شهدت الأيام القليلة الماضية، ثلاثًا من أبرز حملات المناصرة والضغط في الوطن العربي، أولها الحملة التي أطلقها نشطاء فلسطينيون لمقاطعة موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لمدة ساعتين؛ احتجاجًا على الاتفاق الأخير بين إدارة الموقع وإسرائيل، والذي تمخض عنه تلبية إدارة فيسبوك مع موقعي و«جوجل» و«يوتيوب» لنحو 95% من الطلبات الإسرائيلية، التي اقتضت مسح محتوى «تحريضي»، حسب وجهة النظر الإسرائيلية.

في السعودية، أيضًا أُطلقت حملة كبيرة في الأول من أكتوبر (تشرين الثاني)، ما تزال مستمرة، لمقاطعة شركات الاتصالات، وتطالب الحملة تحت هاشتاغ «#راح_نفلسكم» و«#وضع_الطيران_stc»، بعدم الاتصال أو الشحن خلال 3 ساعات يوميًّا من الساعة الـسادسة وحتى الساعة الـتاسعة مساءً، لمدة خمسة أيام، أما الحملة الأخيرة والخاصة بالأردن فهي حملة «طفّي ضوّك»، التي كانت الأحد الماضي ولمدة ساعة، وجاءت للاحتجاج على توقيع اتفاقية الغاز، التي وقعتها الحكومة الأردنية وشركة الكهرباء الوطنية المملوكة بالكامل للحكومة مع إسرائيل، بقيمة عشرة مليارات دولار.

لذلك يمكننا القول إن حملات الضغط والمناصرة، التي بدأ يرتكز عليها الشباب العربي لتحقيق مطالبه، أخذت تشكل توجهًا حقوقيًّا، يهدف لانتزاع الحقوق السياسية والاقتصادية، وتسهل مهامه شبكات التواصل الاجتماعي، التي لا تبعد أيضًا عن أن تكون هدفًا لهذه الحملات.

«طفّي ضوّك» توحد الأردن ضد التطبيع

«عتمة البيوت ولا غاز اليهود»، «طفي ضوك أجمل حالة سياسية جماعية في الأردن»، «طفي ضوك بتنور كرامتك»، «غاز العدو احتلال»، هذه بعض شعارات الأردنيين، التي كُتبت في حملة الاحتجاج الواسعة الأحد الماضي الثاني من أكتوبر (تشرين الثاني)، رفضًا لفرض التطبيع باتفاقية الغاز مع إسرائيل.

إحدى شعارات الحملة -فيسبوك

تفاجأت المحامية الأردنية مرام النابلسي، من حجم المشاركة الشعبية بحملة «طفّي ضوّك»، فقد توقعت أن يكون العدد أقل، وهي تعتبر ذلك بمثابة بداية جيدة للاحتجاج ضد التطبيع مع إسرائيل على كافة المستويات، والتي تشكل اتفاقية الغاز مدخلًا لها، كما تقول.

تنص اتفاقية الغاز التي وقعتها الأردن مؤخرًا مع إسرائيل، على أن تستورد الأردن الغاز الطبيعي من حقل لفيتان البحري قبالة السواحل الإسرائيلية، وحسب الإذاعة الإسرائيلية العامة، فالصفقة «تنص على تزويد الأردن بنحو 45 مليار متر مكعب من الغاز على مدار 15 عامًا، بقيمة عشرة مليارات دولار أمريكي». توضح النابلسي أن الدافع جراء مشاركتها في حملة «طفّي ضوّك» هو إيصال رسالة رفض للحكومة الأردنية، وتابعت: «إيصال رسالة مفادها أنني كأردنية أرفض هذه الاتفاقية، وأن هذه وسيلتي الحالية المتاحة للتعبير عن هذا الرفض، النتيجة الآن ليست مهمة، والمهم بالدرجة الأولى خلق الوعي لدى المواطنين، والشعور الوحدوي، والتفكير الجمعي، ووحدة الهدف، لا سيما بعد التجاذبات وتناقضات المواقف والآراء الأخيرة، التي خلفتها الأحداث الأخيرة في الأردن».

وتتابع النابلسي خلال حديثها لـ«ساسة بوست»: «كنت سأشارك حتى لو وحدي، ولن أقول (كلام فاضي) أو (ما في نتيجة)، لأن المسألة مسألة مبدأ، والمطلوب منا بذل الجهد، وليس تحقيق نتيجة على الأقل الآن».

وسائل الضغط الاقتصادية نتائج أسرع

تأتي إستراتيجية الضغط والمناصرة بهدف تحقيق أضرار اقتصادية أو سياسية، فهي تعمل على حث الجماهير من أجل المشاركة الفعالة، في استخدام وسائل لها تأثير اقتصادي في الجهة التي يراد الضغط عليها، للمساهمة في حصول المواطنين على حقوقهم بشكل أكبر.

ولأن النتيجة الأولية التي يرجوها القائمون على حملات الضغط والمناصرة، هو التسبب في خسارة اقتصادية للجهة التي تقوم الحملات ضدها، يؤكد الصحفي المصري المتخصص بالشأن الاقتصادي أحمد طلب أن: «الاحتجاج أو المقاطعة من أهم وسائل الضغط الاقتصادية، وفي أغلب الأحيان تستخدم لأغراض سياسية».

ويوضح طلب خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن كل هذه وسائل ضغط على الحكومات، وفي الغالب وسائل الضغط الاقتصادية نتائجها تكون أسرع من غيرها، كما أثبتت التجارب السابقة أن الأنظمة العربية خاصةً تتجاوب مع هذه الحملات أكثر من غيرها، وأضاف: «الأمر يتلخص في أن هذه الوسائل بمثابة طريق مختصر للفت انتباه الأنظمة والمؤسسات، خاصةً أنها ذات جدوى أكبر من غيرها من الاحتجاجات».

كسر حاجز الخوف في الاعتراض ولكن!

تمنح حملات الضغط الاجتماعية النشطاء الشباب، الشعور بالقدرة على المبادرة والحركة والتأثير، خاصةً مع وجود آليات قوية مثل الحشد الإعلامي، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، الذي جعل من صوت هذه الحركات مسموعًا لدرجة الإزعاج من الشركات أو الحكومات، كما يؤكد الناشط المصري باسم الجنوبي.

ويتابع مؤسس حملة ثقافة للحياة القول: «هذا الصوت عابر للقارات؛ مما يتسبب في فضائح دولية، وبالتالي غالبًا ما ترضخ هذه الشركات للمطالب إذا كانت حملات الضغط قوية، ومتعددة الوسائل، ولديها القدرة على التنسيق مع بعضها، وإذا لم ترضخ لكل المطالب فعلى الأقل تعرض تفاوضها مع هذه الحركات حفاظًا على ماء وجهها أمام الرأي العام، سواء الإقليمي أو الدولي».

ويوضح الجنوبي لـ«ساسة بوست» أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد والمناصرة، كسر حاجز الخوف فيما يتعلق بالمبادرة والاعتراض والحشد الاجتماعي والسياسي، ويستدرك: «لكن ينقص جيلنا الإرادة، والقدرة على العمل المنظم، واستمرار الحشد العام العابر للأيديولوجيات والمصالح الشخصية والحزبية، لتدشين حركات ضغط قوية ومستمرة وفعالة لها هدف محدد يخدم الجميع وبمشاركة الجميع. إلى أن يحدث ذلك سيبقى نجاح حركات الضغط أسيرًا للحظ».

بعد الربيع العربي .. نماذج عربية ناجحة

تنبع أهمية حملات الضغط والمناصرة، من أنها تشكل موقفًا وحدويًّا يعزز الحصول على مكاسب من صنّاع القرار، ويرسم السياسات العامة، ويحدث تغييرًا إيجابيًّا في مواقف الشركات أو المؤسسات، لذلك أصبحت تُستخدم كأدوات للتأثير في أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، باستخدام الحجة، وبانتهاج الأساليب والطرق السليمة، التي لا تتعارض مع القوانين.

يؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، أمجد الشوا، أن حملات المناصرة والضغط هي إحدى الإستراتيجيات المهمة للمجتمع المدني، في الدفاع عن حقوقه، وفي إحداث تغيير في القوانين والتشريعات، والتأثير أيضًا في السياسات العامة والخطط الوطنية، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «هذه الحملات لها بالغ الأهمية تجاه تصويب الكثير من الاتجاهات، وإبراز رؤية المجتمع المدني فيما يتعلق بحقوق الفئات المختلفة».

ويشير الشوا إلى أن المناصرة أضحت فضاءً مهمًا للشباب العربي ومنظمات المجتمع المدني، وقدمت نماذج عربية ناجحة خاصةً بعد الربيع العربي، فنجحت في إبراز الكثير من القضايا المتعلقة بالشباب، والمجتمع المدني بشكل عام، وأيضًا القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان على مختلف المستويات، ويوصي الشوا بتكريس وتنويع الأدوات، ومراجعة وبناء نماذج يمكن البناء عليها، فيما يتعلق بالمناصرة والضغط.

ويلفت الشوا إلى أنه قد تعترض هذه الحملات إشكاليات، على صعيد مواجهتها من قبل الجهات المختلفة، وآلية المعرفة، وامتلاك المهارات المتعلقة بالمناصرة والضغط، وأيضًا قضية الوصول إلى صنّاع القرار، ويضيف: «بحاجة إلى مثابرة وبناء جهود وتنسيق وعمل، فالمناصرة قضية مهمة جدًّا، يمكن لها أن تكون مؤثرًا مهمًا في توجيه أصحاب القرار تجاه حقوق وقضايا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد