توصف بـ«سلة غذاء العالم»، وهي بلد 100 مليون رأس ماشية. السودان الذي يحتل المرتبة الأولى في دول الجوار الأفريقي والعربي، ينعم بأعداد ونوعية مميزة من الماشية، شكلت ثروة حيوانية ضخمة.

لكن هذه الثروة أصبحت مهددة بالتراجع الكبير، في ظل استمرار الإهمال والتهميش الحكومي في برامج التنمية والبرامج الإحصائية، وفي ظل استمرار عمليات التصدير بشكل مخالف إلى السعودية ومصر، أيضًا ساهم انفصال الجنوب، وأزمة إقليم دارفور بتراجع الثروة الحيوانية السودانية.

ارتفاع أسعار الأضاحي

يجول فتحي (45 عامًا) في إحدى أسواق الماشية في الخرطوم، يأمل أن يحصل في اليوم الأخير قبيل العيد على أضحية مناسبة كما اعتاد في كل عام، هذا الرجل متوسط الدخل يقول ‘نه بالكاد يستطيع شراء أضحيته جراء ارتفاع أسعار الماشية غير المعتاد، في ظل تزايد الأعباء المعيشية عليه.

فهذا العام صعب على فتحي، الذي اعتاد كغيره من السودانيين أن يشتري الأضحية بثمن رخيص، دون النظر حتى إلى وزنها كما يحدث في الدول الأخرى، ويتعجب أيضًا من مشاريع التقسيط والتمويل لهذه الأضحية التي بدأت تنتشر في المجتمع السوداني، والتي كان آخرها قيام بنك «أم درمان الوطني» بعملية التمويل لخراف الأضاحي، كي يتمكن 50 ألف عمال في الوزارات والمؤسسات السودانية من شراء الأضحية.

وكان سعر الخروف الواحد لا يتجاوز 700 جنيه سوداني (109 دولارات)، ليباع اليوم في العاصمة الخرطوم بنحو 2000 جنيه (311.6 دولارًا) كأدنى سعر، ويعود ارتفاع أسعار الأضاحي في السودان، إلى عدة أسباب منها دخول السماسرة كوسطاء بين المنتجين والتجار، وفرض بعض الولايات الرسوم على كل رأس ماشية تخرج منها إلى مناطق أخرى في السودان، كما ألقت زيادة تكاليف النقل والرعاية وندرة الأعلاف المغذية للضأن للماشية بظلالها على هذه الأسعار، و يضاف إلى ذلك غزارة الأمطار التي تسببت في غرق مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة لإنتاج الأعلاف، خلال موسم الشتاء الماضي، كما يقول تجار الماشية السودانيون.

أثر الانفصال عن الجنوب وأزمة دارفور

فقدت السودان 25% من مساحتها إثّر انفصال الجنوب عنها في عام 2011، فهذا الانفصال تبعه تقسيم للثروات الطبيعية والمائية، وفقدان لجزء من المرعى الصيفي؛ مما انعكس على آلية توفير ما يلزم للمراعي التي يقوم عليها القطيع القومي، وضاعف من هذا الأثر افتقار الحكومة السودانية لمنظومة تخطيط للإمكانات الإدارية والتسويقية.

ويظهر تقرير صدر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2013، أن «الوطن العربي فقد أكثر من 41 مليون رأس من الماشية جراء انفصال جنوب السودان عن السودان، ويقدر العدد الإجمالي للماشية في الوطن العربي في العام الماضي بنحو 341.3 مليون رأس.« وأضاف التقرير: «انخفضت أعداد الثروة الحيوانية في المنطقة العربية عقب انفصال جنوب السودان، فالعدد الأكبر من الأغنام والماعز والأبقار يأتي من السودان، فيما الإبل تتركز في الصومال والسودان، والجاموس في مصر والعراق».

وأثرت أزمة إقليم دارفور على حرفة الرعي التي تعد من أهم الحرف التي يقوم بها أهالي الإقليم، ويعتبرونها مصدر دخلهم، فولايات الإقليم كانت تنتج ثروة حيوانية مميزة بالجودة عن باقي أنحاء السودان، والإقليم وحده يمتلك نحو 23% من الإبل السودانية، و30% من قطعان الأبقار، و29% من الضأن، و33% من الماعز، وحسب المصادر السودانية فإن الإقليم قبل اشتعال الأزمة كان يساهم في الناتج القومي من الثروة الحيوانية بحوالي 60% من إجمالي إنتاج السودان من الثروة الحيوانية.

تسببت الأزمة في نزوح معظم سكان الإقليم، لتترك المراعي بدون رعاة، كما حدث افتقار شبه كامل للقطاع الزراعي، وأصبحت المراعي في الإقليم تعاني من التهميش والإهمال؛ مما أدي إلى ضعف في الناتج القومي، لذلك يشدد الاقتصاديون السودانيون على أهمية إحداث إصلاحات اقتصادية، ومكافحة الفقر والبطالة الناجمة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية تلك.

تصدير إناث الماشية يخفض نسبة التكاثر

تُصدر السودان في هذا الموسم أكثر من 20 ألف رأس من الماشية يوميًّا إلى السعودية عبر البحر، ومن المفروض أن تتم عملية التصدير سواء للسعودية أو لغيرها وفق حزمة من الضوابط التي تأتي بهدف حماية قطاع الثروة الحيوانية في البلاد.

من هذه الضوابط منع تصدير الأغنام الصغيرة التي يقل وزنها عن 30 كيلوجرامًا، ومنع تصدير إناث الماشية، لكن ما يحدث في الواقع هو زيادة تصدير الإناث في السنوات الأخيرة، بسبب عدم وضع سياسات وقوانين تضبط عمليات التصدير، ففي ظل غياب أجهزة الرقابية الحكومية تتم عمليات التصدير والشحن على أن إناث هذه الماشية هي «خراف» ذبيح، تُصدر في الليل، وبالتحايل خلال عملية التصدير سواء برًّا أو بحرًا، فهذه الإناث التي تذبح وبداخلها «أجنة» يشكل تصديرها خطرًا على الثروة الحيوانية، لأن ذلك يعني انخفاضًا كبيرًا في نسبة التكاثر وسط الضأن، واستنزافًا للثروة الحيوانية في السودان.

وتعود هذه الزيادة غير القانونية إلى ارتفاع أسعار الإناث في الأسواق الخارجية، خاصة ًمصر والسعودية، وتفضيلها على الذكور بسبب الحاجة لتهجينها وتوليدها لتحسين النسل. ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد إبراهيم كبج أن: «عددًا كبيرًا من هذه الإناث يصدر صغيرًا في العمر ويتم تهريبها وعدم تسجيلها، وأن هذه الإخفاقات يكون مردودها عدم توفر الأعلاف الكافية بالنسبة لها، ما يزيد من إشكاليات التنفيذ، ويهدد هذه الفئات بالانقراض»، ويوضح أن «مثل هذه الممارسات تؤدي إلى انهيار الاقتصاد؛ لأنها ترجع لقرارات غير مدروسة، وتؤثر في ناتج البلاد من الإنتاج، خصوصًا أن جيناتها تعتبر من الدرجة الأولى التي تفتقدها الكثير من الدول، وهذا سيؤثر حتمًا على الكمية في المستقبل القريب».

صورة لإناث الماشية المصدرة عبر باخرة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

يذكر أن السودان يصدر سنويًّا «حيوانات حية من الماشية بقيمة تزيد على 349 مليون دولار، تشمل 162 ألف رأس من الإبل بقيمة تزيد على 75.5 مليون دولار، و17 ألف رأس من الأبقار بقيمة تبلغ 7.2 مليون دولار، إلى جانب2.7

مليون رأس من الضأن بقيمة 261 مليون دولار، ومن الماعز نحو 76.4 ألف رأس بقيمة 4.6 مليون دولار».

إهمال الحكومة السودانية يمنع تحقيق أهداف برامج التنمية

بينما تخطط الحكومة السودانية لتصدير نحو 6.3 مليون رأس من الماشية مع نهاية العام الحالي، لا يُنفى معاناة قطاع الثروة الحيوانية من الإهمال والتهميش الحكومي على مر السنوات الماضية.

فالسودان الذي يحصد مليار دولار سنويًّا من الثروة الحيوانية ما زال يعتمد على إحصاء قديم مر عليه أربعين عامًا (كان خلال عام 1977)، ولذلك يعزى عدم تحقيق برامج التنمية لأهدافها المبينة على إستراتيجيات تعتمد على قواعد بيانات قديمة، إذ يُعتمد في السودان على البرنامج الخماسي الذي يهدف إلى تفعيل إجراءات الحجر الصحي، وإنتاج اللقاحات لمواكبة التطورات العالمية عبر الاسترشاد بالتقنيات الحديثة المستخدمة في محطات البحوث. لكن هذا البرنامج يواجه عقبات منها اعتماده على طرق إنتاج تقليدية، وعدم قدرة على حل مشاكل التغيرات المناخية، ويواجه مشاكل تتعلق بالتنقل الدائم إلى دول الجوار، الذي يجعل ماشية السودان عرضة لنقل وانتشار أمراض الحيوان العابرة للحدود.

كما أن الحكومة السودانية التي تنتهج سياسيات اقتصادية تقليدية، عجزت عن توفير الأعلاف والتغذية التكميلية التي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية، مما أدى إلى تدهور أوضاع المراعي الطبيعية.

ورغم تبني الحكومية السودانية لعدد من البرامج الخاصة بتنمية الثروة الحيوانية، إلا أن هذه الثروة ما تزال بحاجة إلى المزيد من الاهتمام للمحافظة عليها، كضرورة التصدي لما يصيبها من أمراض وبائية، وعلاج مشكلة نقص المراعي، وتحديث صناعة الأعلاف لزيادة الإيرادات والدخول في مجال تصنيع منتجات اللحوم، وتطوير صناعة الجلود.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد