في واحدة من أغرب العمليات المالية في التاريخ المعاصر، ما زالت دولاً كانت قد شاركت في الحرب العالمية الأولى عام 1914 واستدانت مبالغ مالية لتمويلها؛ تسدد ديون هذه الحرب حتى يومنا هذا.

فقد أعلنت وزارة المالية البريطانية مؤخرًا أنها ستدفع كافة الديون المستحقة عن حقبة الحرب العالمية الأولى، وأوضحت الوزارة أنها ستسدد في التاسع من مارس/ آذار المقبل قرضًا بقيمة 1.9 مليار جنيه إسترليني (ثلاثة مليارات دولار) وتناهز نسبة فائدته 3.5%، وهو من نوع السندات الدائمة غير المحددة بأجل استحقاق معين.

وبينما ستنتهي بريطانيا من سداد ديونها قريبًا، تمكنت كلا من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية من سداد ديونها للحرب في وقت سابق.

كيف نتجت هذه الديون في الحرب العالمية الأولى؟

في الحرب العالمية الأولى أغرقت أعداد ضخمة من سفن النقل التجاري، وخربت طرق المواصلات التي دارت حولها معارك الحرب، هذا الوضع جعل أوروبا تواجه مشكلة كبيرة في عملية استيراد حاجاتها من الخارج، بل إن عملية الاستيراد الضرورية واجهت أيضًا مشكلات مالية معقدة، وذلك كون الدول المشاركة في الحرب استنفذت معظم رصيدها من الذهب في سد حاجاتها العسكرية، مما دفع هذه الدول إلى إصدار أوراق نقد سببت هي الأخرى انخفاضًا في قيمة العملة. وقد أدت هذه الظروف الاقتصادية إلى أن تتجه الدول الأوروبية بصفة خاصة إلى اتباع سياسية (الاكتفاء الذاتي). وسياسة الاكتفاء الذاتي تؤدي إلى التقليل من حجم التجارة الدولية الأمر الذي أسهم في تعميق الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 1929.

بعد ذلك ازداد الناتج المحلي في جميع الدول، متجاوزًا 50% من الناتج المحلي في كل من ألمانيا وفرنسا إضافًة إلى قُرب بريطانيا من هذه النسبة. ولكي تدفع بريطانيا ثمن مشترياتها لأمريكا اضطرت للاستثمار في خطوط السكك الحديدية الأمريكية، ومن ثم بدأت تقترض الأموال بشكل كبير من وول ستريت، حيث سمحت الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة بإقراض الدول الحلفاء، وفي عام 1919 طالبت الولايات المتحدة بسداد القروض. كان السداد مُجزَّأ، وقد كانت الأموال التي قاموا بالتسديد منها هي من التعويضات الألمانية التي حصلوا عليها، وكانت هذه التعويضات التي حصلوا عليها من ألمانيا بدعم من القروض الأمريكية إلى ألمانيا. في عام 1931 انهار هذا النظام الدائري ولم تُسدد القروض. في عام 1934 أصبحت بريطانيا مدينة لأمريكا 4.4 مليون دولار، وهي ديون الحرب العالمية الأولى.

أما ألمانيا فقد نتجت ديوانها في هذه الحرب عن شرط عرف بـ”شرط ذنب الحرب” الذي وضع في معاهدة فرساي، ونص على أن ألمانيا تتحمل مسؤولة كل الخسائر والأضرار التي تعرضت لها دول الحلفاء وشركائها ومواطنيها بسبب أضرار الحرب التي تسببت بها، وصِيغ على هذا النحو على أساس قانوني لتعويضات الحرب العالمية الأولى، ومن أجل أن تدفع ألمانيا التكاليف الكبيرة للحرب العالمية الأولى قامت بتحويل عُملتها إلى معيار الذهب، إذا أن القيصر الألماني فيلهلم الثاني ومجلس برلمان الإمبراطورية الألمانية قاموا بتمويل الحرب بالكامل عن طريق الاقتراض.

كيف سددت ألمانيا والولايات المتحدة ديونها المستحقة للحرب العالمية الأولى؟

سددت كل من ألمانيا والولايات المتحدة ديونها المستحقة عن الحرب العالمية الأولى في وقت سابق، فيما يخص ألمانيا فقد سددت جميع ديونها يوم الثالث من أكتوبر عام 2010، وكان المجموع هذه الديون نحو 269 مليار مارك ألماني، أو حوالي 96 ألف طن من الذهب.

