفادها: «إنا لم نخلع أيدينا من طاعة ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك»، فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: «إني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم» وأقر من اختاره أهل أفريقيا على عمله.

«الخليفة العاشق».. يزيد يقع في غرام جاريته

لا يُذكر اسم يزيد بن عبد الملك في أي من المراجع التاريخية، إلا واقترن باسم جاريته حبابة؛ إذ كانت الأخيرة فتاة من مولِّدات المدينة، تمتعت بجمال أخاذ ووجه حسن، وكانت ظريفة ذات صوت جميل تحسن الغناء والضرب بالعود، سمعها يزيد تنشد يومًا فوقع في حبها واشتراها بألف دينار، وبلغ ذلك أخاه سليمان الخليفة وقتها، فاستشاط غضبًا مما عده سفهًا من أخيه وتبذيرًا، وقال ليزيد: «لقد هممت أن أحجز على ما في يديك»، فباعها يزيد اتقاء لغضب سليمان.

دارت الأيام وصار يزيد بن عبد الملك خليفة للمسلمين، ولكنه ظل محتفظًا في قلبه بعشق الجارية الحسناء، وكانت زوجته سعدة تعرف ذلك، فسألته يومًا: «يا أمير المؤمنين، هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيء؟» فأجابها: «نعم، حبابة»، فبعثت سعدة فاشترتها وأهدتها له، ففرح فرحًا عظيمًا، وزادت محبة زوجته سعدة في قلبه لذلك، وقيل إن سعدة قد أخذت على حبابة قبل أن تهبها له، أن توطئ لابنها عنده في ولاية العهد.

 

كان يزيد شديد الغرام بحبابة، لا يفارقها إلا على مضض، وقد تعرض في بعض الأحيان لانتقادات من البيت الأموي بسبب ذلك، ولكن يزيد لم يكن يطيق صبرًا على ترك محبوبته، وكان يقول: «أشتهي أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد»، وكان لدى يزيد جارية أخرى تحسن الضرب والغناء أكثر من حبابة، تُدعى سلامة، ولكن يزيد كان يؤثر حبابة عليها لحبه لها.

لكن الحياة قلما تستقيم لعاشقين، والنعمة لا تدوم، فقد خلا يزيد بحبابة في قصره الموعود، وفيما يضحكان ويتسامران ويلعبان، ويأكلان حبات من العنب، رماها يزيد بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت، استبد الحزن بالخليفة، ومكث يقبلها وهي ميتة، حتى تعفن جسدها، فأمر بدفنها، ثم أقام على قبرها هائمًا بعدة أيام، وهو يرثيها قائلًا:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا * فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد

وكل خليل زارني فهو قاتل * من أجلك هذا هامة اليوم أو غد

مات يزيد بعد وفاة محبوبته حبابة بأيام قليلة، وقيل إن وفاته كانت من فرط الحزن على جاريته، وقيل إن السبب كان  مرضه بالسل أو الطاعون، ليعرف في التاريخ بأنه «الخليفة الذي قتله العشق»، وخلفه أخوه هشام بن عبد الملك، وقد دامت خلافته أربع سنوات.

تاريخ

منذ سنة واحدة
تعاويذ ودمى لجلب الحبيب.. قصة السحر والحب عبر التاريخ

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد