في عام 1937 مات الكاتب والمفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي متأثرًا بنزيفٍ في الدماغ بعد 10 سنوات من التعذيب والحبس قضاها في سجون النظام الفاشستي الإيطالي. أدرك غرامشي خَطر السلطة على المثقف وأثر الثقافة في تكريس الاستبداد السُّلطوي، وكان مؤمنًا أن هيمنة فئة ما على المجتمع تكون من خلال نجاحها في استيعاب مثقفين تقليديين ينحدرون من فترات تاريخية سابقة.

يمكننا أن نقول إنّ هذا ما حدثَ تمامًا في العراق بعد 2003، مع نمو الميلشيات فيه وصولاً إلى اتحادها تحت مسمى «الحشد الشعبي»الذي باركته المرجعية الشيعية العليا في البلاد. هذه الميلشيا أو مجموع الميلشيات استطاعت تكوين قاعدة كبيرة من المثقفين الذين يكتبون بوازعٍ طائفيّ.. ومنهم الشعراء بطبيعة الحال.

قصائد للمليشيات في برنامج أمير الشعراء

«إلى فتيان الله السُّمرِ.. وشيُوخِهِ البيض» بهذا الإهداء بدأ شاعر من جنوب العراق اسمه شاكر الغزِّي قصيدته عن مليشيات الحشد الشعبي على مسرح وجمهور شاطيء الراحة في أبو ظبي خلال منافسات أمير الشعراء بموسمه السادس، القصيدة المعنونة بـ«أنبياء الرمل والتجافي» جاءت معبأةً بالبارود والموت، وممتلئةً بالمدح لمجاميع تتهم بارتكاب جرائم حرب أنّى وجَّهت بنادقها.

هم علموا آدم الخطّاء توبته… وفوق سوءته من تُوتِهِم خَصَفوا

وكان جبريلُ يمشي في حناجرهم.. ومثلُ موسى عليهم تنزِلُ الصحفُ

لا يتسعُ التقرير لنقدِ القصيدة فنيًا، وليس هذا موضوعه أيضًا، فقد تكفَّلت لجنة تحكيم البرنامج بذلك، ومن سوء حظ شاكر أن أعضاء اللجنة أدركوا قصده فتعاوروا عليه النقد، ثم إن الشاعر خذلته قصيدته في العبور إلى المرحلة التالية من البرنامج أيضًا.

يعلق شاعر من محافظة صلاح الدين – ساخرًا – على القصيدة بقوله: إن أنبياء الرمل والتجافي سرقوا مصفى بيجي، ولم يتركوا حتى ملاعق الطعام في بيوت المدينة.. البيوت التي سلمت من الهدم والحرق طبعًا!

صورة للشاعر شاكر الغزي في إحدى المناسبات الدينية الشيعية

الخطابة الحماسية عن أمجاد ثقافتنا (نحن) أو انتصارات تاريخنا نحن لا تستحق طاقة المثقف، وخاصة هذه الأيام التي تتألف فيها مجتمعات عديدة جدًا من أعراق وخلفيّات متنوعة بحيث يقاوم أي صيغ تصغيرية.. كل امرئٍ يعلن اليوم بأسلوب غير ملزم إيمانه بالمساواة للجميع، فإن المشكلة بالنسبة للمثقف تكمن في العمل من أجل تطبيق هذه الأفكار في حالاتٍ فعليّة. *إدوارد سعيد

هند بنت عتبة تُشتم في مدينة النجف

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 صار لافتًا – خصوصًا في المناسبات الدينية «الشيعية» – انتشار ظاهرة سبّ الصحابة والعلماء جهرًا على القنوات الفضائية العقائدية وفي المواكب الحسينية التي ترفع فيها لافتات الشتائم واللعن على امتداد الطرق المؤدية إلى المراقد في النجف وكربلاء.

لكنّ هذه الظاهرة لم تقتصر فقط على العامة في الشارع والمناسبات المختلفة، بل تفشَّت أيضًا في المناسبات الخاصة، وبين من يفترض أن يكون نخبويًا من المثقَّفين العراقيين. المكتبة الأدبيَّة المختصة في مدينة النجف أعلنت عن مسابقة لمدح مليشيات الحشد الشعبي والجيش، لا شيء يميِّز هذه المسابقة سوى قيمتها المالية التي وصلت إلى ٢٠٠ مليون دينار عراقي؛ لكون السواد الأعظم من المثقفين العراقيين يتغنُّون بالمليشيات ويضفون عليها صفة القداسة.

الفائز بالمرتبة الأولى هو شاعر اسمه ياس السعيدي بقصيدة حملت عنوان «حرز البارود»، لا تختلف القصيدة في موضوعها ومضمونها عن بقيَّة القصائد الفائزة بالمراتب التسع الأدنى، وقد اشتملت القصيدة على تعريضٍ مُباشر بزوجة الصحابي أبي سفيان، وأم الصحابيّ معاوية، هند بنت عتبة. وقد وصف الشاعر من يعتقد أنهم أعداء لمليشيات الحشد بـ«أبناء آكلة الأكباد».

ومن مفارقات المسابقة تشديد رئيس اتحاد أدباء الأنبار ناجي إبراهيم – الفائز بالمرتبة السادسة بالمسابقة – تشديده أنه ليس فقط من محافظة الأنبار، بل هو تحديدًا من مدينة الفلوجة، وكأنّه يريد القول إن أهل الفلوجة أيضًا – من خلال شعرائهم – يمدحون المليشيات.

لا شيء يستحقّ التوبيخ أكثر من الطِّباع الذهنية للمثقف التي تغري بتجنُّب المخاطر، أي الابتعاد عن موقف صعب ومبدئي تُدرك أنه الصحيح، لكنك تقرر أن لا تتخذه.. وتأمل أن تحصل يومًا ما على شهادة فخريّة أو غنيمة كبرى. *إدوارد سعيد

هل يكرهون الفلوجة وأهلها؟!

التحريض على القتل والخراب سمة بارزة في أدب المليشيات، فلا تكاد تخلو مناسبة لمؤازرة ودعم المجاميع المسلحة – الخارجة عن سيطرة الدولة – من دعوات ومباركة للهدم بحجة قتال تنظيم داعش، فمثلًا:

خلال العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الفلوجة دعا شاعر اسمه علي وجيه إلى هدم مساجد الفلوجة وتحويلها لـبارات ونوادٍ ليلية.. فهذا الشاعر يعتقد أن هدم مساجد المدينة هو الحل؛ لكي لا يفكر أهل الفلوجة بالذبح على حد قوله.

وبالفعل عندما دخلت الميليشيا إلى الفلوجة، هدمتعددًا من المساجد، وأحرقت عددًا آخر، فضلًا عن سرقة وإحراق مئات المنازل والمحال التجارية.


علي وجيه ابنُ شاعرٍ أيضًا يدعى عبَّاس وجيه، والأب الشاعر عمل مقدمًا لبرنامج «كلام وجيه» على قناة العهد التابعة لمليشيا عصائب أهل الحق التي يتزعمها قيس الخزعلي، وقد أوقفت وزارة الإعلام العراقية البرنامج؛ لأن عباس وجيه سب الخليفة عثمان بن عفان في إحدى حلقاته.

https://www.youtube.com/watch?v=EKxC2WK8ZJc&feature=youtu.be

هذا الشاعر لم يكن الوحيد الذي لمَزَ الفلوجة وأهلها؛ فبعد أن عاد – من استطاع – من أهل المدينة إليها حدث تفجيرٌ مزدوج في قلب المدينة؛ قتل فيه عدد من الأشخاص، هذا الحادث استثمره شاعر من مدينة البصرة اسمه مسار رياض؛ ليكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الفلوجة.. رجعت نديمة لعادتها القديمة»، فهو يعتقد أن تاريخ الفلوجة القريب ليس نظيفًا بحسب وصفه، وأكثر من ذلك زعمه أن «كل حركات التطرف الإسلامي بشقِّه السني ولدت في الفلوجة».


ليس الشعراء الذكور وحدهم من خدشوا ذاكرة البلاد وثقافته بأدب المليشيات، فالشَّاعرات من النساء فعلنَ ذلك أيضًا ومنهنّ الشاعرة أفياء الأسدي التي كتبت حين مرت الذكرى الأولى على قتل داعش لجندي عراقي في مدينة الفلوجة «لن تعيش مدينة قتلتك»، قد نعتبر أنّ هذا القول مجازيّ، ولكن هناك تفاصيل أخرى.


 المنشور في الصورة أعلاه حُذف من موقع فيسبوك لانتهاكه معايير المجتمع، لكنَّ الشاعرة أصرَّتْ على إعادة نشره ولو بطريقة screenshot!. أفياء الأسدي اختيرت ضمن قائمة العشرين شاعرًا في منافسات أمير الشعراء لموسم ٢٠١٧.

يكرهون بعث العراق.. ويحبون بعث سوريا

قبل الثورة السورية عام 2011 كانت الحكومة العراقية لا تكلّ من كيل الاتهامات للنظام السوري بتصدير الانتحاريين والمقاتلين إلى العراق، وكان التلفزيون الحكومي العراقي لا يتحرَّج أبدًا من بثّ أي رأي يهاجم سوريا حكومةً وشعبًا،فبشّار الأسد كان يُصّور آنذاك بأنّه يزيد، وأبوه معاوية والشعب السوري كله هم آل يزيد!

لكن سرعان ما انقلبت الأمور بشكلٍ يدعو للتساؤل والاستغراب، فما أن انطلقت شرارة الثورة؛ حتى بدأ العراق حكومةً ومثقفين بالترويج لفكرة أنّ النظام السوري – العلوي – يدافع عن المقدسات الشيعية وانكساره يعني زوال تلك المراقد، ومن هنا جاءت فكرة وجوب دعمه وإرسال مليشيات تُقاتلُ في صفِّه.

خلال زيارتها بغداد، اصطحب عددٌ من شعراء العراق وبينهم شاعر يدعى حسين القاصد الشاعرة السورية المؤيدة للنظام انتصار سليمان إلى شارع المتنبي المخصَّص لبيع الكتب، كانت علامات الفرح والارتياح باديةً على وجوه الجميع في الصور التي التقطت لهم مع الشاعرة التي لوحت بعلم النظام السوري وصورة بشار الأسد.

انتصار سليمان في شارع المتنبي مع حسين القاصد

الشاعر حسين القاصد الذي يظهر مع انتصار سليمان في شارع المتنبي حوّل صفحته الخاصة في فيسبوك إلى منصة لنشر أخبار مليشيات الحشد الشعبي والترويج لفكرِها، بالتأكيد فإن الشاعر حرٌّ بما يعتقد وله أن يكتب ما يشاء في المكان المخصَّص له، لكنّ هذا الأمر يحيلنا إلى تساؤلٍ أثاره الشاعر العراقي فوزي كريم عن الكيفية التي يبرع فيها شاعر ما في قصائده وهو ينطوي على عدائية وقسوة وينتظم بمؤسسة عدوانية.

صورة للشاعر حسين القاصد مع نائب رئيس ميليشيا الحشد الشعبي (أبو مهدي المهندس) في مدينة بيجي.

مسابقات وجوائز للشعر المليشياوي

أمَّا الشعر الشعبي في العراق، فقد أخذ حيزًا كبيرًا في الدفاع والاندفاع مع المليشيات ويظهر هذا في الكم الكبير للمهرجانات التي أقيمت لدعم مليشيا الحشد ومن خلال المسابقات الشعرية لها.

برنامج منبر الحشد أطلقته قناة «العهد ٢» التابعة لمليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، اللافت في البرنامج أن لجنة التحكيم والمتسابقين كلهم يرتدون الزيّ العسكري ذاته الذي يرتديه مسلحو المليشيات. ولعل أمرًا آخر يلفت الانتباه في اللجنة؛ إذ كل ملامحها شيعية، سوى الشاعر حمزة الحلفي الذي يتبنى الفكر الشيوعي.

برنامج آخر بعنوان «شعراء سيّد الشُهداء» أطلقته مليشيا كتائب سيد الشهداء على قناتها «الموقف»، لا يختلف كثيرًا عن برنامج منبر الحشد من حيث أسماء المشاركين، وحتى لجنة التحكيم التي كان أحد أعضائها في البرنامجين هو الشاعر سمير صبيح الذي – قبل الثورة السورية- شتم بشار الأسد وحزب البعث بقصيدة بذيئة، لكنه اليوم يمتد لسانًا مدافعًا ومؤيدًا لمليشيا تقاتل إلى جانب النظام السوري وتتمركز في دمشق، وتُتَّهم بارتكاب مجازر بحق المدنيين السوريين.

شاعر يريد مدينة الرمادي شيعية.. وآخر يفاخر بولائه لإيران!

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ظهرت بشكلٍ جليّ إشكالية الانتماء في المجتمع العراقي وتشظِّي الشعب بشكلٍ قد يكون من الصعب انشعابه على الأقل في مثل هذه الظروف المجنونة.

هذه الإشكالية أفرزت ظاهرة مثيرة للاهتمام، وهي تعدد الولاءات عند الفرد العراقي الواحد، فهو يدين بالولاء للعشيرة وأيضًا للمذهب والمنطقة الجغرافية على حساب الانتماء للوطن الواحد.

خلال معركة الرمادي أقيم مهرجان في جنوب العراق لدعم مليشيا الحشد الشعبي التي شاركت في المعركة، الشاعر محمد الأعاجيبي كان مثالًا صارخًا على إشكالية الانتماء وتعدد الولاءات حين أبدى رغبة جامحة بتحويل مدينة الرمادي السنيَّة إلى مدينة شيعية.. ولم يكن وحده المثال الصارخ؛ فحرارة التصفيق التي حظي بها من الجمهور تشي باتساع الظاهرة على نطاقٍ واسع.

https://www.youtube.com/watch?v=UQUMVeLX1ms

الشاعر عدنان البركي نموذج أكثر تطورًا لإشكاليَّة الانتماء في المجتمع العراقي، فهو يصف نفسه بـ«سرسري الشيعة»، الشيعة الذين سكتوا ألفًا وأربعمائة عام كما يزعم، ويجاهر بالولاء لإيران ويفتخر بما فعله قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بمدينة تكريت، ويسب الخليفة عمر ويتطاول على قبيلة كبيرة في محافظة صلاح الدين – قبيلة البوعجيل – ويتهم نساءها بأعراضهنّ!

عرض التعليقات
تحميل المزيد