جزء كبير من هذه الديون تمثل في التعويضات المهينة، التي فرضتها معاهدة فرساي، بعد هزيمة ألمانيا في عام 1918. وكانت بريطانيا قد أرسلت الخبير الاقتصادي، جون ماينارد كينز، باعتباره الممثل الرئيس لوزارة الخزانة البريطانية، إلى مؤتمر باريس للسلام. ولكن كينز، استقال في يونيو/ حزيران عام 1919 احتجاجًا على حجم التعويضات، التي فرضت على ألمانيا خلال المؤتمر. وقال: “ألمانيا، لن تكون قادرة على صياغة السياسات الصحيحة، إذا لم تكن قادرة على تمويل نفسها”.

وقد كان ما قاله كينز حكيمًا جدًا، حيث استغل أدولف هتلر وحزبه النازي، الكراهية الشعبية لمعاهدة فرساي، من أجل الاستيلاء على السلطة فيما بعد. وفي أعقاب الكساد الكبير لعام 1929، تم خفض ديون ألمانيا إلى 112 مليار مارك، تدفع على مدى 59 عامًا.

أما الولايات المتحدة والتي لم يكن عليها ديون كبيرة، حيث شكلت نسبة الدين العام 2.7٪ فقط من الاقتصاد الأمريكي في عام 1916. فقد تم تمويل الزيادة في الديون المرتبطة بالحرب العالمية الأولى إلى حد كبير، عن طريق بيع سندات للجمهور الأمريكي. وفي أعقاب ذلك، ضربت الولايات المتحدة رقمًا قياسيًا جديدًا من حيث نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي، حيث وصلت هذه النسبة إلى حوالي 33٪، ووصل حجم الديون إلى أكثر من 25 مليار دولار.

ولم تدخل الولايات المتحدة الحرب؛ إلا في عام 1917، ولكنها صرفت الكثير من الأموال بعد ذلك. وفي عام 1924، اقترح نائب الرئيس الأمريكي، تشارلز دوز، أن تقوم الولايات المتحدة بإقراض المال إلى ألمانيا، من أجل دفع التعويضات لفرنسا والمملكة المتحدة، اللتين ستقومان بدورهما باستخدام هذه الأموال لسداد ديون حربهم.

وكان هذا الحل جيدًا إلى درجة أن دوز فاز بجائزة نوبل للسلام في العام التالي، ونجحت خطته، حيث انخفضت الديون الأمريكية بأكثر من 9 مليارات دولار بحلول عام 1930، وهو انخفاض بنسبة أكثر من الثلث.

لما بقيت بريطانيا الدولة الوحيدة التي لم تسدد ديونها حتى الآن؟

في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلنت المملكة المتحدة أنها سوف تسدد 218 مليون جنيه إسترليني، أو ما يعادل 349 مليون دولار أمريكي، من إجمالي ديون الحرب العالمية الأولى المترتبة على المملكة، والتي يبلغ حجمها 2 بليون جنيه إسترليني.

وبسبب عدم استعجال الحكومات البريطانية السابقة لتسديد الدين ذي الفائدة المنخفضة، بقيت بريطانيا حتى اليوم الدولة الوحيدة التي ما زالت تسدد الدين هذه الحرب، خاصة أنه ليس هناك فترة زمنية محددة يجب أن تسدد خلالها دين الحرب العالمية الأولى، فالقرض مفتوح زمنيًّا ما دام يتم دفع فائدته.

وهي بالفعل لم تدفع منذ عام 1917 سوى 1.26 بليون جنيه فائدة على الدين الأصلي، أي ما يوازي 13 مليون جنيه في السنة، وهو مبلغ يكاد يكون تافهًا بمعايير الموازنة البريطانية الحالية وتوضح صحيفة (الإندبندنت) البريطانية أنه لم يسبق لبريطانيا تسديد تلك الديون لأن الحكومة ستكون مضطرة إلى دفع فوائد بقيمة 1.26 مليار جنيه إسترليني على الفترة منذ عام 1917.

وأوضحت الصحيفة أن أسعار الفائدة الحالية منخفضة خاصة لأن المستثمرين يريدون شراء سندات الاستثمارات الآمنة نسبيًّا، مثل الديون الحكومية، وعلى استعداد لتقديم تنازلات من خلال قبول عوائد أقل.

وقالت وزارة الخزانة إن الحكومة الحالية ستقوم بإعادة تمويل تلك الديون عبر إصدار سندات جديدة تقل نسبة الفائدة عليها عن 4%. وأضافت “فيما يتعلق بـ 2 مليار جنيه إسترليني من بقايا ديون الحرب العالمية الأولى، والتي تعد إرث أمتنا من هذه الحرب، تنظر الحكومة إلى إمكانية سداد هذا الإرث من الديون المستحقة بالكامل”.

المصادر

عرض التعليقات
s