في الذكرى السنوية الأولى لهجمات بروكسل التي تبناها تنظيم الدولة الإسلاميَّة «داعش»، قتل أمس، أربعة أشخاص بينهم منفِّذ الهجوم، وأصيب 40 آخرين، في هجومٍ بالقرب من مبنى البرلمان البريطاني في لندن، التفجير تبنَّاهُ «تنظيم الدولة الإسلامية – داعش»، وأثار ردود أفعال تضامنية محليًا ودوليًا. قد يؤثِّر هذا الحادث سلبًا على مسلمي بريطانيا، ويأتي استكمالًا لمسلسل من الهجمات الدموية التي ضربت بريطانيا والغرب خلال العقود الماضية. في هذا التقرير الصورة شبه الكاملة لما حدث أمس.

1– ما الذي حدث ومن هم الضحايا؟

شهد أمس الأربعاء، الموافق 22 مارس (آذار)، هجومًا دمويًا في العاصمة البريطانية لندن، بدأ الهجوم عندما انطلقت سيارة دفع رباعي، لتدهس المارة على جسر ويستمنستر، اصطدمت السيارة بسياج قصر ويستمنستر لتدهس المزيد، قبل أن يُكمل السائق ويتوجَّه لساحة البرلمان البريطاني ليطعن شرطيًا هناك لم يكن مسلّحًا، ويرديه قتيلًا، وبعد ذلك تمكَّنت الشرطة من إطلاق النار على منفذ الهجوم وقتله.

رسم يوضح مسار الهجوم «المصدر: الإذاعة البريطانية بي بي سي»

أسفر الهجوم عن مقتل أربعة أشخاص، وهم: منفذ الهجوم، والشرطي كيث بالمر (48 عامًا)، الذي عمل لمدة 15 عامًا في فرقة حماية البرلمان والدبلوماسيين، وعائشة فرادي (43 عام) معلمة إسبانية ولدت في بريطانيا، والسائح الأمريكي كرت كوشران الذي جاء إلى بريطانيا خلال جولة سياحية له في أوروبا مع زوجته.

فيما بلغ عدد المصابين 40 شخصًا، بينهم سبعة في حالةٍ خطرة، وتوزَّعت جنسيات 29 مصابًا على 11دولة، إذ أصيب 12 بريطانيًا، وثلاثة أطفال فرنسيين، وأربعة من كوريا الجنوبية، وشخص ألماني، وشخص أيرلندي، وشخص صيني، وشخص إيطالي، وشخص أمريكي، وشخص بولندي، ويونانيين، ورومانيين ، من بينهم السيدة التي سقطت من فوق الكوبري على نهر التايمز أثناء الهجوم.

2- من هومنفِّذ الهجوم؟

منذ الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم، وتتجه رواية المسؤولين في بريطانيا إلى ترجيح فرضية كون الهجوم مرتبط بـما أسموه «الإرهاب الإسلامي»، حسب ما
أفاد مارك رولي
، قائد وحدة مكافحة الإرهاب بالشرطة البريطانية، الذي لفت إلى أنَّ المهاجم «عمل بمفرده مستلهمًا بالإرهاب الدولي».

اليوم كشفت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، خلال جلستها مع مجلس العموم البريطاني، أنّ المهاجم ولد في بريطانيا، وكان
معروفًا لدى أجهزة الشرطة
والاستخبارات البريطانية، وقد حققت معه الأجهزة الأمنية سلفًا للاشتباه بصلاته بالتطرف، ولكن كان ينظر إليه باعتباره «شخصية هامشيَّة»، على حدّ تعبير ماي التي نفت وجود أي معلومات استخباراتية مسبقة عن اعتزامه تنفيذ الهجوم، مشيرةً إلى استمرار التحقيقات.

ولكن تلك الشخصية «الهامشية»، كانت أحد جنود تنظيم الدولة الذي نفّذالعملية «استجابة لنداءات استهداف رعايا دول التحالف الدولي» بحسب ما جاء في
بيان وكالة أعماق
للأنباء التابعة لـ«تنظيم الدولة» الذي أعلن مسؤوليته اليوم عن الهجوم.

نص بيان تبني تنظيم الدولة لهجوم لندن

وفي نهاية نهار يوم الخميس، أعلنت الشرطة البريطانية اسم من تعتقد أنه المنفذ، ويدعى خالد مسعود، وهو رجلٌ يبلغُ من العمر 52 عامًا، ولد في مدينة كنت في جنوب شرق إنجلترا، وكان يعيش في منطقة «ويست ميدلاندز» التي تضم مدينة برمنجهام، وذكرت الشرطة أن مسعود أدين سلفًا بالتسبب في أضرار عامة عام 1983، كما أدين أيضًا بحيازته سكينًا في 2003، في الوقت الذي لم يدن فيه بأي جريمة تتعلق بالإرهاب.

3- كيف استقبلت بريطانيا والعالم الهجوم الدموي؟

أعقب الهجوم موجة من ردود الأفعال بالداخل البريطاني امتزجت بين مشاعر التضامن مع الضحايا، والإدانة لـ«الإرهاب» واعتزام مواجهته، واعتبار الحادث استهدافًا للديموقراطية، وعلى الصعيد غير الرسمي، انتشر هاشتاج WeStandTogether (نحن نقف معًا) على موقع التواصل الاجتماعي تويتر في بريطانيا، وكان من أكثر الوسوم انتشارًا في بريطانيا، وكثرت فيه التدوينات التضامنية مع الضحايا.


ولم تتوقف مشاعر التضامن على الكتابة فقط، وإنما امتدت للتبرع لعائلة أحد ضحايا الهجوم، إذ جمع المتبرعون أكثر من 140 ألف جنيه استرليني، لعائلة ضابط الشرطة المطعون بالمر.

وعلى الصعيد الرسمي، أمرت ماي بتنكيس الأعلام في محيط مبنى رئاسة الحكومة حزنًا على ضحايا الحادث، وقالت إن «مستوى التهديد الإرهابي في بريطانيا تمّ تحديده منذ فترة عند مستوى الخطر الشديد، وهذا الأمر لن يتغيَّر» متعهدةً بالمضيّ قدمًا في محاربة الإرهاب، وزيادة الإنفاق على أجهزة الأمن لرفع كفاءتها، ورفع دوريات الشرطة في المدن البريطانية.

في نهار اليوم الخميس، داهمت قوات الأمن البريطانية ست مقارّ، واعتقلت ثمانية مشتبه بهم، معظمهم من مدينة برمنجهام، تلك المدينة التي تعدّ مركزًا للإسلاميين البريطانيين، والتي أقام فيها سلفًا محمد عبريني أحد منفذي هجمات بروكسل وباريس، قبل تنفيذ الهجومين، وأفادت الإذاعة البريطانية بي بي سي بوجود ما يشير إلى أنّ «السيارة التي استخدمت في الهجوم قد استؤجرت من مكان في برمنجهام»، وهو ما أكدته الشرطة البريطانية بالفعل في وقتٍ لاحق.

وفي سياق متصل، أعرب ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق، عن تضامنه مع عائلات الضحايا، مؤكدًا «لن يفلح أبدًا من يحاول ضرب ديمقراطيتنا بهذه الوسائل المتوحشة» وبدوره، قال صادق خان عمدة مدينة لندن المسلم: «لن يخوِّفنا الإرهاب»، مضيفًا خلال فيديو بثَّه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، «نقف سويًّا في وجه من يسعون للإضرار بنا وتدمير أسلوب حياتنا، كنا دائما وسنظل، ولن يخاف اللندنيون أبدًا من الإرهاب» ولفت إلى اعتزامه نشر قوات شرطة إضافية في شوارع المدينة للحفاظ على سلامة سكان لندن والزائرين.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/SadiqKhan/status/844633197191335936″ ]

وفي سياقٍ متصل، ندد مجلس مسلمي بريطانيا (أكبر منظمة إسلامية في بريطانيا) بالحادث، معربًا عن تضامنه مع عائلات الضحايا، واعتبر المجلس في بيانه «قصر ويستمنستر هو قلب ديمقراطيتنا، وعلينا جميعًا أن نضمن استمراره في خدمة وطننا وشعبه في سلامة وأمان».

كما امتدت ردود الأفعال إلى الصعيد العالمي، إذ أدانت فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي الحادث، وأعرب معظمهم عن استعدادهم لمساعدة بريطانيا في مكافحة الإرهاب، كما أدانت عدد من المنظمات العربية والاسلامية الحادث من بينها جامعة الدول العربية.

4- كيف سيؤثر الهجوم على مسلمي بريطانيا؟

قد يؤدي الهجوم الأخير إلى زيادة الخطاب الشعبوي في بريطانيا، بالأخص أن منفِّذ الهجوم مسلم، مما قد يؤثر سلبًا على مسلمي بريطانيا، وارتفاع نسبة جرائم الكراهية والعنصرية تجاههم، وقد انتعشت تلك الجرائم المصحوبة بالدعاية الشعبوية، بعد ساعاتٍ من ظهور نتيجة الاستفتاء في بريطانيا، والتي أظهرت أن غالبية البريطانيين يريدون الخروج من الاتحاد الأوروبي.

«الأمر – التصويت بالخروج – ليس له علاقة بالتجارة أو أوروبا أو أي شيءٍ آخر، الأمر يتعلق بالهجرة، ولمنع المسلمين من القدوم إلى هذا البلد»
هكذا قال
أحد البريطانين الداعمين للبريكسيت عندما سأله سيران جينكيز مراسل القناة الرابعة عن دوافعه للتصويت بالخروج، من الاتحاد الأوروبي.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/C4Ciaran/status/746415597882220544″ ]

لم تتوقَّف موجة العنصرية التي انتشرت في بريطانيا عقب الاستفتاء عند هذا الحد، إذ وثَّق مجلس مسلمي بريطانيا أكثر من ألف حادثة عنصرية خلال أيام قليلة أعقبت نتيجة الاستفتاء، منددًا بما وصفه بـ«تصاعد الانتهاكات العنصرية عقب الاستفتاء»، وطالب المجلس القادة السياسيين والمدنيين بمعالجة الانقسامات التي أعقبت الاستفتاء، ولذلك فإن الهجوم الذي نفذه مسعود قد يصعّد من موجات العنصرية ضد مسلمي بريطانيا، وقد يؤثر موقع تنفيذه على مستقبل خان العمدة المسلم للعاصمة البريطانية لندن، كما أنّ تنامي العنصرية في لندن لا يمكن فصله عن تناميها في جيرانها الأوروبيين، خصوصًا فرنسا وبلجيكا.

اقرأ أيضًا: «عودوا لبلادكم».. العنصرية تغزو بريطانيا إثر خروجها من الاتحاد الأوروبي

5- ما الرابط المشترك في عمليات الدهس التي تبناها التنظيم في أوروبا؟

«منفذ عملية الدهس هو جندي للدولة الإسلامية، ونفذ العملية استجابة لنداءات استهداف رعايا دول التحالف الدولي»

أدرجت تلك الكلمات في بيان «تنظيم الدولة» الذي أعلن فيه مسؤوليته عن الحادث، ولم يكن ذلك البيان الأول من نوعه في أوروبا، وإنما تطابقت تلك الكلمات بالنص في ثلاثة بيانات لـ«تنظيم الدولة» أعلن فيها مسؤوليته عن ثلاث عمليات دهس عشوائية في أوروبا، في دولٍ مشاركة في التحالف الدولي التي تقوده أمريكا ضد التنظيم في سوريا والعراق.

فلم تكن حادثة لندن هي الأولى من نوعها، فخلال أقلّ من تسعة أشهر نفّذ التنظيم ثلاث عمليات مشابهة، بنفس البيان، فبالإضافة لعملية لندن التي كانت الأقل في عدد الضحايا البشرية، تبنى التنظيم في 16 يوليو (تموز) الماضي، هجوم الدهس في مدينة نيس الفرنسية والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 84 شخصًا، وإصابة 202 آخرين، وفي 21 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تبنى التنظيم هجوم الدهس في العاصمة الألمانية برلين، والذي أسفر عن مقتل 12شخصًا وإصابة 48 آخرين.

وتأتي تلك الهجمات «ذائعة الصيت» مع اشتداد الضربات التي يتلقَّاها التنظيم، في معاقله الأساسية في سوريا والعراق، وتقلص نفوذ التنظيم في تلك الأماكن، لتضيف نوعًا من «الانتصارات الإعلامية والدعائية» على الأقل من وجهة نظر التنظيم.

وأعلنت أمريكا إنشائها تحالفًا دوليًا ضد «تنظيم الدولة» في سبتمبر (أيلول) 2014، يضم العديد من البلدان العربية والغربية، من بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تلك الدول التي كانت محلًا لعمليات الدهس التي تبناها التنظيم «استجابة لنداءات استهداف رعايا دول التحالف الدولي».

وتنفذ أمريكا معظم غارات التحالف الجوية التي يشنها ضد «تنظيم الدولة» في سوريا والعراق، وخلال 951 يومًا منذ بدء التحالف حملته ضد التنظيم، بلغ العدد الإجمالي لغارات التحالف 19.139 غارة بينها 11.459 في العراق، و 7680 في سوريا، بإجمالي عدد قذائف قدره 72.771 قذيفة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2.715 مدنيًا، بحسب توثيق موقع «حروب الجو» المختص في مراقبة ضربات التحالف في سوريا والعراق.

أرقام عن ضربات التحالف الدولي في سوريا والعراق «المصدر: حروب الجو»

6- كيف ضربت الهجمات الدموية بريطانيا والغرب خلال العقود الماضية؟

يعدّ هجوم لندن الأخير، هو أعنف هجوم تشهده بريطانيا، منذ الهجوم الانتحاري الذي وقع في وسائل النقل المشترك في نفس المدينة «لندن»، في السابع من يوليو (تموز) من عام 2005، والذي أسفر عن مقتل 56 شخصًا، وتبناه مؤيدون لتنظيم «القاعدة».

يأتي هجوم لندن الأحدث، ليستكمل مسلسلًا من الهجمات التي ضربت أوروبا خلال السنوات والعقود الماضية، بالإضافة لهجومي نيس وبرلين سالفي الذكر، تزامن هجوم لندن مع الذكرى السنوية لهجمات بروكسل التي تسببت في مقتل 34شخصًا.

وفي 23 يوليو(تموز) الماضي، وقع هجوم ميونيخ، الذي تسبب في مقتل تسعة أشخاص، وإصابة 27 آخرين، قبل أن ينتحر منفذه الذي يبدو أنه كان مريضًا نفسيًا بحسب السلطات الألمانية. وفي 12 يونيو (حزيران) وقع أسوأ هجوم مسلَّح في تاريخ أمريكا بأورلاندو، أسفر عن مقتل 49 شخصًا، و إصابة 53 آخرين، وتبناه «تنظيم الدولة»، وهذا إنفوجرافيك يلخص أبرز الهجمات الدموية التي ضربت أوروبا وأمريكا خلال العقود الماضية.

129 قتيلًا وأكثر من 500 مصابًا: حصيلة الأحداث الدموية في أوروبا من 2016

عرض التعليقات
تحميل المزيد