وراء كل آلة حربية، أو خطّة استعمارية، جُيوشٌ استخباراتية، وترسانة جواسيس مهدت الطريق للمستعمر من أجل بلوغ مراده. فقد شهد العالم على مدار تاريخه العديد من القصص حول عالم الجاسوسية؛ قصصٌ لفها الغموض والإثارة، وستظل أسماء مثل لورنس العرب الإنجليزي، وإليزابيث أبهارت الفرنسية من أصل سويسري، والجميلة فريا ستارك التي اخترقت الجزيرة العربية وبلاد فارس، من القصص المثيرة في عالم التجسس. لكن قصّة الجاسوس الفرنسي ليون روش، أو عمر بن عبد الله الجزائري، لا تزال تصنّف من بين أكثر القصص غرابةً في تاريخ الجاسوسية.

ذلك الشاب الفرنسي الذي سقط في هيام فتاةٍ أرستقراطية جزائرية بُعيد احتلال بلاده للجزائر؛ فأعلن إسلامه، وتحوّل إلى شيخٍ ومريدٍ، قبل أن يرتدّ ويخترق جيش الأمير عبد القادر، ويساهم في إسقاطه، ومن بعد يساهم في إبقاء الجزائر حبيسةً للاحتلال الفرنسي لعقودٍ مديدة.

في هذا التقرير نعود بعجلة الزمن إلى القرن التاسع عشر حين قطع ليون روش آلاف الأميال إلى الحجاز من أجل وأد مقاومة الأمير عبد القادر.

«حُبّ خديجة».. طريق ليون روش إلى الجاسوسية

في الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحقق نصرًا عسكريًا ودبلوماسيًا على النمسا في ما يُعرف بـ«حرب التحالف الخامس»، التي انتهت بعقد «معاهدة شونبرون» سنة 1809 كانت السيدة كليمونتين شمبانو تضع وليدها الوحيد الذي أخذ اسم ليون تيمنًا بالأسد الأفريقي أسطورة الجاسوسية في القرن السادس عشر؛ وذلك يوم 27 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه. لم تلبث السيدة كليمونتين سوى سنواتٍ معدودة مع وليدها قبل أن تفارق الحياة، وتترك الطفل ليون في رعاية خالته في أوضاعٍ معيشية صعبة.

لم تمنع تلك الظروف التي عاشها ليون روش حسب مذكرات كتاب «مذكرات ليون روش» من الدخول إلى المدرسة الابتدائية بمدينة جرونوبل الفرنسية، ثمّ الثانوية في مدينة طولون – التي انطلقت منه الحملة الفرنسية على الجزائر – قبل أن ينال شهادة الباكالوريا سنة 1828، ويدرس تخصص الحقوق بالجامعة، والذي كان يحبّه، إلّا أن الحظ والظروف الصعبة التي كانت تعيشها عائلة خالته لم تسمح له بمواصلة حلمه، فلم يلبث سوى ستة أشهر قبل أن يمنعه الفقر والحاجة من مواصلة الدراسة بالجامعة وتحقيق حلمه.

وأمام تلك الأوضاع شارك والد ليون؛ ألفونسو روش في الحملة العسكرية الفرنسية التي استهدفت احتلال الجزائر سنة 1830، مقاتلًا في صفوف الجيش الفرنسي. بعد سقوط العاصمة الجزائرية ومدن داخلية أخرى، بدأت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في نهب واغتصاب أراضي الفلاحين الجزائريين؛ وهو ما فعله ألفونس روش بأن اغتصب أرضًا زراعية بمساحة 200 هكتار في سحل متيجة الزراعي على ضواحي العاصمة الجزائر.

استقدم ألفونسو ابنه ليون بسرعة، ليصل ليون روش إلى الجزائر سنة 1832، للعمل في الأرض التي اغتصبها والده. لم يمض الكثير من الوقت على تواجد ليون بالجزائر حتى شرع في تعلّم اللغة العربية والاختلاط بالأهالي الجزائريين، حيث تعرّف إلى فتاة جزائرية جميلة من عائلة أرستقراطية تدعى خديجة، تبلغ من العمر 14 سنة، فسقط في غرامها. غير أنّ أهل الفتاة رفضوا تزويجها إلى «الشاب النصراني»؛ وقاموا بتزويجها إلى أحد أبناء مدينة مليانة التي كان يسيطر عليها حينها الأمير عبد القادر.

فتاة جزائرية من عائلة إرستقراطية سنة 1834، مصدر الصورة (جريدة الرياض)
صورة أرشيفية لفتاة جزائرية من عائلة إرستقراطية سنة 1834، مصدر الصورة (جريدة الرياض)

كان سبب رفض عائلة خديجة له هو المنعرج الحاسم في حياة ليون روش، ليقرّر بعدها أن يبذل قصارى جهده في إضمار كلّ ما قد يظهر «صفاتٍ نصرانية» في شخصيته. البداية كانت بتعلّم اللغة العربية على يد الشيخ عبد الرزاق بن بسيط، والذي ينحدر من أبرز وأعرق العائلات بمدينة الجزائر، ثمّ التعرف والاحتكاك ببقايا العائلات الثرية وذات النفوذ، مثل عائلات «الداي» و«الأغوات»، ولم يلبث أن خالط الجزائريين في المقاهي وجلسات المحاكم الشرعية.

لم يمنع تواصل روش بالأهالي الجزائريين من نسج علاقات كبيرة مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية، فقد قدّمه أبوه سنة 1833 إلى الحاكم العام الفرنسي بالجزائر الدوق دي روفيقو الذي عيّنه ملازمًا في فرقة الفرسان الخيّالة.

ومع كثافة الضربات التي لقيها جيش الاحتلال الفرنسي من طرف مقاومة الأمير عبد القادر، أُذعنت السلطات الفرنسية أخيرًا إلى التفاوض مع المقاومين الجزائريين، فأرسلت الجنرال «بيجو» خصيصًا لمفاوضة الأمير عبد القادر وعرض شروط الصلح عليه.

وبسبب إتقانه اللغة العربية قام الجنرال بوجو بإشراك ليون روش مترجمًا في «مفاوضات التافنة» التي عقدتها مع الأمير، والتي انتهت بتوقيع «معاهدة التافنة» عام 1837.

من بين تلك الشروط التي احتوتها معاهدة التافنة، كان «الاعتراف الفرنسي بسيادة الأمير عبد القادر على المناطق الغربية للجزائر دون المدن الساحلية مقابل السماح للفرنسيين بالإقامة في مناطق سيطرة الأمير»، ووفقًا لهذا البند قرّر ليون روش الهرب من جيش الاحتلال الفرنسي، والانضمام إلى صفوف جيش الأمير.

بداية المهمة.. الجاسوس يخترق معسكر الأمير ويصبح كاتبه الخاص

شعلة الحبّ التي كان يكنّها الشاب ليون روش إلى الفتاة الجزائرية خديجة لم تنطفئ. وبعد أن علم بتواجد محبوبته في مدينة مليانة قرّر التوجه إلى عاصمة الأمير عبد القادر ليكون بالقرب منها، وبالقرب من الزعيم الوطني الذي يكنّ له الإعجاب الشديد كما يقول في مذكراته.

الأمير عبد القادر الجزائري

فخلال مفاوضات التافنة، نمت لدى ليون روش مشاعر الإعجاب الشديد بشخصية الأمير عبد القادر، وبدأ بالتقرّب منه أكثر، فتمكن روش من الهرب من السلطات الفرنسية، والاحتماء في حضن جيش الأمير، وملازمته في حروبه الداخلية وتنقلاته الخارجية، وما لبث أن صار من كُتّابه الخواص؛ ليعلن بعدها ليون روش إسلامه، ويسمى عمر بن عبد الله من أجل أن «يجمع بين الجزائر المسلمة وفرنسا المسيحية» على حد تعبيره!

حمل الأمير عبد القادر الجزائري وخاصته على عاتقهم مهمة تلقين تعاليم الدين الإسلامي للوافد الجديد على المسلمين، ثم تزويجه بفتاةٍ جزائرية، وما فتئ أن تحوّل عمر سريعًا إلى أحد أكثر المقربين من الأمير ومساعد مباشر له. ويذكر عرفة عبده علي في كتابه «أوروبيون في الحرمين الشريفين» أنّ والد ليون روش، الملازم ألفونسو، توجّه خصيصًا إلى معسكر الأمير عبد القادر وتوسّل إلى ابنه بالعودة، لكنه رفض ذلك.

تجدر الإشارة إلى أنّ مراجع تاريخية أخرى تسرد رواية مختلفة عن إسلام ليون روش. فينقل الدكتور يوسف مناصرية إحدى تلك الروايات في كتابه «مهمة ليون روش في الجزائر والمغرب» بالقول إنّ روش أسلم في مدينة البليدة حين التقى الشيخ سيدي بلقاسم بن سيدي الكبير تخوفًا من أن يغتاله رجال الحجوط، وفي ذلك اللقاء حضر رسول الأمير عبد القادر إلى سيدي بلقاسم، فكان طريق روش إلى الأمير.

استغلّ ليون روش مقامه القريب من الأمير عبد القادر في الحصول على كلّ المعلومات والخطط التي ينوي الأمير تنفيذها ضدّ الاحتلال الفرنسي والقبائل المناهضة لبيعته، ثم نقل ذلك للسلطات الفرنسية عن طريق أحد أصدقائه الفرنسيين حين نقل رسالة بها وصف دقيق للأمير وشخصيته، وختمها بأنّ الأمير عبد القادر «رجل عادل يحترم تعاليم دينه، ويخضع له المسلمون بسبب احترامه لتعاليم الإسلام وسيره على نهج الخلفاء الراشدين».

كشف ليون النظام المالي والعسكري لدولة الأمير، وتعدى ذلك إلى مرافقة الأمير في حملته الشهير على مناوئيه من الطريق التجانية في مدينة عين ماضي بالجنوب الجزائري، وهي الحرب التي زاد من لهيبها روش بعد أن أرسله الأمير عبد القادر إلى التجانيين بحكم أن الشيخ عمر بن عبد الله قد صار أحد مريدي الطريقة القادرية التي أسّسها الأمير عبد القادر، فقام روش بتألّيب التجانيين على الأمير عبد القادر معتمدًا سياسة «ضرب الفريقين مع بعض».

يذكر الدكتور يوسف مناصرية ايضًا في كتابه «مهمة ليون روش في الجزائر والمغرب» أنّ ممارسة روش للجاسوسية كانت قبل التحاقه بجيش الأمير عبد القادر. وذلك حين طلب من أحد أتباعه في مدينة المدية (جنوبي العاصمة الجزائر) جمع معلومات حول أحد القيادات المحلية المرشحة لخدمة الإدارة الفرنسية.

وفي كتابه «حوار مع الأمير عبد القادر» يعدّد عبد الكريم منصور بن عوف العمليات الاستخباراتية والمعلومات التي قام ليون روش بتقديمها للإدارة الفرنسية في إطار عمله بالقرب من الأمير عبد القادر الجزائري بدايةً من المهمة السريّة التي نفذها ليون روش في مدينة مليانة حين زار المدينة على أساس تفقد مصانع الأسلحة؛ فقام بالحصول على وثائق، وخرائط، وبوصلة، إضافةً إلى سرقة خاتم الأمير واستعماله في خداع القبائل.

وما أن عاد ميزان البارود ليحكم العلاقة بين دولة الأمير وجيش الاحتلال الفرنسي، بعد أن نقضت فرنسا معاهدة التافنة سنة 1839؛ انتقل الأمير بقواته إلى بلدة «عين مهدي» فحاصروها أربعة أشهر، وحين دخلوا إليها اكتشف روش أن حبيبته خديجة كانت من بين الضحايا.

ومثل جميع عشاق القرن التاسع عشر أراد روش الانضمام إلى معشوقته والانتحار، لكن الأمير عبد القادر أثناه طالبًا منه الاستعداد لحملة على الفرنسيين انتقامًا من قتلها، وهنا ظهر أنه لا يستطيع رفع السلاح ضد وطنه فرنسا.

وأمام إصرار الأمير عبد القادر استئناف قتاله لفرنسا رفض ليون روش اتِّباع الأمير، واعترف له بأنه تظاهر باعتناق الإسلام، مع ذلك فقد أخلى الأمير عبد القادر سبيله غاضبًا، قائلًا له: «جزاؤك في الإسلام جزاء المرتدين. لكنني أترك معاقبتك لله!».

سر الفتوى التي قضت على مفهوم جهاد المحتل لدى صوفية الجزائر

في كتابها «الردود وتعليقات على كتاب حياة الأمير عبد القادر الجزائري»، تذكر الأميرة بديعة الحسني الجزائري حفيدة الأمير عبد القادر بأنّ الجاسوس الفرنسي ليون روش استطاع قُبيل فراره من معسكر الأمير سنة 1839 كتابة رسالة قلّد فيها روش خطّ الأمير، ووقّعها بختمه الخاص، وهرب بها إلى فرنسا مقدمًا إيّاها للحكومة الفرنسية، كان محتوى تلك الرسالة هو فتوى شرعية غريبة تلزم الجزائريين بالتعايش مع فرنسا.

فمع تعيين الجنرال توماس بيجو حاكمًا عامًا على الجزائر بحكم معرفته بقصة الجاسوس ليون روش، استدعى الجنرال بيجو هذا الأخير، وكلّفه بمهمة سريّة تقضي بالضربة القاضية على مقاومة الأمير عبد القادر وعلى أية مقاوماتٍ شعبية تستند إلى الجهاد في ما بعد.

كانت تلك المهمة إيفاد ليون روش إلى كلٍ من المغرب، وتونس، وليبيا، ومصر، والحجاز قصد التقاء علمائها وإصدار فتوى شرعية تبيح لمسلمي الجزائر العيش تحت الحكم الفرنسي دون اللجوء إلى فكرة الجهاد.

وقبل بداية الرحلة يذكر ليون روش في كتابه «اثنان وثلاثون سنة في رحاب الإسلام» والذي صدر سنة 1884، أنّه قام بتنظيم اجتماعٍ بمقر الطريق التيجانية بعين ماضي بولاية الأغواط دعا إليه كل من شيخ الطريقة التيجانية، الشيخ محمد الصغير التيجاني، شيخ الطريقة الطيبية وشيخ الطريقة الشيخية ( أولاد عبد القادر بوسماحة)

اتفق المجتمعون على إصدار فتوى «تبيح للاحتلال الفرنسي البقاء في الجزائر دون إلزام المسلمين بجهاده»، وتمّ الاتفاق على عرض تلك الفتوى على علماء القيروان بتونس، والأزهر الشريف بمصر، والحرمين الشريفين للمصادقة عليها، وأوفد شيخ الطريقة التيجانية مساعديه لمرافقة ليون روش في مهمته.

ليون روش
ليون روش

في طريقه إلى تنفيذ مهمته في استصدار فتوى تقضي نهائيًا على المقاومات الشعبية بالجزائر، يذكر المؤرخ الجزائري الراحل أبو القاسم سعد الله في كتابه «بحوث في التاريخ الإسلامي» أنّ ليون روش نزل بمصر قصد إقناع علماء الأزهر بالمصادقة على الفتوى، وبالرغم من رفض وتحفظ علماء الطريقة القادرية التابعة للأمير بالأزهر على الفتوى، إلّا أن الأزهر ردّ بأن: «مجلس العلماء في مكة المكرمة وحده يستطيع التصديق عليها»، وقد التقى ليون روش في مصر بمحمد علي باشا الذي شكّ في حقيقة إسلام الأول.

وصل روش إلى مكة، آخر محطات استصدار الفتوى الشرعية لوجوب تقبل المحتل الفرنسي بالجزائر، وهناك التقى شريف مكة وأحسن استقباله غير أنّ حجاجًا جزائريين استطاعوا أن يكشفوا أمر الجاسوس الفرنسي؛ فصاحوا في وقفة عرفة «نصراني! نصراني!» الأمر الذي دفع روش إلى الهرب قافلًا إلى فرنسا بعد أن نجحت مهمته في إطالة التواجد الفرنسي لعقودٍ طويلة بعد أن ركنت معظم الطرق والزوايا الصوفية إلى تلك الفتوى التي أصدرها ليون روش وهادنت المستعمر الفرنسي، وراجت بين المتصوّفة مقولة «الاستعمار قضاء وقدر».

انتابت نوبةٌ من الندم حياة ليون روش بعد عودته من مكة إلى باريس؛ من جرّاء عمله التجسسي، فرأى أن الطريق الوحيد إلى الهرب من هذا الماضي المليء بالمؤامرات على الجزائريين هو الانتماء إلى سلك الرهبنة، فذهب إلى روما وانضمّ إلى اليسوعيين، إلاّ أنّ الفرنسيين لم يقبلوا بذلك، وأقنعوا البابا جريجوري الثامن عشر بعدم قبوله، وهكذا عاد إلى الجزائر، لكي يساهم في هزيمة الأمير الكبير عبد القادر.

في عام 1845 كانت مقاومة الأمير عبد القادر تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن أنهكتها الخيانة المحلية من القبائل الجزائرية والخيانة الخارجية من السلطان المغربي الذي رضخ للضغوط الفرنسية. حينها شرع الاحتلال الفرنسي في توجيه الضربة القاضية لمقاومة الأمير؛ وذلك عن طريق الاستعانة بليون روش البطل الذي نجح في عزل الزوايا الصوفية عن الأمير، وذلك عبر خطةٍ جديدة للقضاء على الأمير عبد القادر، وذلك بمحاصرته من المغرب.

في 18 من مارس (آذار) من العام نفسه حطّت سفينة روش بالمغرب حيث التقى بالسلطان المغربي، وفرض عليه الاعتراف بالاحتلال الفرنسي على الجزائر، وبوجوب فرنسا ملاحقة القبائل الجزائرية الثائرة حتى داخل الأراضي المغربية.

Embed from Getty Images

لم يستسلم الأمير عبد القادر حسب مصطفى بن التهامي مؤلف كتاب «سيرة الأمير عبد القادر وجهاده»، بالرغم من الظروف القاهرة، فراح ينظم الغارات المتتالية على القوات الفرنسية انطلاقًا من الأراضي المغربية، وهو الأمر الذي أزعج الإدارة الفرنسية التي زادت عبر روش من ضغطها على السلطان المغربي، فطلب روش من السلطان مولاي عبد الرحمن إرسال جيشه للقضاء على الأمير عبد القادر، وهو ما كان أواخر سنة 1847؛ الأمر الذي دفع الأمير عبد القادر إلى الاستسلام بعد أن سقط بين كماشتي الجيش الفرنسي شرقًا وجيش مولاي عبد الرحمن غربًا.

في كتابه «اثنان وثلاثون سنة في رحاب الإسلام» يعترف ليون روش بخطة اختراقه للأمير عبد القادر فيقول: «اعتنقت الإسلام زمنًا طويلًا لأدخل على الأمير عبد القادر الجزائري دسيسة من قبل فرنسا، وقد نجحت في الحيلة. ثمّ بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعةً، وشهامةً، ووداعةً، وجمالًا، وكرمًا. إنّه دين المحامد والفضائل، ولو وجد رجالًا يعلمونه الناس حقّ التعليم ويفسرونه تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين».

ثم يضيف: «وجدت بينهم شيوخًا يحرّفون الدين ويمسخون جماله، ويدخلون عليه ما ليس منه، وإنّي تمكّنت من استغواء بعض هؤلاء الشيوخ في القيروان، والإسكندرية، ومكّة، فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين، وبأنّ لا ينزعوا إلى الثورة، وبأنّ فرنسا خير دولة أخرجت للناس، ومنهم من أفتى بأنّ فرنسا دولة إسلامية أكثر من الدولة العثمانية، وكلّ ذلك لم يكلّفني إلاّ بعض الآنية الذهبية».

بعد نجاحه في مهمته بالقضاء على مقاومة الأمير عبد القادر دخل روش بوابة الدبلوماسية بعد أن رُشّح من طرف الماريشال بيجو، فعيّن قنصلًا من الدرجة الأولى في ترييسته الإيطالية؛ مما أتاح له الحصول على خبرة قوية في الشؤون التجارية. وبعد ثلاثة أعوام سُمّي قنصلًا في طرابلس. وفي عام 1855 أصبح قنصلًا في تونس، قبل أن ينهي حياته سفيرًا لفرنسا في اليابان، ويتوفى مطلع القرن العشرين.

تاريخ

منذ 5 شهور
الأمير عبد القادر.. حين أنقذ مجاهد جزائري مسلم آلاف المسيحيين من الموت المحقَّق

المصادر

تحميل المزيد