ثارت الكثير من الآراء حول أي الحضارات القديمة كانت الأسبق في اكتشاف الكتابة، أهي الحضارة السومرية أم الحضارة المصرية؟ واختلف الباحثون شرقًا وغربًا حول هذا الأمر، إلا أن هناك مرحلة تأسيسية ومحورية وسابقة على اكتشاف الكتابة واللغة كما نعرفها الآن، ففي اللحظة التي نطق فيها أول إنسان بأول كلمة، والتي ربما كانت صوتًا يشبه الهمهمة للتحذير من خطر قادم، كحيوان أو لمناداة الآخرين لأكل طريدة، كانت تلك الكلمات المنطوقة، أولى خطوت البشر نحو الإنسانية.

وعليه فقد كان إنسان ذلك العصر الموغل في القدم هو قائد مسيرة طويلة للغاية، لا نعرف بالضبط كيف، ومتى، وأين ابتدأت، لكن ما نعرفه على وجه اليقين أنها كانت أهم إنجاز بشري على الإطلاق.

هل يمكن للغة أن تؤثر في فهمنا لمعطيات العالم من حولنا؟ وهل يختلف إدراكنا للأمور باختلاف اللغة التي نتحدثها؟ وهل تتأثر اللغة بالسياق الاجتماعي، والثقافي، والديني لشعب ما؟ وإلى أي مدى تؤثر فيه؟

كل هذه التساؤلات سنحاول تلمس الإجابات عنها من خلال دراسة أمثلة متعددة لكلمات من لغات مختلفة بعد عرض أهم النظريات العلمية الخاصة بعلاقة اللغة بالفهم والإدراك، أو ما يعرف بـ«النسبية اللغوية».

قبائل الهوبي: ماذا تعني بـ«نصف ساعة» أنا لا أفهمك؟

قابلني في هذا المكان بعد «نصف ساعة»، أو موعدنا غدًا صباحًا؛ تلك جمل عادية بالنسبة لنا، سواء في اللغة العربية أو الإنجليزية ويمكننا أن نقولها ونفهمها في أي وقت ودون عناء، ولكن الأمر يختلف كليًا بالنسبة لقبائل الهوبي.

تضمنت دراسات عالم اللغة بنجامين هاري لي وورف في جامعة ييل، العمل مع لغات الأمريكيين الأصليين، بما في ذلك لغة الهوبي.

تختلف لغة الهوبي تمامًا عن اللغة الإنجليزية من نواحٍ عديدة. على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى كيفية تعامل لغة هوبي مع الوقت سنرى فارقا جوهريًا، إذ تنظر اللغات (والثقافات) الغربية إلى الوقت على أنه نهر متدفق نُحمل فيه باستمرار بعيدًا عن الماضي عبر الحاضر وإلى المستقبل.

وتعكس أنظمة الأفعال لدينا هذا المفهوم بأزمنة محددة للماضي، والحاضر، والمستقبل. بحيث إننا نفكر في مفهوم الوقت هذا على أنه مفهوم عالمي، يراه جميع البشر بالطريقة نفسها.

إلا أنه لدى متحدث الهوبي أفكار مختلفة تمامًا، كما أن بنية لغتهم تعكس وتشكل الطريقة التي يفكرون بها بشأن الوقت. لغة الهوبي ليس لها زمن الحاضر، أو ​​الماضي، أو المستقبل. بدلًا عن ذلك، فإنهم يقسمون العالم إلى ما أسماه وورف المجالات الظاهرة وغير الظاهرة.

يتعامل المجال الظاهر مع الكون المادي، بما في ذلك الحاضر والماضي المباشر والمستقبل؛ يستخدم نظام الفعل نفس البنية الأساسية لكل منهم. يشمل المجال غير الظاهر الماضي البعيد والمستقبل، بالإضافة إلى عالم الرغبات والفكر وقوى الحياة. مجموعة أشكال الفعل التي تتعامل مع هذا المجال متسقة مع كل هذه المجالات، وتختلف عن تلك الظاهرة. 

ولا توجد كلمات لساعات أو دقائق أو أيام الأسبوع. لذا فغالبًا ما كان المتحدثون الأصليون للهوبي يواجهون صعوبة كبيرة في التكيف مع الحياة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية عندما يتعلق الأمر بالتواجد «في الوقت المحدد» للعمل أو الأحداث الأخرى. إنها ببساطة ليست الطريقة التي جرى تكييفهم بها للتصرف فيما يتعلق بالوقت في عالم الهوبي الخاص بهم، والذي يتبع أطوار القمر وحركات الشمس.

الإنجليزية والروسية.. كيف تؤثر اللغة على استيعاب المخ للألوان؟

تختلف اللغات أيضًا في كيفية تقسيمها لطيف الألوان – العالم المرئي. بعض اللغات بها الكثير من الكلمات للألوان، وبعضها يحتوي على كلمتين فقط، «فاتح» وداكن»، وتختلف اللغات في المكان الذي تضع فيه الحدود بين الألوان.

لذلك على سبيل المثال في اللغة الإنجليزية هناك كلمة للأزرق تغطي جميع الألوان التي يمكنك رؤيتها على الشاشة، ولكن بالروسية، لا توجد كلمة واحدة لوصف اللون الأزرق. وبدلًا عن ذلك يتعين على المتحدثين الروس التفريق بين الأزرق الفاتح والأزرق الداكن كذلك.

عندما نختبر قدرة الأشخاص على التمييز الإدراكي بين هذه الألوان، نجد أن المتحدثين بالروسية أسرع في عبور هذه الحدود اللغوية وبالتأكيد سيكونون الأسرع في معرفة الفرق بين الأزرق الفاتح والأزرق الداكن.

وعندما تنظر إلى أدمغة الأشخاص وهم ينظرون إلى الألوان – لنفترض أن لديك ألوانًا تتحول ببطء من اللون الأزرق الفاتح إلى الأزرق الداكن – فإن أدمغة الأشخاص الذين يستخدمون كلمات مختلفة للضوء والأزرق الداكن ستعطي رد فعل مفاجئًا مع تغير الألوان من الضوء إلى الظلام، كما لو أنهم شعروا بتغير شيء ما بشكل قاطع، في حين أن أدمغة المتحدثين باللغة الإنجليزية، التي لا تميز هذا التمييز القاطع بين الأزرق الفاتح والداكن، لا تعطي هذه الاستجابة المتفاجئة؛ لأنه لا شيء يتغير بشكل قاطع بالنسبة لهم فكل هذه « الألوان» هي ببساطة «أزرق» .

بين الإنجليزية والإسبانية.. من كسر تلك المزهرية؟

تختلف اللغات أيضًا في كيفية وصفها للأحداث، أليس كذلك؟ نأخذ على سبيل المثال واقعة كسر مزهرية، في اللغة الإنجليزية تقول «لقد كسر فلان المزهرية». 

ولكن بلغة مثل الإسبانية، قد يقولون «المزهرية تحطمت» أو «المزهرية كُسرت». إذا كان حادثًا، فلن تقول إن شخصًا ما فعل ذلك. في اللغة الإنجليزية مثلًا يمكننا حتى أن نقول أشياء مثل «كسرت ذراعي» الآن، في العديد من اللغات لا يمكنك استخدام هذا البناء إلا إذا كنت مجنونًا وخرجت بحثًا عن كسر ذراعك ونجحت. إذا كانت ستستخدم بنية مختلفة، مبنية للمجهول ربما.

يترتب على هذا الانتباه للفاعل نتائج مهمة، مثلًا فإن الأشخاص الذين يتحدثون لغات مختلفة سوف ينتبهون لأشياء مختلفة، اعتمادًا على ما تتطلبه لغتهم عادةً. لذلك إذا عرض نفس الحادث للمتحدثين باللغة الإنجليزية والمتحدثين باللغة الإسبانية، فسوف يتذكر المتحدثون باللغة الإنجليزية من فعل ذلك؛ لأن اللغة الإنجليزية تتطلب منك أن تقول «لقد فعل ذلك كسر الإناء».

في حين أنه من غير المرجح أن يتذكر المتحدثون باللغة الإسبانية من فعل ذلك إذا كان حادثًا، لكن من المرجح أن يتذكروا أنه كان حادثًا، ومن المرجح أيضَا أن يتذكروا النية.

إذًا شخصان شاهدا الجريمة نفسها، لن ينتهي بهما الحال بتذكر أشياء مختلفة حول ذلك الحدث. وهذا له آثار بالطبع على شهادة شهود العيان، كما أن له تداعيات على من يقع اللوم والعقاب كذلك.

قبائل الهيمبا في ناميبيا وأطياف اللون

في دراسة بحثية حديثة غرضها دعم فرضية النسبية اللغوية وتأثيرها على فهمنا ورؤيتنا للعالم من حولنا، أجراها أربعة من العلماء البريطانيين حول شعب الهيمبا في ناميبيا – الواقعة في جنوب غرب قارة أفريقيا – وتقسيم للألوان إلى خمسة ألوان فقط.

مسألة ما إذا كانت اللغة تؤثر على تصنيفنا للاستمرارية الإدراكية أصبحت ذات أهمية خاصة بالنسبة لتصنيف وإدراك الألوان، حيث هناك أدلة قوية على اختلافات الألوان المعرفية بين المجتمعات اللغوية المختلفة، والدراسة سالفة الذكر تكرر وتوسع النتائج العلمية السابقة عليها باستخدام نماذج اضافية فيما بين مجتمع أكبر في بيئة بصرية مختلفة ورجال القبائل شبه الرحل في منطقة الجنوب الأفريقى، أظهروا تنظيمًا معرفيًا مخالفًا للغة الإنجليزية فيما يخص الألوان؛ إذ عبروا عن عدة أطياف من الألوان تحت مصطلح واحد من ألوانهم الخمسة.

إن الطريقة التي يقوم بها شعب الهيمبا الناميبي بتسمية اللون وفقًا لخمس فئات فقط. تجعل من الصعب عليك فهم كل فئة من تلك الفئات اللونية الخمسة بالكامل، أو حتى محاولة ربطها بما تعرفه من تسميات، إذ إنه في جميع الاحتمالات فإن لونين مثل الـ«زوزو» والـ«بورو»، وهما من ألوان الهيمبا يحتويان على ظلال من اللون الأزرق مما يجعل التمييز بينهما بشكل دقيق أمرًا صعبًا.

فالألوان التي تبدو مختلفة بالنسبة لك يجري تصنيفها لغويًا وفقًا لمجموعات لونية مختلفة عن تلك التي نعرفها.

مثلي أم سدومي؟ ماذا تعنى قواميس الإنجليزية والمفاهيم

كانت المجتمعات الأوروبية تتحرج من كتابة كلمة «مثلها» أو وصفها سوى بلفظة سدومي، والتي تحيل بدورها إلى قصة سدوم وعمورة من العهد القديم بالكتاب المقدس.

لقرون طويلة ابتدأت بالعصور الوسطى ربما وامتدت حتى العصر الفيكتوري وما تلاه، كان المجتمع الإنجليزي ينظر للمثلية الجنسية باعتبارها شيئًا يستوجب الكراهية، ولأن القواميس ومعاجم اللغات هي خير دليل على تطور المجتمعات، أو بمعنى أدق مراحل تكوينها الفكرى كعقل جمعي، فلا يوجد خير من قاموس أكسفورد لنتتبع فيه كلمة واحدة.

انحدرت كلمة «مثلي» إلى الإنجليزية من الفرنسية، وربما تكون ذات أصول جرمانية كذلك، وكانت الكلمة تعنى وقتها « ممتع» و«غير عابىء» ربما بدأت الكلمة تكتسب روابط بالفجور في وقت مبكر من القرن الرابع عشر، لكن حتى ذلك الحين لم تكن الصورة النهائية عنها قد تشكلت بعد.

إلا أنه وبحلول القرن السابع عشر أصبحت تمثل كل المعاني السيئة والمرفوضة، وفي أواخر القرن ذاته اكتسبت الكلمة معنى محددًا، وهو «مدمن الملذات» وربما لم تتغير تلك الدلالة كثيرًا بالشكل الرسمي إلا منتصف القرن العشرين وتحديدًا في عام 1951 حين قرر القائمون على إصدار القاموس بوضع كلمة « مثلي» خلفًا لـ«سدومي» لوصف المثلية الجنسية، في مثال يعد هو الأوضح على مدى العلاقة بين تغيير المجتمع لمفاهيمه الثقافية والفكرية ومفردات اللغة إما بالتعديل أو بابتكار مفردات جديدة تفي بالدلالة المعاصرة.

فالكلمات في ذاتها حيادية، انما تحمل المعنى بما يضعه فيها المتحدثين من شحنات فكرية وشعورية كذلك، فهل شعور الفرد تجاه شخص آخر يدعى سدومي مثل شعوره وتعامله مع شخص يدعى «مثلي»؟ هكذا يمكن للغة أن تغير نظرتنا للحياة والعالم فيما يسمى بـ«النسبية اللغوية».

عدم تجانس اللغة وتأثيره على التطور الفكري للبشرية

بعد أن عرضنا تلك الأمثلة على النسبية اللغوية، نخبركم عن الجنود الذي شغلوا أنفسهم وراء تلك الفكرة، بدأت القصة بمجموعة من العلماء والباحثين شغلتهم تلك الاسئلة والأمثلة السابق ذكرها، وبعد أن ذكرنا تلك الأمثلة على النسبية اللغوية، يجب أن نعرف الرجال الذين وقفوا وراء تلك النظريات وعكفوا على دراستها لوقت طويل.

كان فيلهلم فون هومبولت، فيلسوف ودبلوماسي وعالم لغويات بروسي (ما كان يعرف ببروسيا وقتها ببدايات القرن التاسع عشر) درس لغة الباسك (إقليم الباسك هو الإقليم الشمالي في إسبانيا الحالية، وهو إقليم ذاتي الحكم) ليثبت انتشار المتحدثين الأوائل بلغة الباسك في جميع أنحاء إسبانيا وفرنسا وجزر البليار وكذلك ليثبت الصلات بينهم وبين سكان شمال أفريقيا من خلال دراسته للأسماء الجغرافية للأماكن. 

وقد وافته المنية قبل الانتهاء من أهم أعماله حول اللغة الكاوية القديمة لجزيرة جاوة الإندونيسية، غير أنه قد نشر فقط مقدمة كتابه ذاك في عام 1836 تحت عنوان «عدم تجانس اللغة وتأثيره على التطور الفكري للبشرية».

وهمبولت هو أحد أعمدة فرضية النسبية اللغوية كذلك، فقد كان سبّاق في اعتبار أن فكرة تعدد اللغات لا تعنى فقط تعدد العلامات الكتابية والحروف، إنما هي أيضًا تعنى أول ما تعنى وجهات نظر أو رؤى مختلفة للعالم تختص بها كل لغة، كان ذلك في العام 1820 وهي فترة مبكرة للغاية لطرح مثل تلك الفرضية فيما يخص اللغة التي اعتبرها همبولت روح الأمة، أي أمة. تجدر الإشارة إلى أنه تقديرًا لدور همبولت العلمي وإنتاجه الفكري فقد تأسست في برلين عام 1810 جامعة حكومية تحمل اسمه.

هل ترى اللون الأحمر مثلما أنا أراه؟

ثم جاء عالم الأنثروبولوجيا واللغويات الأمريكي الملقب بـ«أبو الأنثروبولوجيا الأمريكية» وهو فرانز بواس والذي كان ينتمى لمدرسة علمية حديثة تعرف باسم النسبية العلمية، وهي المدرسة التي تعلي من شأن كافة الفرضيات العلمية ولا ترفض إحداها لحساب الأخرى أو تقر بخطأ نظرية وصحة أخرى بناءً على مدى قبولها في المجتمع العلمى المعاصر لها، فالفرضيات المرفوضة أو صعبة التحقيق في زمن ما، قد لا تكون كذلك في زمن لاحق أكثر تطورًا أو في حال توفر أدوات تساعد على إثبات صحة الفرضية.

وقدم بواس أيضًا فكرة النسبية الثقافية، التي تنص على أنه لا يمكن تصنيف الثقافات بشكل موضوعي على أنها أعلى أو أقل أو أفضل أو أكثر صحة، ولكنه رأى أن كل البشر يرون العالم من خلال ثقافتهم الخاصة، ويحكمون عليها وفقًا لثقافتهم الخاصة كذلك.

ساهم بواس أيضًا بشكل كبير في تأسيس علم اللغة كعلم مستقل في الولايات المتحدة الأمريكية. ونشر العديد من الدراسات الوصفية للغات الأمريكية الأصلية، وكتب عن الصعوبات النظرية في تصنيف اللغات، ووضع برنامجًا بحثيًا لدراسة العلاقات بين اللغة والثقافة تبعه فيه العديد من طلابه مثل إدوارد سابير وهو أحد مؤسسي فرضية النسبية اللغوية الذي سنتعرف عليه لاحقًا.

يبدأ بواس بطرح سؤال تجريبي ألا وهو: عندما يصف الناس صوتًا واحدًا بطرق مختلفة، هل هذا لأنهم لا يستطيعون إدراك الاختلاف بين هذه الطرق؟ أم أن هناك سببًا آخر؟

 ويشير إلى أن سؤال الأشخاص الذين يصفون صوتًا واحدًا بطرق مختلفة يمكن مقارنته بسؤال الأشخاص الذين يصفون أصواتًا مختلفة بطريقة واحدة. وهذا أمر بالغ الأهمية للبحث في علم اللغة الوصفي: عند دراسة لغة جديدة، كيف لنا أن نلاحظ نطق الكلمات المختلفة؟ قد ينطق الناس كلمة ما بعدة طرق ولا يزالون يدركون أنهم يستخدمون نفس الكلمة، إذًا فهم قادرون على التعرف على الاختلافات في النطق.

يمكن استخدام الكلمة الإنجليزية «أخضر» للإشارة إلى مجموعة متنوعة من الظلال والألوان والصبغات. لكن هناك بعض اللغات التي لا تحتوي على كلمة أخضر. في مثل هذه الحالات، قد يصنف الناس ما نسميه الأخضر إما باللون الأصفر أو الأزرق. هذا ليس مثالًا على عمى الألوان، إذ يمكن للناس إدراك الاختلافات في اللون، لكنهم يصنفون الألوان المتشابهة بطريقة مختلفة عن المتحدثين باللغة الإنجليزية.

قد تبدو هذه المساهمة محددة ومختصة بمجال أكاديمي ضيق وهو أساليب علم اللغة الوصفي، إلا أن هدفه النهائي كان بعيد المدى؛ إذ نادى بأن الدارس لا يجب أن يكون تحيزًا شخصيًا لثقافته، وعليه فقد أوضح المشاكل المنهجية للباحثين الغربيين فيما يخص دراسة ثقافات أخرى، فالباحث الغربي قد يسيء الفهم أو يفشل في إدراك عنصر ذي معنى في ثقافة أخرى لمجرد اختلافه عنه.

توفر هذه النقطة الأساس المنهجي للنسبية الثقافية لبواس، حيث أن عناصر الثقافة ذات مغزى في مصطلحات تلك الثقافة، حتى لو كانت لا معنى لها (أو تحمل معنى مختلفًا جذريًا) في ثقافة أخرى.

أما إدوارد سابير، فكان عالمًا أنثروبولوجيًا ولغويًا أمريكيًا، ويُعتبر على نطاق واسع أحد أهم الشخصيات التي ساهمت في تطوير تخصص علم اللغة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولد سابير في بوميرانيا الألمانية، والتي تقع ضمن شمال بولندا حاليًا. 

هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان طفلًا. درس اللغويات الجرمانية في جامعة كولومبي، حيث وقع تحت تأثير فرانز بواس، الذي شجعه للعمل على لغات الأمريكيين الأصليين. عرف سابير بأنه من أوائل المؤيدين لأهمية علم النفس في الأنثروبولوجيا، بفضل خلفيته اللغوية، أصبح سابير أحد تلاميذ بواس الذين طوروا العلاقة بين علم اللغة والأنثروبولوجيا بشكل كامل، حيث درس الطرق التي تؤثر بها اللغة والثقافة على بعضهما البعض.

 وكان مهتمًا بالعلاقة بين الاختلافات اللغوية والاختلافات في رؤية كل ثقافة للعالم من خلال لغتها. وقد تلقف تلميذه بنيامين لي وورف هذه الأفكار من أستاذه ليطور ما عرف بعدها بفرضية سابير – وورف أو مبدأ النسبية اللغوية. 

من بين مساهماته الرئيسة في علم اللغة تصنيفه للغات السكان الأصليين في الأمريكتين، والذي قضى في وضعه معظم حياته المهنية، ولعب دورًا مهمًا في تطوير المفهوم الحديث للصوتيات اللغوية؛ مما أدى إلى تقدم كبير في فهم علم الأصوات.

قبل إسهامات سابير، كان يُعتقد أنه من المستحيل تطبيق أساليب اللغويات التاريخية على لغات الشعوب الأصلية لأنه كان يُعتقد أنها أكثر بدائية من اللغات الهندو أوروبية. إلا أن سابير كان أول من أثبت أن أساليب علم اللغة المقارن كانت صالحة عند تطبيقها على لغات السكان الأصليين تمامًا كصلاحية تطبيقها على اللغات الهندو-أوروبية. 

وجاء من بعده بنجامين هاري لي وورف، وهو مهندس مكافحة حرائق ولغوي أمريكى، درس علم اللغة في جامعة ييل على يد إدوارد سابير، وقد عرف عنه اهتمامه الشديد بعلم اللغة، حيث جاء لهذا العلم من خلفية كتابية أول الأمر، حين صب اهتمامه على الدراسات اللغوية الخاصة بالعهد القديم.

ثم تحول بعد ذلك لدراسة اللغويات الخاصة بإقليم أمريكا الوسطى، وهي منطقة لأراضي حضارات قديمة في الأمريكتين تمتد تقريبًا من وسط المكسيك إلى كل من بليز، غواتيمالا، السلفادور، هندوراس، نيكاراجوا وكوستاريكا، وتشمل عددا من مجتمعات عصر قبل كولومبوس ازدهرت قبل الاستعمار الأسباني للأمريكتين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تعتبر منطقة وسط أمريكا إحدى خمس مناطق تاريخية في العالم نشأت حضاراتها بشكل مستقل عن بعضها البعض.

الآن وقد تعلمنا في رحلتنا هذه عبر ثقافات ولغات مختلفة بأنحاء العالم وشعوب بدائية، ربما حتى يعيد البعض التساؤل حول دقة كلمة «بدائية» هنا، بعد التعرف على أفكار المؤسسين الأوائل وفرضيتهم حول كيفية تأثير اللغة على الإدراك ورؤية العالم المحيط بالإنسان، وأن اختلاف اللغات من شأنه أن يغير وجهات استقبال كل منا للعالم من حوله.

 ذلك أن اللغة هي وعاء الفكر، الذي نصوغ فيه كلماتنا للآخرين، ونقرأ من خلاله تجارب السابقين، وما زال يحمل الأهمية الأولى نفسها حين أطلقه أول إنسان فكر في الكلام لينادي على رفقاء الكهف من أجل تناول الطعام أو ليحذرهم من خطر وشيك قادم.

فعلى مدار قرون طويلة تعددت استخدامات البشر للكلام، فاستعملوه في الصلوات وتعليم المعارف والعلوم المختلفة، وفي الغناء والموسيقى، حتى أننا حين نحلم، نحلم بأشياء لا يمكننا فهمها، ولا تسميتها إلا من خلال لغتنا الأم، لتصبح اللغة بحق أعظم إنجاز بشري على الإطلاق. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد