أوضحت دراسة علمية، أن الكون ربما قد ولد متوهجًا بأشعة ضوء كانت تتحرك بسرعة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. هذه النظرية قد تقلب نظرية «أينشتاين» رأسًا على عقب، وهي القائلة بأن سرعة الضوء ثابتة.

هذا البحث المثير للاهتمام، دفع بنا إلى إلقاء الضوء على الكيفية التي تطورت بها نظرة العلماء للضوء، وكيف توالت النظريات في تفسير طبيعة الضوء، وتشرح ماهيته.

اليونانيون القدماء

في القرن الخامس قبل الميلاد، افترض «إمبيدوكليس» أن كل شيء كان يتألف من أربعة عناصر، «النار، والهواء، والأرض، والماء»، مُعربًا عن اعتقاده بأن الإلهة «أفروديت» أنشأت العين البشرية من العناصر الأربعة كلها، وأنها أشعلت النار في العين التي تشرق وتبعث الضوء الذي يسقط على الأشياء؛ فنراها.

وإذا كان هذا الافتراض صحيحًا، فإن الإنسان يجب أن يرى في الليل كما يرى في الظلام، وهو ما لا يحدث في الواقع؛ لذلك افترض إمبيدوكليس وجود تفاعل بين الأشعة المنطلقة من العينين والأشعة الصادرة من الشمس.

وفي عام 300 قبل الميلاد، كتب «إقليدس» كتابه الشهير في علم البصريات، بعدما درس خصائص الضوء. وافترض أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة، وتمكن من وصف «قوانين الانعكاس» رياضيًا. وشكك إقليدس في فكرة أن الرؤية مصدرها أشعة ضوئية تخرج من العين، متسائلًا عن الكيفية التي نرى بها النجوم البعيدة جدًا على الفور بمجرد أن يغلق الإنسان عينيه، ثم يفتحهما.

وفي عام 55 قبل الميلاد، كتب الروماني «لوكريتيوس» أن الضوء وحرارة الشمس، تتكون من ذرات دقيقة، والتي تشق طريقها بين الأشياء في خطوط مستقيمة.

الهند القديمة

في الهند القديمة، وضعت المدارس الهندوسية خلال القرون الأولى بعد الميلاد، نظريات على الضوء، وفقًا لمدرسة «سامخيا» (Samkhya)، فإن الضوء هو واحد من العناصر الخمسة الأساسية المكونة لجميع العناصر، ولم يذكر التركيب الذري لهذه العناصر على وجه التحديد، ويبدو أنهم كانوا يقولون: بأنها عناصر مستمرة أكثر منها عناصر مكونة من وحدات أخرى.

من ناحية أخرى، أعطت مدرسة «فايشيشيكا» (Vaisheshika) نظرية ذرية للعالم المادي فوق عالم غير ذري للأثير والمكان والزمان، وذكرت أن الذرات الأساسية هي الأرض والماء والنار والهواء، وأن الضوء هو عبارة عن تيار عالي السرعة من ذرات النار.

واعتنق البوذيون الهنود في القرن الخامس الميلادي مذهبًا ذريًا، الذي هو عبارة عن فكر فلسفي حول أن الواقع يتألف من كيانات ذرية تمثل ومضات لحظية من الضوء أو الطاقة، ونظروا إلى الضوء باعتباره كيانًا ذريًا معادلًا للطاقة.

ديكارت

ونظر الفيلسوف الفرنسي «رينيه» ديكارت، خلال القرن الـ16، إلى الضوء باعتباره خاصية ميكانيكية للأجسام المضيئة، رافضًا «أشكال» «ابن الهيثم» و«ويتلو»، وكذلك «الأنواع» لـ«بيكون»، و«جروسيتيست» و«كبلر».

وفي عام 1637 نشر «نظرية انكسار الضوء»، التي يفترض فيها أن الضوء يُسافر بشكل أسرع في الأوساط الأكثر كثافة، مما هو في الأقل كثافة، لكن الافتراض غير صحيح كما ثبت علميًا.

ووصل ديكارت إلى هذه النتيجة قياسًا على سلوك الموجات الصوتية، وبالرغم من أن افتراض ديكارت كان غير صحيح، إلا أنه كان محقًا في افتراض أن الضوء يتصرف كموجة، وخلص إلى أن الانكسار يمكن أن يفسر تغير سرعة الضوء في الأوساط المادية المختلفة.

النظرية الجزيئية

اقترح «بيير جاسندي»، وهو عالم ذرات في القرن السابع عشر «نظرية جسيمات الضوء» التي نشرت بعد وفاته في ستينات القرن السابع عشر. ودرس «إسحاق نيوتن» أعمال جاسندي في سن مبكرة، لكنه فضل نظرية ديكارت. وقال نيوتن في فرضيته عن الضوء: إن الضوء مكون من جسيمات مادية تنبعث في كل الاتجاهات من المصدر.

وكانت واحدة من اعتراضات نيوتن تجاه الطبيعة الموجية للضوء هو أن الموجات كانت معروفة بأنها تنحني عند وجود عوائق، في حين أن الضوء لا يسافر إلا في خطوط مستقيمة. وقدم نيوتن تفسيرًا لظاهرة حيود الضوء التي لاحظها العالم «فرانشيسكو غريمالدي»، بأن جسيمات الضوء يمكن أن تخلق موجة محلية في الأثير.

ويمكن استخدام نظرية نيوتن للتنبؤ بظاهرة «انعكاس الضوء»، ولكن لا يمكن لها تفسير ظاهرة الانكسار، إلا بافتراض أن الضوء يتسارع عند دخوله في وسط مختلف الكثافة عن الهواء؛ وذلك لأن شد الجاذبية يكون أعلى في هذه الحالة، على حد افتراضه.

وساعدت سمعة نيوتن القوية على سيطرة نظرية جسيمات الضوء على علم الفيزياء خلال القرن الـ18. وأدت هذه النظرية إلى افتراض العالم «لابلاس» بوجود الأجسام فائقة الضخامة، بحيث إن الضوء لا يستطيع الهروب منها. وبعبارة أخرى، فهي: الأجسام التي أصبحت تسمى فيما بعد الثقوب السوداء، لكن لابلاس سحب اقتراحه في وقت لاحق، بعد ترسخ النظرية الموجية للضوء بقوة.

يذكر أن حقيقة أن الضوء يمكن أن يكون مستقطبًا، جرى شرحها كيفًا لأول مرة على يد إسحق نيوتن باستخدام نظرية الجسيمات. في ذلك الوقت كان يعتبر الاستقطاب دليلًا على نظرية الجسيمات.

النظرية الموجية

كي يمكنه تفسير أصل الألوان، وضع «روبرت هوك» «نظرية النبضات» (Pulse Theory)، وعقد مقارنة بين انتشار الضوء وبين انتشار الموجات في الماء، في كتابه الذي نشره عام 1665. وفي عام 1672، اقترح هوك أن الاهتزازات الخفيفة للضوء يمكن أن تكون عمودية على اتجاه الانتشار.

ووضع «كريستيان هيغنز» نظرية رياضية خاصة بمعاملة الضوء كموجة عام 1678، واقترح أن الضوء يخرج في كل الاتجاهات على شكل سلسلة من الأمواج في وسط أسماه «الأثير المضيء». وأوضح أن موجات الضوء لا تتأثر بالجاذبية (وهو ما كان افترضه نيوتن من تأثر جسيمات الضوء بالجاذبية)، كما افترض أن هذه الموجات من المفترض أنها تتباطأ عند دخولها وسط أكثر كثافة.

وتوقعت النظرية الموجية أن موجات الضوء يمكن أن تتداخل مع بعضها البعض، مثلما يحدث في الموجات الصوتية (كما لوحظ حوالي عام 1800 من قبل العالم «توماس يونغ»). وأظهر يونغ – عن طريق تجربة الحيود – أن الضوء يتصرف مثل الموجات. واقترح أيضًا أن الألوان المختلفة ناجمة عن موجات مختلفة من الضوء، وأوضح أن رؤية الألوان تجري عبر المستقبلات الثلاثية الملونة في العين.

النظرية الإلكترومغناطيسية

في عام 1845، اكتشف «مايكل فاراداي» أن مستوى استقطاب الضوء المستقطب خطيًا يدور (يستدير) عند مرور الأشعة الضوئية على طول اتجاه مجال مغناطيسي في وجود عازل شفاف، وهو التأثير الذي يعرف الآن باسم «تناوب فاراداي» (الضوء المستقطب هو الذي يتميز بأنه موجة لها اتجاه واحد فقط أو مدى محدود من الأطوال الموجية). وكان هذا هو أول دليل على أن الضوء له علاقة بالكهرومغناطيسية.

في عام 1846، افترض فراداي أن الضوء قد يكون شكلًا من أشكال الاضطراب المنتشر على طول خطوط الحقل المغناطيسي. واقترح فاراداي في عام 1847، أن الضوء عبارة عن اهتزازات كهرومغناطيسية عالية التردد، والتي يمكن أن تنتشر حتى في حالة عدم وجود وسط مثل الأثير.

ومثلت افتراضات فاراداي هذه وحيًا للعالم «جيمس كلارك ماكسويل» لدراسة الإشعاع الكهرومغناطيسي والضوء. واكتشف ماكسويل أن الموجات الكهرومغناطيسية ذاتية الانتشار عبر الفضاء بسرعة ثابتة، وأن سرعتها مساوية لسرعة انتشار الضوء التي كان قد تم قياسها سابقًا.

مما سبق، خلص ماكسويل إلى أن الضوء هو شكل من أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي، وقد ذكرت هذه النتيجة لأول مرة في عام 1862 في أحدث الأبحاث التي نشرها ماكسويل. وفي عام 1873، نشر مقال عن الكهرباء والمغناطيسية، والذي تضمن وصفًا رياضيًا كاملًا لسلوك الحقول الكهربائية والمغناطيسية، وهو الوصف الذي لا يزال يعرف باسم معادلات ماكسويل.

بعد فترة وجيزة، أكد العالم «هاينريش هيرتز» نظرية ماكسويل تجريبيًا، عن طريق توليد وكشف موجات الراديو في المختبر؛ مما يدل على أن هذه الموجات تصرفت تمامًا مثل الضوء المرئي، وأظهرت خصائص، مثل: الانعكاس، والانكسار، والحيود، والتداخل. وأدت نظرية ماكسويل وتجارب هيرتز – بشكل مباشر – إلى تطوير الراديو والرادار والتلفزيون والتصوير الكهرومغناطيسي والاتصالات اللاسلكية.

نظرية الكم

في نظرية الكم، بدأ العلماء يتحدثون عن وجود «فوتونات» يتكون منها الضوء، وتنظر هذه النظرية للفوتونات على أنها حزم موجية من الموجات التي وصفتها النظرية الكلاسيكية لماكسويل. ولجأ العلماء إلى هذه النظرية لشرح الآثار الخاصة بالضوء والأشعة الكهرومغناطيسية التي لم تستطع نظريات ماكسويل تفسيرها (مثل الخطوط الطيفية).

في عام 1900، اقترح العالم «ماكس بلانك»؛ في محاولة منه لشرح إشعاع الجسم الأسود، أنه على الرغم من أن الضوء كان موجة، إلا أن هذه الموجات يمكن أن تكتسب أو تفقد طاقة بكميات محدودة تتعلق بترددها. ودعا بلانك هذه الكميات من الطاقة الضوئية بـ«الكمات».

في عام 1905، استخدم ألبرت آينشتاين فكرة الكمات الخفيفة لشرح ظاهرة التأثير الكهروضوئي، وأشار إلى أن هذه الكمات الخفيفة لها وجود حقيقي.

بعد ذلك، ظهر التعريف النهائي للضوء كما نعرفه الآن، والمتمثل بأنه إشعاع كهرومغناطيسي داخل جزء معين من الطيف الكهرومغناطيسي. وتشير الكلمة عادة للضوء المرئي، وهو الضوء الواضح للعين البشرية، الذي يعرف عادة بوجود موجاته في نطاق ما بين 400 و700 نانومتر، بين الأشعة تحت الحمراء (مع الموجات الأطول) والأشعة فوق البنفسجية (مع الموجات الأقصر).

نظرية جديدة

واقترح كل من «جواو ماجويجو»، من إمبريال كوليدج في لندن، و«نيايش أفشوردي»، من جامعة واترلو في كندا، أن الضوء تمزق تدريجيًا، بعدما كان بسرعة لا نهائية عند ولادة الكون عندما كانت درجة حرارة الكون عشرة آلاف تريليون تريليون درجة مئوية.

هذه النظرية كان يعمل عليها «ماجويجو» منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، لكن الورقة البحثية التي نشرها رفقة أفشوردي يوم الاثنين 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وصفت للمرة الأولى كيف يمكن للعلماء اختبار هذه الفكرة المثيرة للجدل. وإذا ما كانت هذه النظرية صحيحة، فإنها ستترك لنا بصمة واضحة بالنسبة للإشعاع القديم الذي خلفه الانفجار الكبير، أو ما يطلق عليه اسم موجات الميكروويف الخلفية التي لاحظ العلماء وجودها عبر الأقمار الصناعية.

فمن خلال هذه البصمة يمكننا وصف الكيفية التي كانت عليها التجمعات التي بدأت مع نشأة الكون، وهي تلك التجمعات من الغبار الكوني التي كونت لاحقًا الكواكب والنجوم والمجرات.

تعتبر سرعة الضوء في الفراغ واحدة من الثوابت الأساسية في الطبيعة. وبفضل نظرية النسبية العامة لآينشتاين، كانت هذه السرعة تمثل ختمًا ثابتًا في الفيزياء عند سرعة تقدر بحوالي مليار كيلومتر في الساعة، ولكن في حين أن النسبية العامة هي واحدة من الركائز الأساسية للفيزياء الحديثة، فإن العلماء يعرفون أن قواعد الفيزياء في أيامنا هذه لم تكن هي نفس القواعد التي ظهرت عند نشأة الكون.

وتحاول النظرية الجديدة تفسير السبب الذي يجعل الكون يبدو إلى حد كبير متشابهًا عبر المسافات الشاسعة. وكي يكون الكون بنفس هذه الدرجة من التوحد، يجب أن تكون أشعة الضوء وصلت إلى كل ركن من أركان الكون، وإلا فإن بعض المناطق ستكون أكثر برودة وأكثر كثافة من غيرها. ولكن حتى لو تحرك بسرعة مليار كيلومتر في الساعة، فإنها لن تكون سرعة كافية لينتشر في كل أركان الكون حتى الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد