1,714

أزمة تراجُع العملات المحلية أمام العملة الصعبة باتت هي الأزمة التي تواجه كثيرًا من اقتصاديات دول الشرق الأوسط، وعنصرًا أساسيًّا من الأزمات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة، وهي إحدى الأزمات السياسية التي تسعى الحكومات لعلاجها بأي شكل، وتتخذ في ذلك عدة طرق، ومنها «الحملات الشعبية» لدعم العملة المحلية مقابل العملات الأخرى.

هذه الحملات تعدّدت أشكالها، سواء بمطالب من الأنظمة، أو مبادرات فردية أو حزبية، لكن في النهاية دائمًا ما تكون النتيجة واحدة، حتى أن عملات الدول التي لجأت إلى هذا الأسلوب لم تتوقف عن الهبوط، بل ربما نسبة الهبوط ارتفعت، فلماذا تفشل هذه الحملات في إنقاذ انهيار العملة المحلية أمام العملات الصعبة؟

حملات شعبية لدعم العملة المحلية.. مصيرها الفشل

كثير من دول الشرق الأوسط مرّت خلال السنوات القليلة الماضية بأزمة تراجع العملة، وعلى رأسها مصر وتركيا والسودان والمغرب وإيران، وغيرهم من الدول التي عانت مؤخرًا من التراجع في قيمة عملاتها المحلية، ومعظم هذه الدول لجأت إلى الحملات الشعبية بهدف دعم العملة، وسنلقي نظرة سريعة على تجربتين من هذه التجارب، وهما التجربة المصرية، والتجربة التركية.

Embed from Getty Images

التجربة المصرية

تعد مصر من أكثر الدول في المنطقة التي استخدمت هذا الأسلوب لدعم العملة المحلية، لكنها أيضًا لم تنجح أي مرة في الحصول على نتائج إيجابية من تلك الحملات التي تنوّعت ما بين التبرّع، وتحويل العملة الصعبة من الخارج بالنسبة للمصريين العاملين في الخارج، بالإضافة إلى الدعوات للتخلي عن الدولار وعدم اكتنازه، وكذلك تحريم المضاربة فيه، ولم يخل الأمر من الحديث عن مؤامرات خارجية تستهدف الاقتصاد، وذلك لإثارة الحماس الشعبي، ولكن على مدى السنوات الماضية لم تجدِ هذه الحملات.

وبداية من حملة «عشانك يا مصر حول لمصر» التي دشنها الإخوان المسلمون في مطلع 2013 إبان وجودهم بسدة الحكم وقتها، وصولًا إلى «بإديك يا مصري أنقذ اقتصاد بلدك» والتي دشنها بعض المحسوبين على النظام الحالي في فبراير (شباط) 2016، لم يكن هناك تغيير يذكر في واقع العملة، فالهبوط هو نفسه الذي بدأ منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، إذ واصل الجنيه المصري تدهوره بحدة، إلى أن قرر المركزي المصري تحرير سعر الصرف في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ورفع الفائدة بنسب مرتفعة، وهو ما دفع العملة المحلية للاستقرار بعد أن فقدت نحو 100% من قيمتها على مدى هذه السنوات.

التجربة التركية

لم يختلف الأمر كثيرًا عن مصر في التعاملات الرسمية مع أزمة العملة، وبالرغم من الاختلاف الكبير بين طبيعة أزمة الجنيه المصري والليرة التركية؛ إلا أنّه في النهاية كانت المحصلة واحدة، فالليرة واصلت التراجع فترات طويلة، والنظام التركي لم يتوقف كذلك عن إطلاق مبادرات وحملات دعم العملة مستخدمًا كذلك النبرة المصرية نفسها المتعلقة بالمؤامرات الخارجية.

ففي نهاية 2016، مباشرة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وبعد موجة من هبوط العملة التركية، دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الأتراك إلى تحويل ما بحوزتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية أو الذهب؛ بهدف إنعاش العملة المحلية وتقويتها أمام نظيراتها الأجنبية.

دعوة أردوغان وجدت استجابة كبيرة من مؤسسات حكومية ورجال أعمال وتجار ومواطنين أتراك، كان أبرزها إجراء المناقصات الحكومية بالليرة التركية، وعدم تحصيل مؤسسة البريد والتلغراف التركية ضرائب مالية على تحويل العملة الأجنبية إلى الليرة، وتحويل بورصة إسطنبول جميع الأصول النقدية في البورصة إلى الليرة التركية، بينما ألغت رئاسة الشؤون الدينية التركية تحصيل مصاريف الحج والعمرة بالعملة الأجنبية.

فيما أطلقت غرفة التجّار والحرفيين في منطقة أسنلار بإسطنبول حملة بعنوان «إذا كنت تحب وطنك، قم بتحويل العملة الأجنبية إلى الليرة التركية وشارك في نمو الاقتصاد»، وغير ذلك من الحملات التي جاءت منذ بداية 2017، وكذلك خلال الأشهر الأولى من 2018، سواء بدعوة من أردوغان، أو من المحسوبين على النظام التركي.

لكن في النهاية لم تختلف النتائج كثيرًا عمّا حقّقته مصر، فالليرة استمرت في الهبوط؛ إذ تراجعت من 1.7 ليرة للدولار في 2012، إلى 4.85 ليرة للدولار في مايو (أيار) الماضي.

Embed from Getty Images

إلا أنّ هذا الهبوط توقّف بعد أن رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة إلى 17.75% في 7 يونيو (حزيران) الجاري، ليكون بذلك البنك المركزي قد رفع الفائدة خلال أسبوعين تقريبًا حوالي 4.25%، وهو يعدّ أبرز قرار نقدي لجأ إليه المركزي منذ سنوات، وربما يكون بأهمية قرار تحرير سعر الصرف في مصر نفسها.

لماذا فشلت الحملات الشعبية في مصر وتركيا؟

من الواضح في التجربتين المصرية والتركية أنّ هبوط العملة لم يتوقّف سوى بقرار اقتصادي، وهو ما يوضّح فشل هذه الحملات في إعادة التوازن للعملة، لكن لماذا فشلت هذه المحاولات رغم جديّتها في كثير من الأحيان؟

بحسب مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة «العربي الجديد» في حديثه لـ«ساسة بوست»، فإن هناك اعتقادًا خاطئًا بأن تراجع عملة أي دولة يعبّر عن انهيار اقتصادها، إلا أن هناك دولًا تتعمّد خفض عملتها لأن ذلك سيدرّ عليها منافع كثيرة، منها زيادة إيراداتها من النقد الأجنبي، خاصة من قطاعات لها علاقة بالخارج مثل الصادرات والسياحة والاستثمارات الأجنبية، وأبرز مثال على ذلك: الصين، وأحيانًا الولايات المتحدة، وألمانيا.

وتابع عبد السلام، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنّه أحيانًا ما يكون تراجع العملة الوطنية مضرًّا بالاقتصاد القومي، ويكشف عن أزمة مالية حادّة داخل البلد صاحبة العملة، خاصةً إذا ما كانت واردات البلاد تفوق صادراتها، ولديها مشاكل اقتصادية وسياسية تحول دون استفادتها من خفض العملة في زيادة إيرادات النقد الأجنبي.

وعن الدول التي تتراجع فيها العملة لأسباب ترجع معظمها لمخاطر جيوسياسية –والتي من ضمنها مصر وتركيا– يقول عبد السلام: إن المطالبات بدعم شعبي لمساندة العملة، غالبًا لا تلقى استجابة قويّة لعدة أسباب وهي: تعرّض المواطن للخسائر المالية، خاصة وأنه سيشتري عملته المحليّة بسعر منخفض بغرض تقويتها وزيادة الطلب عليها، وهو يعرف أنه سيساندها ليرتفع سعرها مقابل العملات الرئيسية كالدولار، وهي تضحية من الصعب أن يقوم بها المواطن، خاصة أن سكان هذه الدول في مجملهم من أصحاب الدخول المتوسطة.

Embed from Getty Images

ومن الأسباب أيضًا التي تقف حائلًا أمام نجاح الحملات الشعبية في دعم العملة المحلية، بحسب عبد السلام، أن دعم أي عملة يحتاج مليارات الدولارات، وهو دور تقوم به الحكومات والبنوك المركزية وبنوك الاستثمار العالمية، وكذلك ارتفاع الأسعار، وقفزة التضخّم داخل الدول التي بحاجة لدعم عملتها يدفع المدّخر نحو المحافظة على مدّخراته، وليس التضحية بجزء منها عبر المضاربة في العملة، وهذا الأمر كان بارزًا في مصر وتركيا، إذ إنّ البلدين يعانيان من نسب تضخّم مرتفعة.

كما أن ضعف الوعي لدى الجمهور ووجود قطاع كبير لا يتعامل مع القطاع المصرفي وليس له ثقافة مصرفية يحدّ من التعاون مع حملات دعم العملة. ويقول عبد السلام: إنّ مثل هذه الدعوات تصدر من مؤسسات رسميّة أو شبه رسمية، وغالبًا ما يكون المواطن فاقد الثقة في مثل هذه المؤسّسات، وبالتالي لا يتجاوب معها.

متى تنجح هذه الحملات في دعم العملة؟

على الجانب الآخر، يرى أحمد ذكر الله، عميد كلية الاقتصاد والتمويل بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، أنّ المضاربة بالعملة عندما تكون على نطاق واسع وكميّات كبيرة من الأموال، وتشارك فيها هيئات ومنظّمات دولية ودول متّحدة على هدف واحد؛ من الصّعب الوقوف أمامها، والنتيجة دائمًا هي انهيارات متتالية للعملة المستهدفة.

ويضيف ذكر الله، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» عن عدم نجاح الحملات الشعبية لدعم العملة في مصر، أنّ الانقسام السياسي وحالة الاستقطاب السائدة منذ 3 يوليو (تمّوز) 2013 كان سببًا في تجاهل الشعب للنداء، خاصةً أن انخفاض قيمة الجنيه سبقه تلاعب بتثبيت سعر الصرف لصالح رجال الأعمال الذين هرّبوا أموالهم للخارج بعد ثورة يناير 2011، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أنّ الحرب على الصرّافات الخاصة والخوف الشعبي من الاتفاق مع صندوق النقد بالتخلص من الدعم ورفع الأسعار، كلّها من العوامل التي أسهمت في تجاهل الشعب لهذه الحملات.

ويرى ذكر الله، أنّ الحالة التركية مختلفة قليلًا عن مصر، إذ إنّ دعوات أردوغان جاءت في أعقاب فشل الانقلاب العسكري، وكان الشعور الوطني في أوجّه، والشعب يشعر بالإنجاز والتفكير بشدة حول قيادته، لكن هذا الوضع لم يستمر، ففي الوقت الراهن كان التهاوي سريعًا وموجعًا، ولم يأخذ الشعب الوقت الكافي لحسم القرار، فالخسائر اليومية كانت كبيرة، لذلك لم تقدم الحملات الشعبية دعمًا يذكر لليرة.

ويؤكد ذكر الله أنّه في أحيان كثيرة تكون أزمة العُملة أكبر من التدخل الشعبي، ولكن مساندة الشعب تخفّف من المسارعة إلى الدولرة –الاحتفاظ بالدولار- التي تفاقم الأزمة، إذ يوضّح أنّ درجة وعي الشعب بمثل هذه الأزمات في حال كانت في حدود قدراته هي أهم عوامل نجاح هذه الحملات.

Embed from Getty Images

لكن على الجانب الآخر يمكن نجاح الحملات الشعبية في حال كانت أزمة العملة متعلقة بتوترات سياسية ومضاربات على العملة هدفها النيل من العملة المحلية، لكن من الصعب أن تكون مجدية إذ كان هناك خلل هيكلي في اقتصاد البلاد، بمعنى أن هبوط العملة في مصر جاء بسبب نضوب المصادر (السياحة– تحويلات المصريين العاملين بالخارج– إيرادات قناة السويس– الصادرات) في الأساس، وبالتي لا يمكن علاج مشاكل اقتصادية هيكلية من خلال حملات التبرع ودعم العملة.

كذلك الأمر في تركيا التي تعيش أزمة، وإن كانت ليست بعمق الأزمة في مصر منذ عامين؛ إلا أن الأمر ليس مجرّد مضاربة بهدف زعزعة استقرار الاقتصاد التركي كما تروّج الحكومة، ولكن تواجه تركيا أزمة كبيرة من حيث الديون والعجز التجاري، بالإضافة إلى الأزمة الدائرة الخاصة بمدى استقلالية السياسة النقدية، وكل هذه المشاكل تعد جوهرية ولا يمكن علاجها من خلال مثل هذه الحملات؛ لذلك دائمًا ما تفشل.