عندما تضيق الحياة بنا ويصبح الاكتئاب ملازمًا لنا، يبادر من حولنا بتقديم عدة نصائح للخروج من هذه الحالة ومن أهمها البحث عن مصادر للفكاهة مثل الذهاب إلى المسرح أو مشاهدة التمثيليات الكوميدية في التلفاز، فنحن نشعر بتحسن حالتنا النفسية عندما نضحك كثيرًا، وقد تم الكشف تجريبيًا عن أن التعرض للمادة الفكاهية له القدرة على التخفيف من الحالات الانفعالية غير السارة كالغضب والقلق والانزعاج.

ولكن المفاجأة تكمن عندما نعلم أن الكثير ممن يقدمون لنا الكوميديا يعانون من الاكتئاب، فهناك قصة تروى عن رجل فرنسي ذهب إلى أحد الأطباء النفسيين وهو في حالة من الكرب الشديد وقال له: «دكتور، إنني أعاني من حالة مفزعة من التعاسة والاكتئاب، هل يمكنك أن تصف لي بعض الأقراص، أو أي شيء يمكنه أن يساعدني في التغلب على هذه الحالة؟ فأجاب الطبيب النفسي قائلًا: أنت لا تحتاج إلى أقراص، اذهب وشاهد المهرج الشهير «جروك»، إنه سيبهجك ويجعلك تشعر بالتحسن»، فأجاب الرجل التعس: «يا دكتور أنا جروك».

وتؤكد صحة القصة صورة المهرج الحزين الشهيرة وهي صورة نجدها متكررة في التاريخ والادب، ومن الأمثلة على ذلك: شخصية «ريجوليتو» المهرج في أوبرا «فيردي»، وشخصية «بييرو» الذي ظهر عام 1912 لـ «أرنولد شوينبيرج»، والعديد من النماذج الأخرى التي تعكس أن الأمر ليس وليد الصدفة، وتؤكد وجود علاقة بين الاكتئاب والكوميديا، وسيحاول هذا التقرير البحث عن جذورها وتفاصيلها.

ما الذي يدفعهم إلى تفضيل الكوميديا؟

«وودي آلن» يؤدي عرضًا كوميديًا عام 1965

توجد العديد من الأسباب التي تقف وراء اختيار الممثل الكوميدي لهذا النوع من التمثيل بالذات، ولكن أكثرها شيوعًا دافع البحث عن القبول، ويفسر الممثل «وودي آلن» هذا الدافع بقوله: «إن الميل الاستعراضي أو النرجسية، وكذلك الحاجة إلى تكوين علاقات وأن يكون المرء مقبولًا» هما المبرران الحقيقان وراء تحوله إلى ممثل كوميدي، ولم يكن «آلن» هو الوحيد الذي اتجه للكوميديا لهذا السبب فهناك الممثل الكوميدي «فيلدز» والذي كان يرى أن السرور الذي يحدثه لدى الناس يؤكد له ولو للحظات قصيرة إنهم يحبونه.

ومن خلال البحث في حياة العديد من الممثلين الكوميديين الآخرين يتأكد لنا تأثير مرحلة الطفولة عليهم مثل: «أرت بوتشولد» والذي عاش طفولة بائسة أمضى فترة منها في ملجأ للأيتام، وجعله ذلك يبحث عن أي مساحة للقبول بين الآخرين، وكانت الكوميديا هي الوسيلة المتاحة بالنسبة إليه.

وعاش الممثل الأمريكي «داستين هوفمان» ظروفًا عائلية سيئة، فلقد كانت الكوميديا هي وسيلته لجذب اهتمام عائلته والتي كان يعيش بداخلها عضوًا لا أهمية له، وكانت النكات وسيلة فعالة للتخفيف من غضب والده عندما كان يرتكب خطأ ما.

وربما يقول قائل أن كل إنسان يريد أن يكون محبوبًا، وأن رجال الأعمال على سبيل المثال يكونون الثروات من أجل الدافع نفسه، ولكن في مقابل هذه الحقيقة هناك حقيقة خاصة تشير إلى أن العديد من ممثلي الكوميديا يبدو أنهم يعيشون حالة من العزلة والتعاسة، ويعانون من صعوبة واضحة في تكوين علاقات مشبعة، والأمثلة على ذلك متعددة ومن أبرزها: حالة الكوميديان البريطاني «توني هانكوك» والذي توفي وحيدًا في غرفة نومه بأحد الفنادق، وكذلك كانا الممثلان الكوميديان البريطانيان «بيني هيل»، و«فرانكي هاورد» واللذان فصل بين موتهما يوم وأحد عام 1992 ويعيش كل منهما بمفرده.

ظروف عملهم ليست بالسهولة المتوقعة

تؤثر الضغوط النفسية المحيطة بممثلي الكوميديا أثناء أدائهم لأدوارهم بشكل كبير في زيادة إصابتهم بالاكتئاب، فهم يحاولون طول الوقت أن يحافظوا على المادة التي يقدمونها متصفة بالحداثة والتأثير، وكذلك يجتهدون في أن يتسموا بالطرافة والمرح طيلة الأوقات استجابة لتوقع الجمهور العام منهم، مما يؤدي في النهاية عيشهم أسلوب حياة لا يتوافق مع الطبيعة البشرية السوية.

«أوليفر هاردي»

ومن اللافت للنظر أن ممثلي الكوميديا غالبًا ما يستثمرون على نحو واضح جوانب الغرابة، والعيوب المميزة الخاصة بهم، كالبدانة في حالة الكوميديان «أوليفر هاردي»، وعدم الجاذبية التي كانت ملازمة لـ «وودي آلن»، وغموض النوع الجنسي بالنسبة لـ «فرانكي هاورد»، وذلك يجعلهم أقرب للشعور بالنقص والدونية.

وهناك صلة محتملة بين الاكتئاب وظروف عمل ممثلي الكوميديا، وتتثمل في أنهم يكونون غير سعداء لأنهم يبدأون عملهم دون انجذاب قوي نحو الدور الخاص بالمهرج، ولكن يعتبرونه وسيلة لمواجهة اكتئابهم، ويتطور الأمر إلى توظيف معاناتهم الشخصية لجعل الآخرين يضحكون، وبذلك يظل الاكتئاب مرافقًا لهم أثناء أدائهم لأدوارهم الفنية.

كيف يمكن تفسير العلاقة علميًا؟

توجد العديد من الدراسات النفسية التي أجريت وأثبتت العلاقة بين الاكتئاب والكوميديا، ومن أهمها دراسة علمية أجراها الدكتور «يانوس» الأستاذ المساعد في قسم الطب النفسي بكلية نيويورك للطب، وأثبت من خلالها أن 85% من العينة الخاضعة للدراسة والتي تكونت أساسًا من ممثلي الكوميديا الذكور، قد لجأوا إلى العلاج النفسي في وقت ما من حياتهم وعلى الرغم من أنه لم يذكر لنا أي أرقام موازية خاصة بعينات من مهن أخرى، ولكن تظل هذه النسبة عالية دون شك.

الدكتورة «ديبورا سيراني»

وتقول الدكتورة «ديبورا سيراني» أستاذ علم النفس المساعد في جامعة «أدلفي» الأمريكية: «إن العديد من الكوميديين يتخذون النكتة والفكاهة كسلاح لمواجهة الظلام والحزن الذي يشعرون به معظم الوقت، وهم بذلك يرتدون ما يسمى في علم النفس بقناع الاكتئاب، والذي يساعدهم على الظهور بشكل أكثر قبولًا لدى الآخرين، ولكن خلف هذا القناع يدور صراع رهيب».

ومن وجهة نظر الدكتور «نيك ماغواير» المحاضر في علم النفس السريري بجامعة «ساوثهامبتون» البريطانية فإن سر استمرار العلاقة بين الاكتئاب والكوميديا، يرجع إلى أن ممثلي الكوميديا عندما يواجهون أحزانهم بالضحك فهم يستخدمون وسيلة مؤقتة، لا تصلح أن تكون علاجًا دائمًا لمشاعر الاكتئاب التي يعانون منها، وهذا يزيد الأمر سوءًا.

ونشرت كلية الطب بجامعة «أكسفورد» بحثًا قام به الدكتور «جوردون كلاريدج» الأستاذ بقسم علم النفس التجريبي، وتوصل من خلاله إلى أن العناصر الإبداعية المطلوبة لإنتاج النكتة، مماثلة بشكل لافت للنظر لنفس العناصر التي تميز الأسلوب المعرفي للأشخاص الذين يعانون من الذهان، سواء كان الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب.

«كوميديون» يروون «معاناتهم»!

«روبن ويليامز» يؤدي عرض «ستاند أب كوميدي» عام 2007

أنا بالتأكيد لا أعتبر نفسي إنسانًا سعيدًا، وحسب معرفتي بمجتمع الكوميديين أستطيع القول إن معظمهم مثلي، يعانون من الاكتئاب الشديد، والذي يصل إلى اضطراب الهوس الاكتئابي، ولكنهم لا يظهرون ذلك.

هكذا كشف الممثل الإنجليزي الراحل «كينيث ويليامز» عن حقيقة معاناته من الاكتئاب، وربما لا يوجد لدينا الكثير من الأحاديث الخاصة في هذا الجانب ولكن انتحار الممثل الكوميدي الأمريكي «روبن ويليامز» عام 2014 فتح باب الأسئلة عن الحالة النفسية التي أوصلته لهذه النتيجة، وهو ما يشرحه «ويليامز» بتأكيده في تصريح صحفي على أنه يعاني من اضطراب ثنائي القطب، والذي يؤثر بشكل خطير على حالته المزاجية، ويجعلها تتأرجح بين الشعور بالسعادة القصوى، وبين أقصى درجات الاكتئاب.

ودفع انتشار الاكتئاب بين أوساط الكوميديين الممثل الإنجليزي «ستيفن فراي» والذي يعاني من اضطراب ثنائي القطب إلى تقديم برنامج وثائقي تلفزيوني في عام 2012 أطلق عليه «الحياة السرية للاكتئاب»، وكشف في البرنامج عن إنه حاول قتل نفسه عام 2006، ويقول «فراي»: «إنه في كثير من الأحيان عند تقديمه أدوارًا كوميدية فإنه يضحك، ولكنه في داخل نفسه يقول أريد أن أموت».

وهناك العديد من الكوميديين الآخرين الذين عانوا من الاكتئاب، فمثلًا صرح الممثل الكوميدي الأمريكي «مارك مارون» عن إنه يعاني من الاكتئاب الحاد، وكذلك كان الحال مع كوميديين مشاهير مثل: «جيم نورتون»، و«جون بيلوشي»، و«كريس فارلي»، و«جيريج جيرالدو» والذي انتحر بجرعة زائدة من المخدرات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد