مثَّلت جائحة فيروس كورونا المستجد تحديًا كبيرًا للمغرب، خاصة مع النظام الصحي الهش في البلاد، وضعف قدرته على توفير الرعاية العمومية الشاملة. وفي ظل انكفاء كل بلد على نفسه، والحجر على موارده الحيوية، لم تجد المملكة المغربية سندًا في مواجهة هذا الوباء الذي تواجهه الأمة بشكل جماعي، غير الاعتماد على طاقاتها وشبابها، والدفع نحو الابتكار، لاسيما وأن موارد البلد المالية تظل محدودة.

اقتصاد الناس

منذ شهر
كيف تأثر اقتصاد المغرب بجائحة كورونا؟ 5 أسئلة تشرح لك

في الماضي، غالبًا ما كان يجري التوجه للخارج لاستيراد الخبرة أو المنتجات التي تحل مشكلات البلاد، لكن الوضع تغير هذه المرة، فأتيحت الفرصة للكفاءات المحلية من أجل الانخراط والمشاركة في مواجهة الجائحة وتداعياتها، خاصة من قبل الشباب المليء بالأفكار المبتكرة، التي تتجاوز أنماط التفكير الرسمية التقليدية.

بغرض تعزيز حركة الابتكار هذه، التي بدأت منذ ظهور الأزمة، أطلقت الحكومة، في 29 مارس (آذار) الفائت، برنامجًا لدعم استثمارات المقاولات الصغيرة والمتوسطة في مجال تصنيع المنتجات والمعدات المستعملة في مواجهة الوباء، كما عكفت المراكز البحثية التابعة للجامعات على الانخراط في حملة الابتكار الوطنية.

وهكذا، تحررت العديد من العقول المبتكرة التي كانت مسجونة في السابق بسبب الجمود المؤسسي ولوبيات المصالح، وظهرت مجموعة من الاختراعات التكنولوجية السريعة والرخيصة، التي ساعدت على الحد من انتشار الفيروس في المغرب، نذكر منها أهم ثلاثة ابتكارات، كانت مغربية مائة في المائة.

جهاز كشف سريع معتمد من معهد باستور بباريس

بحسب توصية منظمة الصحة العالمية، تلعب الاختبارات الكثيفة للفيروس دورًا مهمًّا في الحد من تفشي الوباء، ومن ثمَّ ظهرت الحاجة إلى أجهزة الكشف السريع، التي يمكنها تشخيص أعداد هائلة في وقت قصير. لأجل هذا الغرض، صمَّم مجموعة من الباحثين المغاربة إحدى هذه الأدوات؛ لتعفي البلاد من تعب البحث عنها في الخارج.

طوَّرت المؤسسة المغربية للعلوم المتقدمة والابتكار والبحث، المعروفة اختصارًا بـ«MASciR»، اختبارًا تشخيصيًّا، وقد تحقق الجيش المغربي من موثوقيته، وكذلك معهد باستور في باريس، وتأكدت فعاليته وموثوقيته.

ذكرت المؤسسة البحثية المغربية على موقعها على الإنترنت، أنه «منذ بداية الأزمة الصحية العالمية بسبب فيروس كوفيد-19، عملنا على تطوير اختبار تشخيصي (RT-PCR)، يتميز بدرجة عالية من الحساسية والموثوقية، وبتكلفته الرخيصة».

وتسعى مقاولة المؤسسة الناشئة حاليًا إلى إنتاج 10 آلاف اختبار للكشف عن فيروس كورونا المستجد بحلول نهاية الشهر الجاري، وينتظر أن تزيد الكمية في الشهور المقبلة.

وكشفت نوال الشرايبي، المديرة العامة للمؤسسة، في ندوة صحفية عن أن هذه الاختبارات ستطرح حصرًا لفائدة المختبرات والمستشفيات، بثمن أقل بمرتين من سعر الاختبارات التشخيصية المتوفرة في السوق حاليًا، والمستوردة من الخارج.

🔴الاعلان عن اول طقم إختبار(kit) للكشف عن الاصابة بفيروس كورونا مصمم و مصنع محليا.🇲🇦🇲🇦🇲🇦Covid 19 Real Time RT-PCR Kit…

Geplaatst door ‎سبع صنايع Sb3 Snaye3‎ op Maandag 1 juni 2020

أجهزة تنفس اصطناعية.. ابتكار لإنقاذ الأرواح

يهاجم فيروس كورونا بالخصوص الجهاز التنفسي البشري، وفي الحالات الحرجة يحتاج المصابون إلى تنفس اصطناعي، مما دفع بلدان العالم الغنية إلى تكديس أجهزة التنفس بكميات هائلة، تحسبًا لموجات المصابين من الوباء، وبدت وحدات العناية المركزة سلعة نادرة في السوق العالمية. هذا الوضع ترك البلدان النامية والفقيرة في يد مصيرها أمام الجائحة.

في البداية، لم يكن هناك سوى 250 سريرًا طبيًّا في المغرب، وكان الخوف يعم البلاد من شدة رداءة خدمات المستشفيات المغربية، لكن من أجل إنقاذ البلاد تطلب الأمر النهوض بالمنظومة الصحية، والاعتماد على الطاقات المحلية لتوفير المستلزمات الطبية من كمامات، ومعقمات، وأجهزة تنفسية أيضًا، ليقفز العدد إلى أكثر من ألفي جهاز تنفسي حاليًا، بعد بدء تصنيع بعضها محليًّا.

يضم فريق الكفاءات المغربية، الذي تكفَّل بتطوير أجهزة تنفسية لمصابي كوفيد-19، عشرين شخصًا من خبراء الطب والهندسة والصناعة، في مقدمتهم كفاءات من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، ومن وزارة الصناعة، وتجمع الصناعات المغربية في الطيران. وقد نجح هذا الفريق في بناء المئات من الوحدات التنفسية الأولية.

وفي هذا الإطار أيضًا، سُجلت براءة اختراع لجهاز تنفس اصطناعي ذكي في المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، حسبما أوردت صحيفة «هسبريس» الإلكترونية، وينتظر اعتماده للبدء في إنتاجه وتسويقه محليًّا. ويأتي هذا الابتكار بشراكة بين مجموعة كوسومار وجامعة محمد السادس لعلوم الصحة، ويتمتع الجهاز باستقلالية ذاتية في التشغيل؛ إذ يُمكن للطبيب أن يتحكم فيه عن بعد.

وفي المجال نفسه، سجَّل الدكتور عبد العالي لعمارتي براءة اختراع لأخف جهاز تنفس في العالم، برفقة فريق من المهندسين والأطباء المغاربة.

ويتميز الجهاز بصغر حجمه وسلاسته؛ إذ يمكن حمله في عنق المريض والاستعانة به في مساعدة المريض على التنفس أوتوماتيكيًّا، ويمكن التحكم فيه عن بعد بالهاتف الذكي.

ومع أن مثل هذه الأجهزة التنفسية محلية الصنع قد لا ترقى إلى أداء وحدات العناية المركزة عالية التكنولوجيا التي تصنعها الشركات العالمية، لكنها تبقى مجهودات قد تسهم في تطوير نماذج أجهزة تنفسية محلية أكثر تطورًا.

أقنعة طبية واقية بواسطة طابعات ثلاثية الأبعاد

تسابقت دول العالم على شراء الأقنعة الطبية واكتنازها، بل وصل الأمر إلى السطو على شحنات الأقنعة بين الدول بعضها وبعض، في مشهد يشبه ظاهرة القرصنة قديمًا.

أمام هذا الوضع، بدأ المغرب محاولات التصنيع المحلي للكمامات والمعقمات، وبرزت طاقات مغربية عكفت على ابتكار منتجات صحية وقائية للأطباء والممرضين، الذين هم في أمس الحاجة إليها.

من بين هذه المنتجات كان القناع الوقائي؛ إذ تحوَّل عدد من مختبرات البحث الجامعية بالمغرب إلى ورش عمل لإنتاج أقنعة وقائية عالية الجودة؛ من أجل تلبية الاحتياجات الملحة للأطقم الطبية، التي تحارب بالصفوف الأمامية في مواجهة الفيروس.

حقوق إنسان

منذ شهر
المراقبة الشمولية أم تمكين المواطنين؟ المغرب يعتزم إطلاق «تطبيق تتبع كورونا»

وفي هذا الصدد، استثمر كمال قاسمي وفريقه من المدرسة العليا للتكنولوجيا، التابعة لجامعة محمد الأول بوجدة، تصميمات المعدات الصحية المتاحة على شبكة الإنترنت، وطبعها وصنعها باستخدام طابعات تعمل بتقنية ثلاثية الأبعاد. وهو ينتج اليوم مع فريقه حوالي 300 قناع واق يوميًّا، موجهين حصرًا للأطقم الطبية العاملة في المستشفيات.

كما دشَّنت جامعة الرباط الدولية، ضمن مركزها التكنولوجي، مبادرات تهدف إلى تطوير حلول مبتكرة ومحلية، يمكن أن تسهم في مكافحة الوباء، من بينها تصنيع مجسمات وأقنعة واقية، بواسطة القطع بتقنية الليزر وطابعات ثلاثية الأبعاد، لفائدة موظفي التمريض بمستشفيات الرباط.

ومن المنتظر أن تظل الحاجة الماسة إلى الابتكار بالمغرب قائمة، حتى في عالم «ما بعد كورونا»؛ إذ غيرت الجائحة العديد من الافتراضات السابقة، وبيَّنت الضرورة الملحة للاكتفاء الذاتي في المنتجات الحيوية والكفاءات الخبيرة، بدلًا من انتظار المساعدة الخارجية التي قد لا تأتي دائمًا.

وهكذا، فلم تكن هذه الأزمة اختبارًا للمنظومات الصحية فقط، بل كانت أيضًا اختبارًا للمرونة العلمية والاقتصادية والسياسية للبلدان، فظهرت الحاجة إلى الابتكار والتغيير.

المصادر

تحميل المزيد