يُوصف أداء ليليان بالمهنية، كما يرى البعض أنها كانت تتناول في برنامجها عديدًا من القضايا بموضوعية، لا تنفي إظهار تحيزاتها.

مساء أمس الإثنين، 28 يونيو (حزيران) سرّبت وزارة الداخلية المصرية، لوسائل إعلام مصرية، نبأ ترحيل الإعلامية اللبنانية ليليان داوود قبل أن يتأكد الخبر من محاميها، زياد العليمي، عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك».

ترحيل ليليان القسري، جاء فورًا عقب الإعلان عن إنهاء قناة «أون تي في» المصرية، التعاقد معها، في نفس الوقت الذي أُنهي فيه التعاقد مع الإعلامي جابر القرموطي، الذي كان يُقدم برنامج «مانشيت»، مع أنباءٍ غير مُؤكدة عن احتمالية إنهاء التعاقد نهائيًّا مع يوسف الحسيني، الذي كان يُقدم برنامج «السادة المحترمون»، قبل أن يُوقف بثه لأسابيع عقب تسريب مكالمة جنسية له.

وحتى الساعة، لا يُعلم على وجه الدقة أسباب ترحيل ليليان داوود، بعد أن اقتحمت قوة من مباحث الجوازات، منزلها، وأجبروها على الخروج معهم؛ إذ لم تُصدر السلطات المصرية حتى الآن، أيّ بيانٍ يُوضح الأسباب الحقيقية، بينما يُرجح البعض أن السبب يعود إلى موقفها المُعارض للسلطات المصرية الحالية، فيما روجت بعض الصحف ووسائل الإعلام المصرية، لشائعات يبدو أنها مُوجهة، لنسبها إلى مصادر خاصة دون ذكرها.

ليست المرة الأولى

وبحسب الصحافي المصري، خالد البري، زوج ليليان داوود سابقًا، فقد شهد بنفسه على حادثة اقتحام منزلها، بعد نصف ساعة من إنهاء التعاقد معها، على حد قوله. وأضاف البري أن القوة الأمنية، لم تُمهل ليليان سوى خمس دقائق فقط للخروج معها، ما اضطرها إلى ترك كافة متعلقاتها. كما أنهم رفضوا أن تُجري أية اتصالات بمحاميها أو بالسفارة اللبنانية.

المثير للاهتمام فيما أورده البري، هو أن القوة الأمنية التي اقتحمت منزل ليليان واقتادتها إلى مكانٍ مجهول، قبل أن تُرحّل قسريًّا عن البلاد؛ قالت إنّ ما تقوم به هي أوامر مُباشرة من مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حتى أن خالد البري علّق ساخرًا: «فاضي الله يعينه»، يقصد السيسي.

وفي 2015، شُنّت حملة قوية ضد ليليان، تُطالب بترحيلها عن مصر، على خلفية حلقة لبرنامجها، هاجمت فيها وزارة الداخلية المصرية، وانتقدت الحكم الصادر على متظاهري مجلس الشورى، بالسجن خمس سنوات. وكانت من أشهر تغريداتها على موقع التدوينات القصيرة، «تويتر»، تعليقًا على الحملة الموجهة ضدها: «شباب ما تخلوا شيء يحبطكم.. الشعب ده ياما شاف وكمل. بأيديكم سلاح اسمه إرادة الحياة، والجلاد مش بإيده إلا يحاول سلبها منكم، اتمسكوا بيها».

من هي ليليان؟

لخمس سنوات مُتواصلة، قدمت الإعلامية لبنانية الأصل، بريطانية الجنسية، مصرية المحيا، برنامج «الصورة الكاملة» على فضائية «أون تي في» المصرية الخاصة، التي كان يملكها رجل الأعمال نجيب ساويرس، قبل أن يشتريها رجل الأعمال المثير للجدل مُؤخرًا، أحمد أبو هشيمة، وذلك قبل نحو خمسة أسابيع.

في المجمل، يُوصف أداء ليليان بالمهنية، كما يرى البعض أنها كانت تتناول في برنامجها عديدًا من القضايا بموضوعية، لا تنفي إظهار تحيزاتها، وهو الأمر الذي عبّرت عنه صراحةً في مداخلة هاتفية، بإحدى البرامج التلفزيونية على فضائية «دريم2» المصرية الخاصة، إذ قالت إنها لا تُنكر أبدًا تحيزًا لـ«ثورتي 25 يناير و30 يونيو»، على حد تعبيرها.

يُوصف أداء ليليان بالمهنية (مصدر الصورة: أصوات مصرية)

المتضامنون مع ليليان يضعونها في خندق «الثوار»، وقد كان موقفها المُعارض للأنظمة الحاكمة منذ ثورة 25 يناير واضحًا في تغريداتها على تويتر. ورغم تأييدها في البداية لتحرك الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي ضد محمد مُرسي، وجماعة الإخوان المسلمين، التي ما تزال تراها «من أعداء الثورة»، إلا أنها بمرور الوقت، أخذت موقفًا مُتحيزًا ضد نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز)، كما أنها صرّحت لصحيفة الشروق المصرية، بعدم تأييدها لدستور 2014، كونه «ينص على محاكمة المدنيين عسكريًّا».

مجال دراستها لم يكن له أي علاقة بالصحافة والإعلام، فتخصصها الدراسي الأساسي، الأنثروبولوجيا، التي حصلت فيها على درجة الماجستير، قبل أن تقرر تغيير مسيرتها تجاه الإعلام، الذي تقول إنّها ارتبطت به منذ الإذاعات المدرسية والجامعية.

عملت ليليان في عددٍ من الصحف العربية الكُبرى، كصحيفة الشرق الأوسط السعودية، وصحيفة النهار اللبنانية، قبل أن تتجه إلى العاصمة البريطانية لندن، التي أقامت بها 12 عامًا، حصلت خلالها على الجنسية البريطانية، وعملت خلالها في عددٍ من القنوات معدةً ومراسلةً، ثُمّ التحقت بوكالة أنباء «أسوشيتد برس»، ومنها إلى شبكة «بي بي سي»، لمدة ست سنوات.

ووفقًا لتصريحاتها، فإن انتقالها إلى القاهرة، والعمل في قناة «أون تي في»، حصل بمحض إرادتها، بل إنها مَن تواصلت مع إدارة القناة للعمل لديها، إذ رأت أن للقناة «توجهًا سياسيًّا واضحًا وصريحًا، وكانت المحطة الأولى التي انحازت للثوار»، على حد قولها.

الصحف المصرية تروج الشائعات

عقب اختفاء ليليان داوود قسريًّا، بُعيد اقتحام منزلها في القاهرة، بدأت عدة صُحف مصرية في نشر أخبار عن مصادر دون أن تذكرها، تُفيد بترحيل ليليان عن مصر، ولم تكن ثمة أية معلومات مُتاحة عن مكان ليليان، وبعد أن اتضح الأمر، باتصال هاتفي من ليليان لمحاميها، بدأت تلك الصحف في ترويج شائعاتٍ مُوجّهة، يُرجح أنها مدفوعة في ذلك من قبل بعض أجهزة الدولة.

تربعت صحيفة الوفد، عرش الصحف المروجة للشائعات حول قضية ليليان، إذ نشرت في البداية خبرًا، قالت إنه نقلًا عن مصادر أمنية، يُفيد ترحيل ليليان بسبب إصابتها بالإيدز! وادعت الصحيفة، أن مصدرها الأمني صرح لها، بأنّ قرار ترحيل الإعلامية اللبنانية، هو قرارٌ سيادي.

أبدى الكثيرون استهجانهم من الخبر الذي بدا وكأنه للتشهير بليليان، فضلًا عن الربط غير المفهوم بين إصابتها المزعومة بالإيدز، وبين «القرار السيادي» بترحيلها. وعلى إثر هذا الاستهجان، حذفت الصحيفة الخبر من بوابتها الإلكترونية، واستبدلته بآخر قالت فيه نصًّا: «علمت الوفد من مصادر مُؤكدة، أنه سوف يتم عرض الإعلامية ليليان داوود على الحجر الصحي، بعد تردد أنباء حول إصابتها بمرض الإيدز»!

بعد قليل من نشر الخبر الثاني، حُذف هو الآخر، واستبدل بخبر ثالث، تُوّج عنوانه بكلمة «انفراد»، لحقتها اتهامات لليليان بالتعامل مع مخابرات أجنبية، وذلك أيضًا وفقًا لما قالت الصحيفة إنها مصادر أمنية. لاحقًا حذفت الصحيفة الخبر.

وجمع الصحافي المصري حُسام السكري، صورًا للأخبار الثلاثة، في منشور على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي، «فيس بوك»:

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/hosam.sokkari/posts/1158396134192546?pnref=story ” width=”” ]

كواليس البرنامج

وصف رئيس تحرير برنامج «الصورة الكاملة»، الذي كانت تقدمه ليليان، ما حدث معها، بأنه «حملة ضد الإعلام المُحترم، وضد الصحافة الحرة»، مُضيفًا، في تصريحات لوكالة أنباء رويترز: «كل ما فعلناه أننا كنا نقدم إعلامًا محترمًا نحترم فيه عقل المشاهد، ونمجد فيه مبادئ الأخلاقيات والمهنية والحياة، كنا نعمل شيئًا بشكل محترم».

وعبر صفحتها على فيس بوك، كشفت سارة علام شلتوت -التي كانت تعمل ضمن فريق إعداد البرنامج- عن بعض كواليس البرنامج، وإدارة ليليان لفريق عملها، ولأزماتها والنقد الموجه لها. تقول سارة، إنهم كانوا يتجاهلون اتصالات وزارة الداخلية، الرامية إلى تغيير الموضوعات التي تناقشها ليليان في برنامجها.

«تحاول أن تمشي فوق الأسلاك الشائكة»، كما تقول سارة، وتُضيف: «بعد البرنامج، تتلقى ليليان سيلًا من الشتائم من موتوري فيس بوك وتويتر، وتقرر أن تُكمل ما بدأته، ليس عنادًا، بل إيمانًا بقيمة الإعلام المُحترم المهني، وحق المشاهد في المعرفة»، على حد قولها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد