في مايو (آيار) 2015، بطريقة غير رسمية يعلن عضو مجلس الشيوخ لندسي جراهام بطريقة غير رسمية اعتزامه الترشح لرئاسة الولايات المتحدة، عن حزبه، حزب الجمهوريين، الإعلان الذي أخذ فيما بعد، في يونيو (حزيران) مسلكًا رسميًا من قلب ولاية ساوث كارولينا، مسقط رأس جراهام. لم تستغرق حملته الانتخابية الستة أشهر حتى أنهاها في ديسمبر (كانون الأول)، وأعلن تأييده لجيب بوش، حاكم ولاية فلوريدا، سليل عائلة بوش العريقة، الذي بدوره علق حملته الانتخابية في فبراير (شباط) من العام التالي.

توجه جراهام لدعم تيد كروز في يونيو، ولما كان دونالد ترامب هو المرشح النهائي للجمهوريين، رفض جراهام إعلان أي تأييد للرجل؛ وهو الموقف الذي تعزز لاحقا في معارضة جراهام العلنية للكثير من سياسات الرئيس الأمريكي؛ كان أبرزها مؤخرا موقفه الصارم من أزمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلادهم بإسطنبول.

Embed from Getty Images

السيناتور الأمريكي لندسي جراهام

السعودية تجاوزت الخط الأحمر

تبلور موقف جراهام سريعًا في الأيام الأولى من أزمة خاشقجي، معربًا عن خيبة أمله في مساعي الإصلاح التي يقودها الأمير السعودي محمد بن سلمان، والمهم أن تصريح جراهام جاء بعد عشرة أيام فقط من مقتل خاشقجي، أي يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) قبل أن تخرج أي تحقيقات للعلن.

 

اعترفت السعودية أخيرًا بوفاة خاشقجي نتيجة شجار بالأيدي وقع بينه وبين موظفي القنصلية، يوم 20 أكتوبر، أي بعد 18 يوم كاملة من الإنكار المتواصل، لكن ذلك على الرغم من قبول الرئيس الأمريكي له، لم يلق قبولًا لدى أصوات داخل الكونجرس الأمريكي، وعلى رأس هؤلاء المعترضين كان جراهام، الذي قال على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «أقل ما يمكن أن أقوله أنني متشكك في الرواية السعودية، من الصعب أن تكون لهذه الرواية مصداقية، لاسيما بعد أن أعلنت السعودية خلال الأيام السابقة مغادرته للقنصلية».

Embed from Getty Images

صورة للصحفي جمال خاشقجي

وكلما ظهرت أدلة جديدة، كلما كان لدى جراهام ما يقوله، بالنسبة لعدد من النواب الجمهوريين كجراهام وبوب كوركر فإن القضية تمس الشرف الأمريكي، وتبدد منظومة القيم التي لطالما اعتبرتها المؤسسة الأمريكية ميزة لها على مختلف الأنظمة الحاكمة في عدد من البلدان كروسيا والصين، وبالنسبة لهم أيضًا، فإنهم توقعوا من اللحظة الأولى تعاطف الرئيس ترامب مع القائمين على أمور الحكم في السعودية، لذلك كانت تصريحاتهم ومواقفهم سابقة حتى على ذكر اسم ولي العهد في القضية، وقبل أن تعلن السعودية رواياتها المختلفة للقضية.

ولما كانت القضية توشك أن تموت على أعتاب البيت الأبيض من جراء التعاطف غير المسبوق من رئيس أمريكي تجاه زعماء عرب من المحتمل أن يكونوا قد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء فيما يخص مبادئ حقوق الإنسان، كان جراهام وبعض رفاقه لهم رأي آخر، فهذا جراهام في حديث له يتوعد: «لا تعتقدوا أن الكونغرس سوف يغض الطرف إذا كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يجعل العالم مكانا أكثر خطورة، لن نعطي زعيمًا أوتوقراطيًا تذكرة مرور». وأضاف: «لا نريد إعطاء الآخرين الضوء الأخضر ليسلكوا هذا الطريق».

وبعد هذا التصريح بيومين، هدد السيناتور إدارة ترامب بأنه إن لم يُطلع جهاز الاستخبارات مجلس الشيوخ على تفاصيل الحادثة وما توصلوا إليه بشأن الفاعلين فإنه سيقوم بحجب صوته والامتناع عن دعم أي مشروعات كبيرة في الكونجرس، وجاء هذا التهديد بعدما تغيبت أواخر الشهر الماضي مديرة الاستخبارات جينا هاسبل عن جلسة استماع حول القضية، قيل إنه بسبب تعليمات صدرت لها من البيت الأبيض.

تأتي قضية خاشقجي لتصب إذًا مزيدًا من الزيت على نار الاحتدام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وربما هذا ما أضاف مزيدًا من الزخم للقضية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

كيف يهدد مقتل خاشقجي نفوذ إسرائيل في الشرق الأوسط؟

 

خطة جراهام لـ«تغيير الحكم في السعودية»

هناك ثمن يتعين على الدول دفعه للقيام بأعمال تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا تقطع شخصًا ما في قنصلية، هل هذا صعب؟ *   السيناتور لندسي جراهام لـ CNN

تحت هذا العنوان، نشرت مجلة «بلومبيرج» الأمريكية تقريرًا، حول ما أسمته «خطة لندسي جراهام للإطاحة بولي العهد السعودي (محمد بن سلمان)»، استند الصحفي إيلي ليك إلى تاريخ السيناتور الإيجابي في تغيير الأنظمة في بلدان عربية كالعراق وليبيا، إضافةً إلى التصريحات العنيفة التي يخرج بها السيناتور من حينٍ لآخر إزاء قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

ما يثير الاهتمام بالسيناتور، خلافًا لكونه من كبار الأعضاء داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، كونه جمهوريًا ينتمي إلى ذات المؤسسة التي ينتمي لها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يعتبره كثيرون المدافع الأول عن الإدارة السعودية أمام نيران الاتهامات المفتوحة عليها. جراهام الذي قال بصريح العبارة أن ولي العهد السعودي «كرة نار»، عارض سياسة الرئيس ترامب تجاه السعودية، متوقعًا أن السعودية لو وقعت بين يدي هذا الرجل -يقصد محمد بن سلمان- فستجد الولايات المتحدة صعوبة في التعامل معها.

Embed from Getty Images

السيناتور لندسي جراهام خلف الرئيس ترامب

يدعي جراهام أن السياسات الخارجية هي من شأن السلطة التنفيذية، وليس لمجلسي الشيوخ دخل فيها إلا من خلال تمرير الاتفاقات والتصديق عليها، وبناءً على ذلك فإن الحملة التي يقودها رجال الكونجرس الأمريكي بغرفتيه لتعليق اتفاقات التسليح بين بلادهم والمملكة هي أقصى ما يمكنهم فعله، لكنهم يتوقعون من خلاله أثرًا كبيرًا، بالتأكيد دون إحداث تغيير في سلم الحكم داخل المملكة.

أكد جراهام في ختام حديث له بعد جلسة الاستماع التي عقدها الكونجرس بحضور مديرة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، على ضرورة الحفاظ على السعودية كحليف للمملكة؛ إذ انضمت الأخيرة لحرب الولايات المتحدة على إيران وتنظيم الدولة، لكن جراهام يعلن أن ثمن بقاء هذه العلاقات تنحية ابن سلمان من ولاية العهد. «فهل السعودية عازمة على دفع هذا الثمن؟»، يتساءل جراهام.

الأصدقاء الثلاثة

عُرف العقيد المتقاعد لدى سلاح الجو الأمريكي بحزمه الشديد إزاء القيادة الأمريكية للعالم، ودعايته للتدخلات العسكرية الأمريكية في البلدان التي تشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية وهذا بالتأكيد متفهم ضمن حزمة الميول السياسية للجمهوريين، لكن ما جديد أن جراهام في عديد المناسبات سعى لأن يحظى بتأييد الحزبين معًا، فنجده في مواقف مختلفة مدافعًا عن تطلعات الديمقراطيين في قضايا مثل الاحتباس الحراري والقوانين المنظمة للهجرة.

Embed from Getty Images

لندسي جراهام وجون ماكين في زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

لطالما وُصف جراهام رفقة زميليه في مجلس الشيوخ الراحل جون ماكين، والمتقاعد جوزيف ليبرمان، بالأصدقاء الثلاثة، دعم ثلاثتهم السياسة التدخلية للولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما بعد التهديد الذي تعرضت له في الحادي عشر من سبتمبر 2001. دعا جراهام الحكومة الأمريكية عام 2010 لشن هجوم عسكري وقائي على النظام الإيراني لإضعافه، جادل كذلك لتوطين 10 آلاف جندي أمريكي في العراق عام 2012. كان جراهام حينها يظن أنه لابد للإدارة الأمريكية أن تدير صفقة مع العراقيين للإبقاء على هذا العدد من الجنود على الأراضي العراقية وإلا فستذهب بغداد إلى الإيرانيين.

أبدى جراهام دعمه للتدخل العسكري في ليبيا بقيادة حلف الناتو، كما أنه في مارس (آذار) عام 2015 أعلن كامل التأييد للحرب التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية على الأراضي اليمنية، رآها جراهام حربًا على الأيادي الإيرانية الطويلة في المنطقة، وتقويضًا لنفوذ طهران المتعاظم في الشرق الأوسط، لاسيما الجزيرة العربية. دعمه لإسرائيل غير محدود، ومن أجل هذه النقطة تحديدًا، انتقد الرئيس السابق وسياسته تجاه إسرائيل، واعتبر وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل الأسوأ لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

روسيا وإيران العدو الأول

إن أول شيء نرغب في التأكد من حقيقته: هل اخترق الروس نظامنا السياسي؟ * السيناتور جراهام في ديسمبر (كانون الأول) 2017

يبدي السيناتور جراهام شجاعةً كبيرة إلى جانب التحقيقات الجارية بشأن التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الأمريكية التي أتت بترامب إلى المكتب البيضاوي، ينطلق جراها من عداء قديم يكنه للصعود الروسي والمعادلة الجديدة التي يسعى فلاديمير بوتين لإقرارها، بعد سنوات من أحادية القيادة الأمريكية للعالم.

Embed from Getty Images

لندسي جراهام

آمن جراهام بضرورة أن يتم إفساح المجال أكثر لحلف الناتو، لتقويض أي نفوذ روسي محتمل، وأبدى مبكرًا تخوفه من تطلعات بوتين، فعمل على استصدار قرار من مجلس الشيوخ عام 2011 يعتبر العدوان الروسي على جورجيا عام 2008 من أعمال العدوان المستلزمة للإدانة الأمريكية. واقترح في يوليو (تموز) 2013 على الإدارة الأمريكية مقاطعة أولمبياد سوتشي 2014 في روسيا، لأنه يرى ضرورة أن تتعاون الولايات المتحدة لإضعاف الاقتصاد الروسي، وشل مخططات الإدارة الروسية التي «تعبث في كل مكان في العالم» على حد تعبيره.

ينظر جراهام بعين الريبة إلى كل ما من شأنه أن يهدد القيادة الأمريكية للعالم، وليس هذا مستغربًا بحق صقر جمهوري عتيد، خدم في قوات الجو الأمريكية، قبل أن يخدم في مجلس نواب ساوث كارولينا لعامين، ومن هناك بدأ رحلته الطويلة كرجل تشريعي من الطراز العتيق، ثمان سنوات قضاها في مجلس النواب، الغرفة التشريعية الأصغر في أمريكا، وأخيرًا هو اليوم يتم 15 عامًا في مجلس الشيوخ.

ديمقراطي.. ولكن

جزء كبير من الشهرة التي يتمتع بها لندسي جراهام مردها إلى كونه جمهوري، أقرب للديمقراطيين من غيره. على سبيل المثال، أعلن لندسي جراهام في ديسمبر (كانون الأول) 2009، رعايته لمشروع قانون التغير المناخي، وأرسل بخطابٍ (رفقة عدد من السيناتورات) للرئيس أوباما يعده فيه بالمسؤولية عن تمرير مشروع القانون من مجلس الشيوخ، بدا جراهام حينها كديمقراطي أكثر من الديقراطيين، وحمل على عاتقه ما لم يتجرأ كثيرون على تحمله، بسبب المخاطر التي يحملها القانون إلى عالم المال والأعمال، لاسيما تلك المرتبطة بالكربون ومصادر الطاقة غير النظيفة.

لكن في خطوة غير متوقعة وبينما صرف الديمقراطيون اهتمامهم إلى قوانين الهجرة ومررت ولاية أريزونا قانونًا للهجرة غير الشرعية، سحب جراهام دعمه لمشروع القانون المتعلق بالمناخ، وأعلن في العام التالي اعتزامه التصويت برفض مشروع القانون، الذي كان هو أول داعميه.

Embed from Getty Images

لندسي جراهام

ينتسب السيناتور جراهام إلى صقور اليمين المحافظين في الحزب الجمهوري، فالرجل عارض مشاريع القوانين التي تسمح بحرية إجهاض الأجنة، كذلك عارض مشروع «أوباكير» للرعاية الصحية لما يضفيه من عبء على موازنة الحكومة الفيدرالية، وقد صرّح في مايو 2015 أنه لو كان رئيسًا للولايات المتحدة، وعلم أن أحدًا في مكان ما في هذا العالم يفكر بالانضمام لـ«القاعدة» أو «تنظيم الدولة الإسلامية»، فإنه لن يتوانى لحظة ليأخذ الدرونز ويغرقه بالصواريخ.

ومن أهم مواقفه معارضته الشديدة لدعوة واعظ من فلوريدا لحرق 200 نسخة من القرآن في عام 2010 في الذكرى السنوية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، رأها جراهام دعوى قد تخلق اضطرابًا في المجتمع الأمريكي وتقوض إجماعًا موجودًا حول الحرب الأمريكية على الإرهاب، وفي هذه المناسبة قال جراهام، العسكري السابق: «إن حرية التعبير لفكرة عظيمة، لكننا في حرب، وقد تعلمنا أثناء الحرب العالمية الثانية أن نمتنع عن ما من شأنه أن يثير العدو».

«واشنطن بوست»: خطيبة خاشقجي توجه رسالة لترامب.. ما فحواها؟

 

المصادر

تحميل المزيد