أحيانًا ننظر إلى صور الأقمار الصناعية للمدن الكبرى خلال الليل بكثير من الانبهار بسبب الصورة الجمالية للأمر، دون أن ندري أن خلف هذا الجمال مصائب كبيرة تهدد الإنسان والكوكب والكائنات الحية. فمنذ أسابيع قليلة التقط أحد علماء الفلك صورة من أعلى لسماء العاصمة التشيلية أثناء الإغلاق باستخدام تقنيات بصرية معينة. الصورة أظهرت مدى التلوث الضوئي في المدن الكبرى حتى أثناء عملية الإغلاق بسبب كورونا.

يأتي هذا التلوث الضوئي في وقت شهد العالم تراجعًا ملحوظًا في تلوث الهواء، إذ بات الهواء أكثر نظافةً، ولو مؤقتًا، في عدد من المناطق الأكثر تلوثًا بالعالم، في الوقت الذي يلزم الناس فيه منازلهم وتنخفض معدلات السفر بشكل كبير. وكان أحد الأمثلة البارزة هو انخفاض معدلات تلوث الهواء في روما بنحو 49% عما كانت عليه منذ عام.

لكن الصورة الملتقطة في تشيلي، ألقت مزيد من الانتباه عن أحد أنواع الملوثات التي لا نعيرها الكثير من الاهتمام: التلوث الضوئي. فنحن نسمع عن تلوث الهواء بالدخان وتلوث المحيطات وربما حتى تلوث الفضاء الخارجي والتلوث السمعي، لكن ماذا عن التلوث الضوئي نتيجة كل هذه الأضواء التي تعمل طوال الليل؟

الأرض تدفع الثمن

في ليلة صافية عام 1994 وقع زلزال في مدينة لوس أنجلوس، وتسبب في انقطاع التيار الكهربائي على مستوى المدينة قبل الفجر. بعض السكان الذين خرجوا سريعًا للشارع اتصلوا بمراكز الطوارئ المختلفة والمرصد المحلي للإبلاغ عن «سحابة غامضة في السماء». تبين أن هذا الجسم الغريب هو مجرة درب التبانة، التي كانت محجوبة منذ فترة طويلة عن الأنظار بسبب أضواء المدينة.

يمكن القول إن المصباح الكهربائي هو أكثر اختراع تحويلي قدمه البشر إلى هذا الكوكب. فمن خلال النقر على مفتاح أو الضغط على زر، يمكننا رفع الحجاب المظلم الذي كان يلف حياتنا بشكل طبيعي كل ليلة. الآن، نعمل لفترة طويلة حتى بعد أن تغرق الشمس تحت الأفق.

ولكن لمبات الإضاءة هذه سرقت الليل. فالضوء الزائد الذي نلقيه في بيئاتنا يعرض النظم البيئية للخطر من خلال إيذاء الحيوانات التي تعتمد دورات حياتها على الظلام. كما أننا نعرض أنفسنا للخطر من خلال تغيير الإيقاعات البيوكيميائية التي تنحسر وتتدفق عادةً في مستويات الضوء الطبيعي. بمعنى آخر، فقدنا علاقتنا بالسماء الليلية، والمنسوجات التي نسج فيها أسلافنا قصصهم المرصعة بالنجوم، وتوقيت زراعة المحاصيل وحصادها، واستنباط القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون. فالأرض هي التي تدفع الثمن دائمًا.

ما هو التلوث الضوئي؟

التلوث الضوئي هو وجود ضوء اصطناعي في ظروف مظلمة. أو بكلمات أخرى هو وجود ضوء اصطناعي في البيئة الليلية. يستخدم هذا المصطلح بشكل شائع فيما يتعلق بالبيئة الخارجية، ولكنه يستخدم أيضًا للإشارة إلى الضوء الاصطناعي في داخل المباني. يتفاقم التلوث الضوئي بسبب الاستخدام المفرط أو غير المقصود أو الضار للضوء، ولكن حتى الضوء المستخدم بشكل دقيق يغير الظروف الطبيعية بشكل أساسي. لذلك يُلقى عليه اللوم في تعريض الصحة للخطر وتعطيل النظم البيئية وإفساد البيئات الجمالية.

والتلوث الضوئي هو أحد الآثار الجانبية للحضارة الصناعية. وتشمل مصادره إضاءة المباني الداخلية والخارجية، والإعلانات، وإضاءة المناطق الخارجية (مثل مواقف السيارات)، والمكاتب، والمصانع، ومصابيح الشوارع، والأماكن الرياضية المضاءة (مثل الملاعب). ويكون أكثر شدة في المناطق الصناعية ذات الكثافة السكانية العالية في أمريكا الشمالية، وأوروبا، واليابان، وفي المدن الرئيسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل طهران والقاهرة.

وقد بدأ الوعي بالآثار الضارة للتلوث الضوئي في وقت مبكر من القرن العشرين، لكن جهود معالجة الآثار لم تبدأ حتى الخمسينات. وفي الثمانينات ظهرت حركة عالمية للسماء المظلمة مع تأسيس «الرابطة الدولية للسماء المظلمة (IDA)». هناك الآن مثل هذه المنظمات التعليمية والتوعوية في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم.

لماذا يُعد الضوء الصناعي تلوثًا؟

العواقب السلبية متعددة لاستخدام الضوء الصناعي، بل قد لا يكون بعضها معروفًا بعد. يتنافس التلوث الضوئي مع ضوء النجوم في سماء الليل لسكان الحضر، ويتداخل مع المراصد الفلكية، ومثل أي شكل آخر من أشكال التلوث فإنه يعطل النظم البيئية، وله آثار صحية ضارة.

Embed from Getty Images

1- التأثير على صحة الإنسان

التعرض المفرط للضوء الصناعي، مثل ما يحدث في المدن، له مجموعة متنوعة من الآثار الصحية الضارة على الإنسان، طبقًا لما أوضحته بعض الأبحاث. وتستخدم بعض الكتب الدراسية المتعلقة بتصميم الإضاءة في مكان ما صحة الإنسان كمعيار صريح للإضاءة الداخلية المناسبة.

قد تشمل الآثار الصحية للإفراط في التعرض للإضاءة زيادة حدوث الصداع، وإرهاق العمال، والإجهاد المحدد طبيًا، وانخفاض الوظيفة الجنسية، وزيادة القلق. وبالمثل، أوضحت الدراسات على النماذج الحيوانية ظهور تأثير سلبي على المزاج والقلق. وبالنسبة لأولئك الذين يحتاجون إلى أن يكونوا مستيقظين في الليل، فإن الضوء في الليل له أيضًا تأثير حاد على اليقظة والمزاج.

وبحسب دراسة أجريت عام 2009 فمن المحتمل أن يكون للتعرض إلى الضوء، حتى إذا كان خافتًا آثار قابلة للقياس على اضطراب النوم، وقمع إفراز مادة الميلاتونين. حتى إذا كانت هذه التأثيرات صغيرة نسبيًا من الليل إلى الليل، فإن استمرارها لفترات طويلة قد تساهم في الاضطراب اليومي المزمن، والنوم، واضطراب الهرمونات، والمخاطر الصحية على المدى الطويل.

2- التأثير على النظام البيئي

مثله مثل أي تلوث هناك بعد بيئي سلبي للتلوث الضوئي على البيئة الطبيعة. ورغم أن الضوء في الليل يمكن أن يكون مفيدًا أو محايدًا أو ضارًا للأنواع الفردية من الكائنات الحية، إلا إن وجوده بشكل دائم يزعج النظم البيئية. على سبيل المثال، تتجنب بعض أنواع العناكب المناطق المضاءة، في حين أن أنواع أخرى تكون سعيدة ببناء شبكة العنكبوت الخاصة بها مباشرة على عمود المصباح، كما يلاحظه بعضنا في المنازل. ونظرًا لأن المصابيح تجتذب العديد من الحشرات الطائرة، فإن العناكب التي لا تمانع الضوء تكتسب ميزة على العناكب التي تتجنبها.

ويشكل التلوث الضوئي تهديدًا خطيرًا على الحياة البرية الليلية، وله آثار سلبية على فسيولوجيا النبات والحيوان. يمكن أن يسبب الضوء الليلي خلطًا في عملية الملاحة والتنقل لبعض الحيوانات، كما أنه قد يغير التفاعلات التنافسية، ويغير العلاقات بين الحيوانات المفترسة والفريسة، ويسبب ضررًا فسيولوجيًا.

على سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن التلوث الضوئي حول البحيرات يمنع العوالق الحيوانية، مثل الدفنيا، من تناول الطحالب السطحية؛ مما يتسبب في ازدهار الطحالب التي يمكن أن تقتل نباتات البحيرات وسوء نوعية المياه. ووثق أخصائيو أمراض الدم وعلماء الحشرات أن ضوء الليل قد يتداخل مع قدرة العث والحشرات الليلية الأخرى على التنقل. وقد تتأثر الأزهار المتفتحة ليلًا والتي تعتمد على العث للتلقيح بالإضاءة الليلية، حيث لا يوجد ملقح بديل لا يتأثر بالضوء الاصطناعي. يمكن أن يؤدي هذا إلى انخفاض الأنواع من النباتات غير القادرة على التكاثر، وتغيير بيئة المنطقة على المدى الطويل.

3- زيادة تلوث الهواء

إحدى الدراسات التي قدمت إلى اجتماع الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي في سان فرانسيسكو عام 2010، أشارت إلى أن وهج الضوء الصناعي في المساء يتداخل مع بعض التفاعلات الكيميائية التي تسهم في تنظيف الهواء أثناء الليل من الأبخرة المنبعثة من السيارات والمصانع خلال النهار.

ووجدت الدراسة أن التلوث الضوئي يدمر «جذور النيترات الحرة»، وهي مركبات نيترات تحتوي على إلكترون حر، وبالتالي يزيد من الضباب الدخاني الناتج عن الأبخرة المنبعثة من السيارات والمصانع.

4- السماء والفلك

علم الفلك حساس للغاية تجاه التلوث الضوئي. لا تشبه سماء الليل التي ينظر إليها من المدينة ما يمكن رؤيته من السماء المظلمة بعيدًا عن أضواء المدينة. عملية تشتت الضوء في الغلاف الجوي ليلًا يقلل من التباين بين النجوم والمجرات والسماء نفسها؛ مما يجعل رؤية الأشياء الباهتة أكثر صعوبة. هذا أحد العوامل التي تسببت في بناء مراصد الفلك الحديثة في مناطق نائية.

حتى في سماء الليل الصافية الواضحة، يمكن أن يكون هناك الكثير من الضوء الشارد الذي يصبح مرئيًا في أوقات «التعرض الأطول» في التصوير الفلكي. عن طريق البرمجيات، يمكن تقليل الضوء الشارد، ولكن في نفس الوقت يفقد العلماء تفاصيل الأجسام في الصور.

كيف يمكننا تقليل التلوث الضوئي؟

ينطوي الحد من تلوث الضوء على أشياء كثيرة، وهذه بعض الحلول الممكنة:

1- الاستفادة من مصادر الضوء ذات الحد الأدنى من الشدة اللازمة لتحقيق الغرض من الإضاءة.

2- إطفاء الأضواء باستخدام جهاز ضبط الوقت، أو جهاز استشعار، أو يدويًا عند الحاجة.

3- تحسين تركيبات الإضاءة ، بحيث توجه الضوء بشكل أكثر دقة نحو المكان المطلوب، وبتأثيرات جانبية أقل.

4- تعديل نوع الأضواء المستخدمة، بحيث تكون موجات الضوء المنبعثة هي الأقل احتمالًا للتسبب في مشاكل تلوث الضوء الشديدة.

5- تقييم خطط الإضاءة الحالية، وإعادة تصميم بعض أو كل الخطط اعتمادًا على ما إذا كانت الإضاءة الموجودة ضرورية بالفعل.

البيئة

منذ شهرين
الأرض تلتقط أنفاسها بفضل كورونا.. ما الذي حدث على الكوكب في غياب البشر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد