هناك الكثير من الجوانب السلبية التي تظهر لنا عند الحديث عن العيش في المدن الكبيرة، مثل التوتر والقلق، وتراجع الصحة العقلية، بل حتى ارتفاع ضغط الدم والسكري، وغيرها من الحالات المرضية النفسية والجسدية، التي تزداد كلما كانت المدن أكبر؛ نتيجةً لطبيعة أسلوب الحياة مقارنةً بالمدن الصغيرة أو القرى.

ولكن أحد الجوانب السلبية وغير المتوقعة هو ذلك الشعور بالوحدة، فربما يبدو الأمر للوهلة الأولى شعورًا غير منطقي؛ إذ كيف يشعر الإنسان بالوحدة وهو في مدينة مزدحمة بالسكان مثل القاهرة أو إسطنبول؟ ولماذا صار الإحساس بالوحدة والعزلة أمرًا شائعًا جدًّا ويمثل تحديًا كبيرًا عند العيش في المدن المزدحمة؟

الحياة في المدن تزيد الشعور بالوحدة

واحدة من أحدث الدراسات في هذا المجال، دراسةٌ بريطانية واسعة النطاق نُشرت هذا العام، تقول إن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق حضرية كثيفة، وخاصةً أولئك الذين يعيشون في شقق متلاصقة ومتقاربة بشكل أكبر، يكونون أكثر عرضة لتجربة الشعور بالوحدة والعزلة، وبكلمات أبسط، يزداد الإحساس بالوحدة كلما أقام الإنسان في مبنى فيه عدد أكبر من الشقق.

وحلل الباحثون البيانات الصحية لما يقرب من 406 آلاف شخص في 22 مدينة بريطانية، وقارنوها ببيانات مُفصَّلة عن بيئتهم، مثل قربهم من الطرق المزدحمة والمساحات الخضراء، ووجدوا أن الشعور بالوحدة زاد بنسبة 2.8%، ويزيد الإحساس بالعزلة الاجتماعية بنسبة 11.4%، لكلِّ ألف وحدة سكنية إضافية توجد في نطاق كيلومتر واحد من المنزل، بمعنى أنه كلما زاد عدد الوحدات السكنية في محيطك زاد شعورك بالوحدة.

Embed from Getty Images

القاهرة، العاصمة المصرية

يُلاحظ الباحثون أن التأثير أعلى وأكثر وضوحًا عند الرجال والمتقاعدين، فبالمقارنة مع نظرائهم الذين يعيشون في مناطق ذات كثافة سكنية أقل، كان الرجال الذين يشعرون بالوحدة ممن يعيشون في المناطق الأعلى كثافة سكانية، أكثر بنسبة 23.5%، والمتقاعدون أعلى بنسبة 17.4% من نظرائهم الرجال والمتقاعدين في مناطق أقل كثافة سكانية.

تؤكد هذه الدراسة استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن 55% من سكان لندن و52% من سكان نيويورك أفادوا بأن مدينتهم يمكن أن تعطيهم ذلك الشعور بأنهم يعيشون وحيدين إلى حد ما. مثل هذه الدراسات والاستطلاعات تشير إلى أن الشعور بالوحدة سائد، ليس فقط في مدن القرن الحادي والعشرين، ولكنه مستوطن للغاية بحيث يمكننا اكتشاف نمط منتظم له يمكن قياسه وتحديده.

لماذا نشعر بالوحدة في المدن؟

المشكلة هنا أنه لا يكفي مجرد العيش بالقرب من الآخرين كي لا نشعر بالوحدة، فالبشر بحاجة للتواصل معًا لتكوين علاقات ذات معنى، وليشعروا بأنهم ينتمون بالفعل للمكان الذي يعيشون فيه؛ إذ تبقى الحقيقة المحزنة أن الكثير منا لا يعرف من هم جيرانهم، حتى عندما يمر أمامهم كل يوم.

نحو 75% من سكان لندن لا يعرفون أسماء أكثر من ثلاثة من جيرانهم لا غير

وهذه بعض العوامل التي تساهم في الشعور بالعزلة في المدن:

سكان مؤقتون

أحد الأسباب الأساسية وراء الشعور بالوحدة في المدن الكبرى هو وجود عدد كبير من السكان غير الدائمين، من غير أهل المدينة، يعيشون حولك، وهذا يذكِّرنا دائمًا بأن الصداقات ستكون مؤقتة، ومن ثمَّ يخشى البعض من الإقدام على هذه الخطوة خشية رحيل أحد الطرفين في أي وقت.

حالة الانتقال المستمرة سببها الزيادة المستمرة في أسعار الإيجارات في تلك المدن، ومعها تزيد الانتقالات، ويظلُّ خيار شراء العقارات باهظ الثمن وبحاجة لادخار طويل، وعدم شراء عقار يعني عدم استقرار نهائي، وبالتالي عدم تكوين علاقات اجتماعية دائمة بسهولة.

Embed from Getty Images

التكنولوجيا

تسمح لنا أجهزة الكمبيوتر والهواتف الخاصة بالبقاء على اتصال بالعائلة والأصدقاء البعيدين، ولكن هذا يمكن أن يتحول لسلاح ذي حدين، إذ يمنعنا أيضًا من الاتصال مع الناس من حولنا، وفي الحي نفسه الذي نعيش فيه. وبالإضافة لذلك، الكثير من سكان المدن عازبون ويعيشون بمفردهم نتيجة طبيعة أعمالهم، وهو ما يدفعهم للاعتماد أكثر على التكنولوجيا لتخفيف الشعور بالوحدة الذي يعيشون فيه نتيجة غياب الأسرة، وهذا يعني أنَّ التكنولوجيا ليست مجرد سبب بل أيضًا عاملًا مساعدًا يزيد من الإحساس بالوحدة.

ضعف التوازن بين العمل والحياة في المدن الكبيرة

غالبًا ما تكون ساعات العمل الطويلة التي يقضيها سكان المدن الكبيرة مطلوبةً لتحمل تكاليف المعيشة في مدينة باهظة الثمن، ولذا يشعر سكان هذه المدن وكأنهم يعيشون داخل سباق مستمر من التحرك والعمل، ويواجهون باستمرار ظروف عمل ومعيشة ضاغطة تؤدي إلى الشعور أكثر بالوحدة.

الوقت القليل

الوقت الضائع في الذهاب والعودة من العمل وإليه يعني عدم وجود وقت إضافي خلال اليوم لممارسة أي نشاط اجتماعي، فالمدن الكبرى كثيرًا ما توجد فيها مناطق مخصصة للعمل، ومناطق مخصصة للسكن، وللوصول لمكان العمل ستحتاج – في الغالب – لركوب المواصلات أكثر من مرة، أضف لذلك أن المدن الكبرى تشهد أزمات مرور خانقة في أوقات الذروة.

التأدب الزائد عن الحد

التأدب الزائد عن الحد يُقصد به الميل لتجاهل المجاملات الاجتماعية البسيطة والأساسية، فمثلًا عندما يكون المرء في حشود كبيرة يشعرُ كما لو أنه يفرض نفسه في مساحة الآخرين، ولذا نتجنب الدردشات الصغيرة، أو حتى مجرد قول «مرحبًا» للشخص الجالس بجوارنا في القطار لأننا نخشى أن نكون متطفلين.

الهندسة المعمارية للمدينة

يمكن أن تسبب المباني الشاهقة الارتباك والاكتئاب، ويمكن أن تلاحظ هذا الأمر بوضوح إذا ذهبت إلى مدينة نيوجيرسي ثم اتجهت إلى مدينة نيويورك المجاورة، ففي الأولى ستُلاحظ أن أغلب المباني لا تتجاوز الطابقين ما يعطيك شعورًا باتساع الأفق والراحة النفسية والحرية، أما في نيويورك قد يصدمك عدم قدرتك على رؤية السماء وأنت تسير في الشوارع.

أما معمار التجمعات السكنية الكبيرة، التي يسكنها ذوو الدخل المنخفض، يمكن أن تجعل السكان يشعرون بنوع من العزلة والدونية عن باقي سكان المدينة، وفكرة المجمعات السكنية بشكل عام تفاقم الشعور بالوحدة لأنها تفصل سكَّانها عن بقية الناس في المدينة وتجعلهم محصورين، في تعارفهم على الناس من حولهم، في داخل السور.

القدرة البشرية

ببساطة، لم تتطور قدرات البشر ليقدروا على العيش في هذا النوع من البيئة الاصطناعية المزدحمة؛ فالبشر بطبيعتهم مخلوقات اجتماعية ازدهرت تاريخيًّا في أُسرٍ وقبائل صغيرة نسبيًّا، ففكرة وجود ملايين الأشخاص في المدينة نفسها هو أمر جديد نسبيًّا على البشر، وكونك محاطًا بالآلاف من الأشخاص باستمرار هو أكثر مما اعتاد العقل البشري على التعامل معه.

ماذا نفعل؟

علينا أن نعيد التفكير في كيفية تخطيط مدننا، فيجب دراسة كيف يمكن لبيئتنا المادية أن تؤثر في إحساسنا بالمجتمع بطرقٍ لا ندركها، وعلينا إعادة تصميم المساحات الحضرية لمعالجة هذه المشكلات، وهذا يشمل إحداث تغييرات في كثافة وموقع السكن، وترك مساحة للمزيد من المتنزهات والمساحات الخضراء والحدائق العامة، وإنشاء الأرصفة الواسعة، وترك المساحات التي تشجع الناس على التواصل الاجتماعي بينهم خلال تنزههم.

Embed from Getty Images

أما بالنسبة لسكان هذه المدن فيجب أن يطَّلعوا على هذه المشكلة ويعرفوا أسبابها، ليبدؤوا في التعامل مع حلولها، وربما عليك اختيار مكان السكن المناسب الأقل ازدحامًا من جهة، الذي تتوفر فيه أماكن للتواصل الاجتماعي مثل الحدائق والمساحات الخضراء، ولكن الأهم من ذلك: التشجُّع لاتخاذ خطوات حقيقية للتواصل الاجتماعي مع الغرباء، فكثير من الناس لا يملكون الشجاعة ولا الفرصة لمغادرة مسقط رأسهم ويبقون في مكان واحد طوال حياتهم، وهذا يعني أنهم سيعانون الأمرَّين لو غادروا إلى مدينة أخرى كبيرة، أو سيشعرون بالوحدة عندما يغادر بعض أصدقائهم وأفراد عائلتهم مع مرور الوقت، وبالتالي لا بد من المبادرة.

وأخيرًا، يمكن الاستفادة من التكنولوجيا، بعدم الاكتفاء بها وسيلةً للتواصل مع الأصدقاء والمعارف عبر الإنترنت، ولكن باستكشاف تجمعات جديدة يمكن التفاعل معها والمشاركة في أنشطتها على أرض الواقع.

صحة

منذ 4 شهور
هل تشعر بالفراغ رغم كل مشاغلك؟ احترس فصحتك العقلية ربما تكون في خطر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد