في المدرسة، يتصرف ليو بطريقة مثالية، لا يوجد أبدًا شكاوى من مدرسيه. لكنه ما إن يصل إلى البيت، حتى يترك الحقيبة ملقاة على الأرض في فوضى وتبدأ طلباته فيستحوذ على كل اهتمام والدته لاورا التي تركت عملها لتعتني به، ولتمنحه كل الحنان، لكنها تندم الآن أحيانًا: “تحولت إلى أمة له، إنه لا يطلب، بل يطالب، ولو لم أعطه ما يريد، يصرخ ويرتمي على الأرض كالصغار. وصل لدرجة أنه يركلني!”، تشعر لاورا بالعجز وتقول إنها فقدت السيطرة.

ما حدث مع ابن لاورا يحدث مع بعض الأطفال، يفرضون بطريقة منتظمة إرادتهم أو تصيبهم نوبات غضب في الأماكن العامة وربما يصل الأمر للعنف (مع الأم في أغلب الحالات)، ويرضخ لهم آباؤهم وتدريجيًّا يجد الآباء أنفسهم في شباك الابتزاز العاطفي، ويصبح السؤال: من يحكم في النهاية أنت أم طفلك؟

لو تكرر إرضاؤك لرغباته بهذه الطريقة في مواقف كثيرة فربما تكونين قد وقعت بين يدي “إمبراطور صغير”، أو “طفل مستبد” أصابته “متلازمة الإمبراطور”، وهو تعبير لم يعد مستغربًا، ولا يوجد معيار معين للطفل الذي تصيبه هذه المتلازمة، أحيانًا يكون الأخ الأصغر؛ وأحيانًا أخرى يكون الأكبر، أو الابن الوحيد أو المُتبنى، وأحيانًا يكون ابنًا لأبوين كبيرين في السن، أو يعيش مع أحد والديه فقط، والأكيد أنه يحدث أكثر بين الأطفال الأكبر سنًّا وبين الأولاد أكثر من البنات، وإن كانت البنات قد بدأن في اقتحام هذه الساحة.

وتتراوح أعمار من يعانون من هذه المتلازمة بين 11 و17 عامًا، لكنه ينتشر شيئًا فشيئًا بين الأطفال الأصغر سنًّا حتى إنه وصل للأعمار ما بين 3 و 4 سنوات.

والسمات التالية تحدد ما يتميز به الأطفال الذين تصيبهم هذه المتلازمة ووجود بعضها عند طفلك ربما يدق ناقوس الخطر:

لديهم شعور بشكل مبالغ فيه بما يروق لهم وينتظرون ممن حولهم تحقيقه لهم، وليس لديهم قدرة كافية على تقديم حلول للمشكلات ومواجهة التجارب السلبية، ويندر أن يشعروا باللوم أو التأنيب على سلوكهم.

يطالبون بالاهتمام ليس فقط من والديهم، ولكن من كل المحيطين. وحين يحصلون عليه يطلبون المزيد، ولا يتسامحون مع المضايقات التي يتعرضون لها خاصة التي تتعلق برفض طلباتهم، فهم يطلبون بضراوة ما يريدون. وحين ينجح الأمر يبدون عدم الرضا، ويعودون لطلب المزيد، وفي أحيان كثيرة يدخلون في شجار قاس مع آبائهم يهينونهم ويحرجونهم أمام الآخرين مطالبين في غضب بتحقيق رغباتهم والانتباه لهم، فهم يطلبون تحقيقًا فوريًّا لطلباتهم، وليسوا مرنين بشأن ذلك، وغالبًا لو كان طفلك هكذا فإن هذا يعني أنه اعتاد على أن يحرص كل من في المنزل على سعادته ويجيب له رغباته قبل أن يغضب أو يبكي.

لا يعرفون انتظار دورهم، لا يعون معنى الدور أساسًا، فهم دائمًا في المقدمة، ولا يحتملون أي تغيير إزاء هذا، ببساطة هم لا يسمحون لأي أحد أن يقترب منهم، ويدافعون عن أسبقيتهم مهما كلفهم هذا، فهم لا يعرفون الحدود وبالتالي لا يعاملون الآخرين باحترام. وليس لديهم الوعي للتمييز بين المقبول والمرفوض، وفي حالات قصوى لو لم تصحح هذا النوع من السلوكيات يمكن أن ينتج عنها مستقبلًا سلوكيات أكثر عدوانية.

الطفل المستبد يكون غالبًا قد مر بفترة كان هو وحده محور اهتمام كل من بالبيت، وبهذا يعتقد أنه هو مركز الكون فكل حدث يقع يكون له هو، ومن الصعب أن يفكر في الآخرين وقد علم أنه محور الأسرة وأن كل الخطط والجهود والتطلعات تدور حول إرضائه هو، لذلك هو غير متسامح وليس لديه صبر على الآخرين، وليس لديه القدرة على تخيل شعور الآخرين أو التعاطف معهم، فهو لا يستطيع ولا يريد رؤية الطريقة التي تؤثر بها سلوكياته على الآخرين.

اللحظات المثالية بالنسبة لهم حين يدور الجميع في فلك تحقيق رغباتهم وعندها يكونون سعداء، لكنهم بشكل عام أشخاص ساخطون وغير سعداء.

ورغم أن بعضهم تقتصر سلوكياته هذه مع الأبوين، فإن أغلب الحالات التي تتصرف بنفس الطريقة في المدرسة تعاني من العزلة لأنهم لا يدركون تأثير أفعالهم على الآخرين.

ما هو سبب حدوث هذا السيناريو المزعج؟

بشكل عام يُلقى باللوم في المقام الأول على الوالدين في وجود مثل هذه السلوكيات لكونهما متساهلين أو حازمين بشكل مبالغ فيه مع أبنائهما، لكن الخبراء يؤكدون أن الأبوين ليسا السبب الوحيد. هما جزء من المشكلة بالطبع لكن هناك عوامل أخرى كثيرة في المجتمع تؤثر أيضًا، لأن أطفال اليوم يعيشون في مجتمع استهلاكي فردي. إلى جانب أن هناك ميولًا وراثية للشخصية تفسر لماذا تؤثر تلك الصفات على أشخاص بعينهم من داخل أسرة واحدة أو في ظل ظروف معينة، وضمن هذه العوامل:

قصور تربوي: غياب المبادئ في الأسرة أو عدم الالتزام بها، والتربية بالغة التساهل، وعدم تصحيح الأخطاء والسلوكيات غير الملائمة من جانب الوالدين، كلها عوامل تساعد في تنمية متلازمة الإمبراطور لدى الأبناء.

الخوف من ردود أفعال الأطفال: حين يكون الأطفال صغارًا ففي بعض المناسبات يدعهم آباؤهم ينفذون رغباتهم خوفًا من ردود أفعالهم، وإزاء رغبتهم في تجنب نوبة غضب أو مشاجرة أمام محاولة التهذيب يصبح الأطفال هم أصحاب السيطرة على الموقف.

نقص المعيار الأخلاقي: يحدث للأطفال الذين لا تُناقش أفعالهم هل هي صحيحة أم خاطئة، وليس لديهم مشاركة وجدانية، فهم أنانيون ولا يهمهم ما يشعر به آباؤهم ولا يشعرون بالتعاطف مع الآخرين، يبحثون فقط عن مصلحتهم وإشباع رغباتهم فورًا، هؤلاء الأطفال تلقوا تربية خالية من المعايير الأخلاقية، ولهذا فمن الصعب أن يتولد لديهم الشعور بالذنب. ومع ذلك لا نستطيع أن ننسى أن الأخلاق تكتسب لكن جزءًا كبيرًا منها شيء فطري.

شعور الآباء بالذنب: بسبب عملها لساعات طويلة خارج المنزل، أحيانًا تطلب الأم العاملة، المعذرة من طفلها أو تقتني له أشياءً إضافية كمحاولة لتبرير الأمر لنفسها.

التقدير الزائد للماديات: الأطفال لا يعرفون معنى السعادة ونحن من نُفهمهم أحيانًا وبشكل خاطئ أنها تتحقق بالكثير من الأمور المادية والهدايا.

كيف يمكن التعامل مع الأمر:

للخروج من تلك الدائرة وإعادة التوازن للأسرة ومساعدة الأطفال في البحث عن السعادة الحقيقية يجب الانتباه لبعض الأمور:

ضرورة أن يتفق الأبوان على طريقة معاملة الطفل، فالتناقض يجعل الطفل في البداية مشوشًا ولا يعرف ما عليه القيام به، أن يتبع توجيهات الأم أم الأب، وتدريجيًّا يبدأ في تنفيذ التوجيهات التي يفضلها هو، متجاهلًا الأخرى.

الأبناء يحتاجون لإرشاد سلوكياتهم وتهذيب أفعالهم. ويحتاجون لبعض الإرشادات لتمييز الصحيح والخطأ في أفعالهم. ويبدأ هذا بالتفاصيل الصغيرة كالتمرد على ساعة النوم أو العودة إلى المنزل أو ترتيب الغرفة، ليصل الأمر إلى غيرها من الأمور الأهم.

الطفل لا يتعلم في يوم وليلة، وإذا ما قام بسلوك خاطئ في موقف معين وكان رد فعلنا هو الغضب ثم قام به في موقف آخر فتركناه دون تعليق فإننا لن نحقق شيئًا. علينا أن نتصرف بنفس الطريقة إزاء السلوك الذي نريد تغييره إلى أن يفهم الطفل أنه غير مقبول.

يجب وضع حدود للأبناء وأن نتعلم أن نقول لهم ” لا”.

الأم العاملة مثال جيد لأبنائها، ولو أنكِ حققتِ قبولًا بموقفك وشعورًا بالفخر بما تقومين بعمله يمكنكِ أن تديري علاقتك بأطفالك بطريقة سليمة أكثر، فتكون لديك توقعات أعلى بشأن سلوكياتهم وإلزامهم ببعض المسؤوليات.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد