المتعارف عليه أن مصطلح (ثوري) ارتبط بإيران عند الحديث عن قواتها حرسها، لكن مجددا بات الأمر مرتبط بالعراق، حينما أعلنت السلطات الحاكمة أنها بصدد تشكيل قوة عسكرية موازية للجيش العام في العراق على خطى إيران.

مطلع يونيو (حزيران) الماضي، اقترح الجنرال «محسن رفيقدوست»، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، وأحد أبرز مؤسسي الحرس بعد ثورة عام 1979، على الجهات الحكومية التي تدير العراق حاليًا تشكيل «حرس ثوري عراقي» على غرار الحرس الثوري الإيراني.

وقتها، أبدى الجنرال «رفيقدوست» استعداد طهران المساهمة بقوة في تشكيل «الجيش المرتقب»، ونقل تجارب إيران إليه، لاسيما وأنها على معرفة واسعة بخارطة الجيش العراقي، والميليشيات الداعمة لها.

لكن، قبل تصريحه بعدة أيام، كشف قائد القوات البرية الإيرانية، العميد «أحمد رضا» بوردستان، أن إيران حشدت خمسة ألوية عسكرية لدخول الأراضي العراقية، بعدما أنجزت عمليات الاستطلاع في الجانب الآخر من الحدود العراقية، وأصبحت جاهزة للاشتباك بشدة.

في منتصف الأسبوع المنصرم، أصدرت الحكومة العراقية قرارًا يقضي بضم قوات «الحشد الشعبي «والتي تدعمها إيران إلى القوات المسلحة، الأمر الذي ربطه البعض بخطة تشكيل حرس ثوري عراقي، على غرار نظيره الإيراني، ليصبح قوة عسكرية موازية للجيش العراقي».

تشكيل القوة العراقية المرتقبة يعني حسب «المراقبين السياسيين» أداة لحماية الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق، وتعاظم قوتها داخل الأراضي، بالتزامن مع حالة «الفلتان» الأمني والسياسي المحيطة في معظم المدن العراقية.

ما الذي يعنيه إنشاء حرس ثوري عراقي؟

المتعارف عليه أن مصطلح «ثوري» ارتبط بإيران عند الحديث عن قوات حرسها، لكن مجددًا بات الأمر مرتبط بالعراق، حينما أعلنت السلطات الحاكمة أنها بصدد تشكيل قوة عسكرية موازية للجيش العام في العراق على خطى إيران.

وسيكون عبارة عن قوة عسكرية مرتبطة بالقوات المسلحة العراقية، تضاهي جهاز مكافحة الإرهاب الحالي، من حيث التنظيم والارتباط، حيث تتألف من ألوية عدة، لها رؤساء ونواب ومقاتلون يوافق عليهم رئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي».

الأكثر دقة هنا أن القوة عبارة عن تحويل الحشد الشعبي، والذي يضم أحزابًا شيعية وميليشيات تشرف عليها منذ سنوات قوات الحرس الثوري الإيراني إلى قوات عراقية موازية تمامًا للجيش العام في العراق، والمعروف عنها مسبقًا بانتهاكاتها الصارخة ضد المدنيين والسنة.

«محسن رفيقدوست»، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني

وسيخضع منتسبو التشكيل إلى القوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي، والتي تشمل مخصصات وعموم الحقوق والواجبات٬، وفك ارتباط منتسبي الميليشيات الذين ينضمون لهذا التشكيل بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعية كافة.

ما هي الخطة الإيرانية تجاه الحشد الشعبي؟

الدعوات الإيرانية في السنوات القليلة الماضية للحكومة العراقية بتحويل ميليشيات الحشد الشعبي، إلى حرس ثوري يوازي المعمول به في إيران، يأتي في خضم تعاظم قوته العسكرية والسياسية، لتبقى ذراعًا أساسيا لإيران في المنطقة.

وعليه، فإن الجهات الإيرانية المعنية بتشكيل القوة أعدت خطة للحكومة العراقية تتمركز حول آليات تحويل الحشد الشعبي إلى قوة عسكرية موازية للجيش العام في العراق، حيث كشف مسئول لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، «محمد صالح جوكار»، عن جزء من الخطة الإيرانية، ونقلها إلى العراق.

الخطة التي تعتمد بشكل أساسي على دمج الفصائل والقوات الشيعية والميليشيات تحت إطار واحد، وهو الحرس الثوري العراقي، ضمن قوة موازية لإيران، مع الاستعداد الإيراني التام لنقل التجربة كاملة إلى العراق، لم تكن وليدة اليوم.

وتعاظمت الفكرة مع تصاعد وتيرة الاشتباكات مؤخرًا مع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، واستثمار ضعف الحكومة العراقية وجيشها في مواجهة الفصائل والأحزاب المعارضة لها، وهو ما فسره متابعون بأن إيران تغلغلت بقوة داخل الأراضي العراقية، وأصبحت لها «اليد الطولى» في تنفيذ عديد السياسات حسب ما تراه.

النائب الإيراني «جوكار»، ومع إصرار بلاده على تشكيل قوة عسكرية عراقية ينظر إلى أن تجربة الحرس الثوري نجحت في سوريا واليمن والعراق، وهو ما اتضح مؤخرًا في تشكيل الحشد الشعبي العراقي، وتشكيل ـ أيضًا ـ ما يسمى بـ«الدفاع الوطني» في سوريا، وفي تجربة «الحوثيين» في اليمن.
[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=XTG-VU_XzzA” width=”800″ height=”450″ ]

في أحدث قراءة سياسية أعدها مركز «الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية» حول رؤية إيران المستقبلية للحشد الشعبي، لفت إلى أن خطورة الطرح الإيراني تكمن في جملة الأحداث والتطوّرات الميدانية والسياسية التي تعيشها المنطقة، باعتبارها استثمارا ناجحًا لإيران في تنفيذ أهدافها وسياساتها.

يرى المركز وفقًا لقراءته أن اختيار العراق كنواة لتشكيل ذلك الحرس الثوري ليس اعتباطًا، إنما باعتباره الحلقة الأضعف المحكومة بسلطتهم شبه المطلقة على أحزابه وقادته وحكوماته منذ عام 2003 حتى الآن.

وبالتزامن مع الظروف السياسية والأمنية المعقدة في المنطقة تجد إيران الوقت مناسبًا لإعلان مرحلة تأسيس الحرس الثوري العراقي، لمَ لا والحكومات العراقية المتعاقبة ربطت النظام الاقتصادي والمالي مع إيران، لتموّل الأخيرة بها تلك الميليشيات.

ما هي سرايا الخراساني؟

هي فصيل عراقي شيعي مسلح تأسس سنة 1995، تدرب وتتلمذ على يد قوات إيرانية، ويعتبر جزءً من تشكيلات الحشد الشعبي، فضلًا عن أنه الجناح العسكري لحزب «طليعة الخراساني»، ويقدر عدده بأكثر من 3 ألاف، مطلع عام 2015.

وتعود جذور تأسيس الحزب إلى عام 1986، حينما كان عبارة عن سرية صغيرة تسمى سرية «الكرار» تحت إشراف «ياسين الموسوي»، ممثل المرجع الديني السيد «محمد باقر الحكيم»، ولكن كانت الانطلاقة الحقيقية عام 1995، وتسمى «منظمة طليعة».

ارتبط الحديث عن تشكيل حرس ثوري عراقي بقوات «سرايا الخرساني»، لأن تكون لنواة الأولى للحرس الثوري العراقي المرتقب، وهي عبارة عن قوة مقاتلة في العراق بدعم إيراني مباشر، كان مؤسسها «حميد تقوي» الجنرال بالحرس الثوري الإيراني، قتل في ديسمبر (كانون الأوّل) عام 2014، في مواجهات مع «تنظيم الدولة» شمالي بغداد.

وتشكلت هذه القوة في إيران من عناصر عراقيين، يقودهم ضباط في الحرس الثوري الإيراني، فيما يشغل منصب أمينها العام عراقي يدعى «علي الياسري»، ويقود لواءها العسكري المعمم العراقي «حامد الجزائري».

وكان الأمين العام لسرايا الخرساني، أعلن أن الحركة تتبع «ولاية الإمام الفقيه» في إيران، ولا تتبع النظام العراقي «الولاية الآن هي بيد خامنئي الذي يوجه سياسة الدولة في إيران والعالم الإسلامي، ولذا يجب علينا طاعته، أما السيستاني فنحن نحترمه ولكنه لا يعلن الولاية، ولا يقود الدولة، بالرغم من أنه يتدخل في السياسة من خلال الفتاوى والتوجيهات فقط».

وتقاتل سرايا الخرساني أيضًا في سوريا، إلى جانب النظام السوري المدعوم من إيران، بيد أنه جرى سحبها من الأراضي السورية، ونقلها إلى العراق قبل ثلاثة أشهر من الآن، فهي تعد من أبرز ألوية المهمات الخاصة المرتبطة بــ«فيلق القدس» في العراق، والتابع للحرس الثوري الإيراني وتتخذ من علامته العسكرية علامة له.

ماذا تعرف عن قوات الحشد الشعبي العراقي؟

هي عبارة عن قوات شبه عسكرية عراقية مدعومة من الحكومة ومؤلفة من حوالي 40 فصيلًا، الغالبية منهم من المسلمين الشيعة، حيث تم تشكيلها، بعد فتوى أطلقتها المرجعية الدينية الشيعية في النجف الأشرف، بعد سيطرة «تنظيم الدولة» على مساحات واسعة في عدد من المحافظات الواقعة شمال بغداد عام 2014.


وتنقسم فصائل «الحشد الشعبي» إلى قسمين: الأول هو الفصائل الكبيرة المعروفة، مثل «منظمة بدر» و«كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«سرايا السلام» (جيش المهدي سابقًا بقيادة رجل الدين مقتدى الصدر) و«لواء الخراسان» وغيرها.

والقسم الثاني هو من الشباب الذين استمعوا إلى نداء المرجعية الدينية، بعد سقوط «الموصل» بيد تنظيم الدولة في يونيو (حزيران) عام 2014، وانضموا إلى قطاعات الجيش والشرطة في حزام بغداد، وفي محافظات أخرى، حسب عضو لجنة الأمن النيابية «عمار طعمة».

تعد قوات الحشد الشعبي بمثابة العمود الفقري للجيش العراقي؛ كونها تعد جزء من المنظومة العسكرية العراقية الرسمية، حيث يرتدي منسبوها الزي العسكري للجيش العراقي، ويتسلحون بسلاحه، ويستخدمون سياراته ومعداته، ويتمتعون بدعم حكومي كامل، يعطيههم سلطات لا محدودة.

ما هي قوات الحرس الثوري الإيراني؟

هي إحدى أركان القوة العسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد جرى تشكيلها عام 1979، على يد القائد الأعلى للثورة الإيرانية، «روح الله الخميني»؛ إذ مارس دورًا هامًا خلال حرب الخليج الأولى، وقاد العديد من المعارك والهجمات التي أدّى بعضها لإعادة السيطرة على بعض المدن الإيرانية من يد الجيش العراقي.

ومنذ ذلك الوقت أصبح الحرس الثوري قوة عسكرية، وسياسية، واقتصادية كبيرة في البلاد، للثورة الإسلامية، ويتمتع بصلة وثيقة مع العديد من الشخصيات المؤثرة، أبرزها الرئيس السابق «أحمدي نجاد»، الذي كان نفسه عضوا في الحرس الثوري.

ويقدر عدد أفراد الحرس الجمهوري بنحو 125 ألف عنصر، ولديه قوات أرضية، بالإضافة إلى وحدات بحرية وجوية، ويمتلك سلطة الإشراف على أسلحة إيران الاستراتيجية، إلى جانب سيطرته على قوات المقاومة شبه النظامية (الباسيج)، وهي قوة من المتطوعين قوامها حوالي 90 ألف رجل وامرأة.
[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=Pvpj5f2TVGw” width=”800″ height=”450″ ]

ويتمتع الحرس بوجود قوي وفاعل في المؤسسات والهيئات المدنية، إذ يسيطر على الباسيج، والذين يدينون بالولاء للثورة، حيث يستدعيهم الحرس للنزول إلى الشوارع في أوقات الأزمات؛ وذلك لاستخدامهم كقوة لتفريق المنشقين أو المتظاهرين.

ما هي انعكاسات القرار على الوضع العراقي؟

تشير التطورات الجارية داخل الأراضي العراقية، لاسيما في السنوات القليلة الماضية، إلى رغبة إيران في ترسيخ حضورها في العراق عبر تحويل مليشيات الحشد الشعبي إلى مؤسسة عسكرية معترف بها، بالتوازي مع إضعاف دور الحكومة العراقية.

التمهيد لتعاظم قوة الحشد الشعبي في العراق عبر عملياته العسكرية في مناطق متفرقة من البلاد كان عبر المستشار الحكومي للعراق، القائد العسكري الإيراني «قاسم سليماني»، والذي خاض معارك مدعومة من قبل إيران ضد مناطق السنة.

قبل الحديث عن الرؤية السياسية للقرار الأخير، لابد من الإشارة إلى أن أحد العوامل التي خولت للميليشيات البروز في العراق هو نفسه العامل الذي يحد من قدرة إيران على تأسيس ميليشيا رسمية في البلاد، ألا وهو الجمود السياسي في بغداد، والطائفية التي تسيطر على الحياة السياسية.

فضلًا عن مسألة المصالح التي قد تدفع جهات متحاربة اليوم إلى التعاون من أجل صد هذا المشروع، بخاصة وأن الأكراد والسنّة مستعدون للعمل معا بشكل خاص؛ للحيلولة دون نشوء قوة موحدة مدعومة من إيران في البلاد من شأنها أن تعطي طهران المزيد من الثقل في بغداد.

وتعقيبًا على ذلك، لفت الكاتب السياسي العراقي، «أحمد الملاح»، النظر إلى أن قرار جعل الحشد الشعبي جيش نظامي شبيه بالحرس الثوري سيدخل العراق في دوامة جديدة ليس أقلها مشكلة التمويل ورواتب هذا الجيش، بالرغم من انهيار أسعار النفط التي يعتمد عليها العراق بشكل كلي في موارده المالية.

ويتابع الملاح في حديث مع «ساسة بوست»: «سيقود ذلك للعودة للمربع الأول، وهو تهميش المكون السني في العراق، وعدم تمثيله في القوات الأمنية؛ ليعود صوت المظلومية الذي استغله داعش سابقًا».

فريق آخر من المتابعين، رأوا أن جهود إيران لإنشاء الحرس الثوري العراقي لن تؤدي إلى مخططات ملموسة في أي وقت قريب، خاصة في حال مُراجعة التجربة الإيرانية مع حزب الله في لبنان، حيث فشلت طهران في جعل الحزب يمتلك سيطرة مطلقة على لبنان، واصطدمت مخططاته بمعارضة امتلاكه للسلاح وسحب الشرعية.

وفيما يتعلق بالانعكاسات على أرض الواقع، إذا تم تطبيق القرار، فإنه سيؤدي لمزيد من حالة الاقتتال الطائفي في المنطق، وقد يكون هذا الجيش ذراعًا لإيران للتدخل في دول المنطقة المجاورة، كما يقول الملاح.

من ضمن الانعكاسات أيضًا أن إقرار القانون سيؤدي إلى منع إقرار قانون الحرس الوطني الذي تم عرقلته مسبقًا الذي يمنح للمحافظات جيوشا من أبناء المدينة يدافع عنها ويمثلها عسكريا لدفع التهميش الحاصل على بعض مكونات الشعب العراقي.

وتابع: «على صعيد تحول العراق لعراق موالٍ لإيران، فإن الأمر قد تم مسبقا، وهذه الميلشيات في الحشد الشعبي تقاتل اليوم في سوريا بشكل علني لا يدع مجال للشك أنها بتبعية كاملة للمشروع الإيراني في المنطقة».

يختم الكاتب العراقي حديثه لـ«ساسة بوست»، بأن المشروع الإيراني يتغول في العراق دون رادع و«تنظيم الدولة»، كانت أفضل الذرائع التي تم تقديمها للمجتمع الدولي؛ لكي تبتلع العراق بفزاعته، مضيفًا: «لن نتعجب من رضوخ العراق كاملًا تحت عباءة الولي الفقيه، وسط صمت عربي ودولي تام».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!