في الطريق إلى مقاطعة جيانسغو شرق الصين، يقف باعة الفاكهة بعرباتهم الخشبية، يبيعون بضاعتهم بأقل الأسعار في البلاد، فقراء، أو هم أفقر سكان الصين إن شئنا الدقة، في هذه القرية، غوانيا، والتي كانت حتى بداية الألفية الجديدة أفقر قرى الصين، حدث لها أمر أشبه بالخضوع لعملية تجميل شاملة، بعد أن عمل معظم أهل القرية، خارج منازلهم وداخلها، في صناعة الملابس الداخلية النسائية المثيرة، وأصبحوا ملوك المتعة حول العالم. ترك الفلاحون حقول الأرز والقمح التي ورثوها عن أجدادهم، واستبدلوا بها ورشًا وماكينات خياطة لا تتوقف عن الأزيز طوال النهار وحتى منتصف الليل.

«سحر منتصف الليل»

يعيش بالقرية نحو مليون شخص، عاشوا هذا التحول الدراماتيكي الذي بدأ مع الأزمة الاقتصادية العالمية، حدث ذلك في عام 2008، عندما أغلقت عشرات المصانع في جنوب الصين أبوابها وسرحت العمال، بعد أن كانت تبيع لأوروبا وأمريكا بأرخص الأسعار، وأصبح أكثر من مليون عامل ريفي بلا عمل. كانت قرية غوانيا المعزولة في ذلك الوقت تعتمد على الغلال، ولم تتأثر بالاضطرابات المالية لطبيعتها وطبيعة عمل أهلها، عندئذ طلبت الحكومة الصينية من أهل القرية العمل وتحقيق عائد مادي لمساعدة الجنوب المتضرر؛ ولكن كيف كان يمكن تحقيق ذلك؟

Embed from Getty Images

قبل عامين من ذلك كانت والدة لي كونغري مجبرة على إغلاق محلها بعد صدور قرار إزالة له، فاقترح كونغري وهو لم يزل طالبًا في الثانوية أن يعرض بضاعة المحل على موقع «علي بابا»، وبالفعل بدأ في بيع ملابس الأطفال والأحذية ومستحضرات التجميل، وبعد أن باع مخزون والدته أصبح يبيع الواقيات الذكرية الرخيصة، والملابس النسائية الليلية المثيرة من إنتاج مصانع الجنوب، ولاحظ أن الملابس النسائية أسهل وأسرع عند البيع، حتى إن ما يعرضه لم يكن كافيًا لتغطية الطلبات؛ نظرًا إلى قلة سعر المعروض لديه.

بعد الأزمة الاقتصادية فكر كونغري في تكرار التجربة التي كانت مربحة ولو على نطاق محدود، جمع عائلته وأصدقاءه ولم يكن لديهم سوى 50 ألف دولار، اشترى بهم قطع القماش وآلات الخياطة، وتعلم هو ومعه سبعة من أفراد أسرته التصاميم البسيطة والحياكة، حتى انضمت له بقية العائلة والجيران للتعلم، وساعدهم في استخدام الإنترنت وفتح متاجر إلكترونية لبيع منتجاتهم، وفي غضون عام، ولو يكن قد بلغ سن 19 بعد، كان قد حقق أول مليون يوان صيني، بما يعادل 155 ألف دولار، وترك دراسته للقانون وبدأ في التركيز على عمله الخاص، وأصبح من رائدي الموجة الأولى بين المصنعين بالقرية، ودخل السوق العالمية بقوة في عام 2014، بعد أن نسخ المنافسون المحليون تصاميمه.

ينتج كونغري في مصنعه كافة الملابس الداخلية النسائية المثيرة؛ من الفساتين الشفافة إلى التصاميم الشبكية وأزياء «بلاي بوي»، وزي الممرضة والسكرتيرة الجريئة، ومع انتعاش الاقتصاد الغربي احتاج إلى المزيد من العمال لمساعدته لتغطية الطلب. ومن بين 500 مصنع في القرية يوظف كونغري في مصنعه «ميد نايت شارم» أو «سحر منتصف الليل» 20 ألف عامل، والعديد من العاملين منهم بالخياطة هن ربات بيوت تتوسط رواتبهن بين 600- 900 دولار في الشهر، وهو أعلى من معظم المصانع في العاصمة والمدن الكبرى في الصين، مع احتمال دائم للزيادة؛ فقد تضاعف دخل القرويين ثلاث مرات تقريبًا منذ البداية في عام 2008 إلى عام 2017.

اقتصاديات الإباحية «Pornography».. صناعة تتجاوز مليارات الدولارات!

«نصنعها للآخرين لا لنا»

تعرف غوانيا اليوم بأنها عاصمة الملابس الداخلية النسائية بالصين، فهي تنتج سنويًا نسبة 60% من إجمالي إنتاج الصين لهذه الملابس، حتى الثامنة مساءً قد تجد جميع العاملين بالمصانع والورش ما زالوا يجتهدون لإنتاج المزيد. يحرك عجلة العمل في غوانيا 500 مصنع لإنتاج الملابس النسائية الداخلية، ووفرت هذه المصانع قرابة 50 ألف فرصة عمل لأبناء القرية، وصلت أرباح إنتاجهم في عام 2017 إلى 3 مليارات يوان، أو 471 مليون دولار.

مع ماكينات الخياطة والفتيات الساهرات لضبط الغرز على القماش الساتان، يعمل الشباب في مجال التعبئة والتغليف؛ فيعبئ المصنع الواحد نحو 200 ألف منتج في اليوم، تصل نسبة الملابس الداخلية النسائية بينها حتى 60%. وبجانب العاملين بالمصانع، تنتج الأسر في الورش المتناثرة في القرية 80% من الإنتاج النهائي للمصانع، وقد يملك المصنع الواحد نحو 30 ورشة خارجية تديرها أسرة من سبعة أفراد وحتى 20 فردًا، يعملون بالتصميم، والحياكة، والتعبئة، والنقل، كمصنع صغير جدًا.

Embed from Getty Images

في السنوات القليلة الأولى من العمل كان كل مصنع بالقرية ينتج أكثر من 3 آلاف قطعة بأذواق مختلفة، ولكن كيف يمكنهم تصميم هذا العدد الضخم من الموديلات؟

تبحث المصانع كل يوم على «الإنترنت» عن أفضل التصميمات وأكثرها مبيعًا ثم تقلدها، يفعل ذلك تقريبًا جميع المصانع في غوانيا، ليخرج التصميم المقلد بعد حياكته وعرضه للبيع في خلال أسبوع لمواكبة الموضة وموجة شراء الموديل الأكثر مبيعًا. يحاول بعضهم التأسيس لذوق خاص بهم في الملابس، ويبحثون عن التنوع، لكن ذلك لا يتحقق سريعًا، فالتمسك بالتصاميم البسيطة بلون ومقاس واحد يمكن المنتجين من إبقاء الأسعار رخيصة، وهي الفكرة التي أثبتت نجاحها لصاحب إحدى الشركات عندما باع 10 ملايين قطعة من قميص أسود في ثلاث سنوات.

قام بذلك صاحب مصنع «ييجي» وهو أحد أضخم مصانع الملابس الداخلية النسائية في غوانيا، بسبب أسعاره الرخيصة التي زادت من شعبيته، وقد أسسه الشاب لي جيابو بعد أن عرف مبكرًا أن هذا العمل هو طريقه نحو الثراء السريع، وأخبر زوجته بأن عليهما البدء حالًا والمشاركة في الجهد. بدأ جيابو عمله الخاص في عام 2009، وتفاءل بحظه للعمل في صناعة تجلب المتعة للملايين، ثم بدأ في تدشين موقع خاص لمتجره على الإنترنت للبيع الإلكتروني.

ويتذكر لي جيانو أن أول قطعة بيعت كان مقابلها 10 يوانات بعد أن كلفته بين 4- 5 يوانات، ما كان ربحًا ضخمًا بالنسبة له بعدما باع كل منتجاته المعروضة في الوقت نفسه، ليعرف بالوقت أنه سيبيع كل شيء مهما كان إنتاجه، ودون أن يضطر لخفض الأسعار، واليوم فإن أرخص قطعة لديه يبيعها بيوانين، أي أقل من نصف دولار، أما أغلى قطعة فتساوي 32 يوانًا، ما يساوي 5.3 دولار.

بنهاية عام 2009، كان جيابو قد سدد كافة ديونه، وبقي له 300 ألف يوان، أي ما يعادل 47 ألف دولار، ما كان نجاحًا كبيرًا له ولزوجته، وزاد الربح بوجود زيادة سنوية في الطلب بنسبة 30- 40% في السوق؛ ورغم أن جميع أقاربه وأصدقائه ليسوا فخورين بعمله الجديد، لكنه يراهن دومًا على زيادة العمالة بالمجال وزيادة الأرباح من الصناعة ما يجعل قبول القرويين لها يزداد بالوقت، ويقلل تحفظهم تجاه العمل بحياكة الملابس النسائية المثيرة.

«بيزنس» الملابس المستعملة.. لا تصل للفقراء مجانًا وأفريقيا أكبر الخاسرين

كل صباح تغسل النساء المنتجات الجديدة وتضعها فوق عيدان الذرة في صفوف لتجف، حتى تتوسط الشمس كبد السماء فتكون الحقول قد تحولت إلى قطع ملونة من مشدات الصدر والبطن والأرداف، والقمصان الساتان، والجونلات القصيرة مثبت عليها كرة فرو -في إشارة لملابس «بلاي بوي»-.

قبل أكثر من عقد من الزمان لم تكن نساء القرية تعرف شيئًا عن هذه الملابس الليلية المثيرة، لكنهن رأينها لأول مرة في ورش الخياطة، ووجدنها أصغر مما تخيلن، ورغم ارتفاع العائد المالي من صناعة الملابس الداخلية النسائية المثيرة، لم يصبح بعد من السهل على الجزء المحافظ من جنوب الصين العمل بها؛ حيث يشعر العاملون بالحرج والكثير منهم يرفض العمل رغم حاجته. لكن بعض النساء تقبلن ما دامت لن تخرج من منزلها، مع بقاء نظرتها إلى هذه الملابس على أنها لا تناسبها ولن ترتديها، فالتصاميم جميلة؛ «لكنها لا تغطي الكثير».

Embed from Getty Images

في المناطق الريفية الفقيرة في الصين عادة ما يغادر رب الأسرة للبحث عن عمل في المدن الكبرى، وإرسال المال شهريًّا إلى زوجته وأطفاله، وأحيانًا تضطر المرأة للعمل. تعمل ليو يونغلان، 64 عامًا، بورشة جوار منزلها بعدما تقاعدت عن وظيفها الحكومية، وتحيك بيديها مشدات الصدر المطبوعة بجلد النمر، ثم تزينها بالدانتيل الأسود، حتى تنتهي وتغلفها في رحلتها الطويلة لخارج الصين.

مجرد تخيل هذه الملابس بالنسبة يونغلان هو «أمر مرعب»، فهناك ملابس داخلية يمكن بالكاد رؤيتها بالعين، ومن ترتديها كأنها لا ترتدي شيئًا، لأن كل جزء من جسدها يمكن رؤيته. وترى يونغلان أن من ترتدي هذه الملابس هي امرأة «غير محترمة»، ومن المستحيل أن تشتري مثلها لفتياتها، رغم أنها تعمل على تصنيعها ليل نهار.

تخجل بعض الفتيات مما تصنعه أيديهن، وترفض حتى أن ترتديه على ملابس العمل، وتقول شين هيلي إحدى العاملات إنها لا تحب ارتداء هذه الملابس في حياتها العادية؛ لأنها كاشفة جدًا ولا تناسب شخصيتها المحافظة، كما أن نساء قريتها لم يعتدن على ارتداء مثل هذه الملابس المثيرة.

مقابل المسنات والشابات، تعرف وانج جين المراهقة صغيرة، هدفها من العمل؛ فهي تعمل مع أسرتها تسع ساعات يوميًّا، وحافظت على راتب شهري بمتوسط ألفي يوان، ما يعادل 318 دولارًا شهريًّا، وعادة لا تشعر وانج بالخجل من عملها، وتراه طبيعيًّا، وتضحك مرات وهي تردد أن غرضها من العمل هو جمع المال لأنها تحبه كثيرًا؛ إذ تنتج العاملة الواحدة في الشهر عشرات الآلاف من الملابس النسائية الداخلية، وتجنين ما بين ألفين إلى 3 آلاف يوان،أي ما يعادل 319- 479 دولارًا.

ملابس داخلية في مرمى سهام الدولة

لعقود طويلة تعد الحكومة الصينية بيع وإنتاج المواد المرتبطة بالجنس سلوكًا إجراميًّا؛ وعلى الرغم من تراجع الموقف الرسمي نسبيًّا بعدما أصبح الصينيون أكثر انفتاحًا، فإن السلطات ما زالت تقمع الشركات ذات الصلة بالمنتجات الجنسية في بعض الأحيان؛ بزعم أنها بضائع تنشر الفاحشة، فما يزال أصحاب المصانع والمحلات الذين يبيعون الملابس الداخلية النسائية الشفافة واللامعة، يعملون في «منطقة رمادية» من القانون.

في عام 2010، أغلق أكبر متجر إلكتروني في الصين بعد اتهامه بنشر مضامين «مبتذلة»، ووضعت قيود على بقية المتاجر. كانت الضربة الثانية لهذه الصناعة في عام 2014، بعد إطلاق حملة ضخمة ضد «الرذيلة» في مقاطعة جوانغ دونغ، عاصمة الصين غير الرسمية لممارسة الجنس المدفوع، وتوقفت مبيعات الملابس الداخلية التي كانت تشتريها المشتغلات بالجنس، وخسرت الشركات مليارات اليوانات بين ليلة وضحاها، وهم حتى اليوم في قلق من ضربات الحكومة؛ ورغم ذلك يحلم أصحاب المصانع باليوم الذي ينظمون فيه لعروض أزياء سنوية تشبه فيكتوريا سيكرت، يجذبون بها السياح ويستضيفون نجوم الغناء العالميين.

على الرغم من تحول المقاطعة من الزراعة للعمل بالمصانع؛ فإن السكان لم يتخلوا عن سبل العيش الريفية التقليدية؛ فينظمون مواسم الزراعة والري والحصاد، ويغادر العمال المصانع بعد ساعات العمل لحرث أراضيهم مع عائلاتهم، فقد أصبحت الزراعة التي اعتمدوا عليها لأجيال عادة يصعب التخلص منها؛ لتتجاور الأراضي الزراعية مع ورش العمل، والسيارات الفاخرة لأصحاب المصانع الشباب متوقفة أمام الجرارات القديمة، والجميع لديه من أقاربه من يعمل بصناعة الملابس الداخلية النسائية.

كيف تحولت هونج كونج من جزيرة مهجورة إلى أحد أهم مراكز العمال في آسيا؟ 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد