تواجه البلاد اختيارًا بين العزلة المريحة والانفتاح المنعش.. اذهبوا للانفتاح.

حين يُطرَح سؤال: أي دولة أوروبية مستقبلها أكثر اضطرابًا؟ يختار كثيرون اليونان أو إيطاليا؛ فكلتيهما تعاني انهيارًا اقتصاديًّا، وقد يشير  قليلون إلى فرنسا؛ التي لم تتأقلم بعد مع فشل نموذجها الدولتي، لكن لا يكاد أحد يختار بريطانيا، التي تخبطت خلال الأزمة بكفاءة متوسطة.

حتى الآن، مكانة بريطانيا في العالم أقل ثقة مما كانت عليه لعقود.  في مايو 2014 من المرجح أن يرسل الناخبون إلى البرلمان الأوروبي شيوخ حزب استقلال المملكة المتحدة، الذي يمقت بروكسل. ثم في سبتمبر، ستصوت أسكتلندا على الاستقلال، وفي عام 2015 سوف تكون هناك انتخابات عامة، وبحلول نهاية عام 2017- ربما قبل ذلك- من المقرر أن يكون هناك استفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

قد تخرج بريطانيا من كل ذلك أصغر حجمًا، وأكثر  تطلعًا إلى الداخل، وأقل نفوذًا في العالم (وربما بسياسة متكسرة). أو ربما تصبح أكثر كفاءة، وثقة في هويتها ومكانتها في أوروبا، وأكثر تطلعًا إلى الخارج. إنهما سيناريوهَيْ إنجلترا الصغرى وبريطانيا العظمى.

الأمة المنكمشة المذهلة

في نواح كثيرة، لدى بريطانيا الآن الكثير  من المهام؛ ففي حين يعاني اقتصاد منطقة اليورو من الركود، تخرج بريطانيا بقوة من وهدتها، واستخدمت الحكومة الأزمة لتقليم الدولة، وها هم الأوروبيون القاريون عائدون إلى وجهة النظر البريطانية العتيدة أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون أصغر حجمًا، وأقل بيروقراطية، وأخف تجاريًّا. هناك أيضا حديث حول تعميق السوق الموحدة في الخدمات، وهي النعمة الكبيرة لبريطانيا.

لا تزال لندن تستغل المواهب ورؤوس الأموال والأعمال. تجذب بريطانيا، لكل شخص، قرابة ضعفي الاستثمار الأجنبي المباشر لمتوسط الدول الغنية. هذا بسبب تاريخ البلاد مع الانفتاح على الغرباء؛ وهو التقليد الذي نجا غالبًا من الأزمة الاقتصادية،  ورغم أن البريطانيين معادون للهجرة، فإنهم متفوقون في تحويل الوافدين الجدد إلى أعضاء منتجين ومندمجين في المجتمع. بريطانيا واحدة من دولتين فقط في الاتحاد الأوروبي يخرج فيهما المهاجرون من المدارس بأعداد أقل من المواطنين (أحياؤها الأكثر إزعاجًا هي: البيض والبريطانيون والفقراء).

لكن ذلك كله يمكن أن يتراجع في السنوات القليلة المقبلة. فالطريق الأقصر لذبول بريطانيا يمر عبر تصويت أسكتلندا على ترك المملكة المتحدة في سبتمبر المقبل، وهي ضربة ستجعل المملكة أصغر بواقع الثلث، ويخفض نفوذها في العالم إلى حد كبير . ذلك أن البلد التي لا تستطيع الحفاظ على وحدتها، نادرًا ما تكون في موقف يسمح لها بإسداء نصائح للآخرين حول كيفية إدارة شئونهم.

وعد رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، العام الفائت بالاستفتاء في الاتحاد الأوروبي؛ في محاولة يائسة لإسكات المنادين بإنجلترا الصغرى من حزب المحافظين الكندي، ودرء حزب استقلال بريطانيا UKIP. وقد يتبنى زعيم حزب العمل، إد ميليباند، ذات التوجه.

إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي، سوف تفقد قوتها لتشكيل الكتلة التي تأخذ نصف صادراتها، ولأن بريطانيا كانت في الماضي تستخدم هذه القوة في الخير، لدفع الاتحاد الأوروبي باتجاه التجارة الحرة المفتوحة الموسعة، فإن خسارتها ستكون خسارة لأوروبا أيضًا، إضافة إلى هذه المجزرة، يمكن للاستفتاء أن يفتت حزب المحافظين؛ خاصة إذا فشل السيد كاميرون في إعادة انتخابه عام 2015.

أيضًا يمكن أن تصبح بريطانيا أكثر تقوقعًا وانعزالاً، ببساطة عن طريق الإصرار على بعض السياسات غير الحكيمة؛ فإصرار الحكومة على تضييق الخناق على المهاجرين والزوار يضر بالاقتصاد، كذلك يتجه الطلاب، خاصة الهنود، إلى بلدان أكثر ترحابًا (وإشراقًا). وتجد الشركات صعوبة كبيرة للغاية في جلب- حتى- العمال المهرة؛ ما يعرقل قدرة البلد على التصدير، وقدَّم السيد كاميرون بعض التنازلات: أصبح الحصول الآن على تأشيرة بريطانية في الصين أسهل، وتراجع عن دعمه لخطة مجنونة تطالب الزوار  من ست أسواق ناشئة بسندات كبيرة؛ خشية أن يهربوا. لكن موقف بريطانيا من الهجرة برمته خاطئ؛ لأنه ينصب حواجز افتراضية، ويخفضها فقط عندما تصبح العواقب الوخيمة واضحة.

لا تقسم أوروبا ولا أسكتلندا بل الحزب- خيار لطيف، يا “ديف”!

انكماش بريطانيا ليس محتومًا؛ فوفقًا للسيناريو الأكثر تفاؤلاً، يمكن لبريطانيا أن تبقى قطعة واحدة مع أوروبا، حيث تكافح من أجل التنافسية وضد البيروقراطية غير الضرورية. فالضغط البريطاني يحدث تدريجيا شقوقًا في أسواق الخدمات المفتوحة، في الاتحاد الأوروبي وأماكن أخرى، ما يخلق طفرة للمحامين والمحاسبين في البلاد. أصبحت بريطانيا أكثر تسامحًا مع الهجرة، وإن لم يكن حبًا، حتى إنها توقفت عن تقريع أكبر صناعاتها المصدرة: الخدمات المالية.

الفارق بين سيناريوهيْ إنجلترا الصغرى وبريطانيا العظمى هو القيادة،  ينبغي على السيد كاميرون أن يبدأ بتغيير أكثر الأشياء التي يتحكم فيها؛ سياسة الهجرة. ومن شأن نظام أكثر ليبرالية تعزيز التجارة، والمساعدة في موازنة دفاتر البلاد وتقليص الدولة، بالقياس إلى حجم الاقتصاد.  فالمهاجرون – خصوصًا من أوروبا الشرقية – ينتجون أكثر بكثير مما يستهلكون من الموارد العامة،  كلا السيدين كاميرون وميليباند يعرفان ذلك، لكنهما مهددان بتدفق واسع النطاق.

أوروبا مسألة أخرى؛ حيث يجب أن يحاولوا توجيه الرأي العام،  لا اتباعه بجبن. سياسة السيد ميليباند غير معروفة، فيما يتخبط السيد كاميرون بما ينذر بخطر، قائلاً تارة إن بريطانيا تلتزم بإصلاح الاتحاد الأوروبي لمصلحة الجميع، ومهددًا تارة أخرى بالانسحاب إذا لم يتم الوفاء بمطالب غير محددة. إن الدورة الأولى هي المخضرمة؛ وكليهما أقل احتمالاً أن يقودا بريطانيا إلى خروج كارثي، وأكثر احتمالاً أن ينجحا في جعل الاتحاد أكثر ليبرالية.

فيما يتعلق بأسكتلندا، فإن السيدان كاميرون وميليباند في جانب بريطانيا العظمى. لكنه قرار الأسكتلنديين. ورغم أن الدولة الكاليدونية قد تدفع، أقل أو أكثر، لتبدأ ذلك- على افتراض أنها كانت قادرة على أن تُبقي معظم حقول النفط والغاز في بحر الشمال- فإن الموارد تجف.

ومن شأن أسكتلندا المستقلة أن تكون صغيرة جدًّا على امتصاص الصدمات، سواء فيما يتعلق بأسعار النفط أو بمصارفها. ولا يمكن للانفصاليين أن يقولوا كيف للبلد أن تدير شئونها مع الحفاظ على الجنيه. فمن أجل مصالحهم، يجدر بالناخبين الأسكتلنديين رفض ثعبانهم النفطي السياسي.

ذات يومٍ أدارت بريطانيا العالم. لكن منذ انهيار إمبراطوريتها، أُريد لها أحيانًا أن تتقوقع وتختبئ. لكن لا يمكنها الآن فعل أي من هذين الأمرين؛ فمستقبلها الألمع كأمة منفتحة ليبرالية متاجِرة يرتبط بالعالم. السياسيون يعرفون ذلك، ويقولون أحيانا: الآن يجب عليهم أن يكافحوا من أجلها، أيضًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد