ومنذ أن قامت إسرائيل، عملت الدولة الجديدة على ممارسة الاحتلال والنهب المادي والمعنوي للفكر والتراث الفلسطيني؛ بدايةً من الكتب والتاريخ، مرورًا بالأطعمة واللهجات، ونهايةً بالألحان والأغاني والملابس وغيرهم. وذلك من أجل التفرد وفرض السيطرة، وذلك بسبب عدم وجود تاريخ أو حضارة أو تراث للدولة الجديدة لتفتخر به، فضلًا عن وقف محاولات تربية جيل من البراعم والشباب الفلسطينيين على التراث القديم، بل العمل على محاولة تشكيل وعي جديد مزيف من قبل الدولة الإسرائيلية.

إن اختلاق الإرث هو ممارسة كثيرًا ما استغلتها السلطات بوصفها أداة حكم في المجتمعات ذات التجمعات البشرية، فهو منهج لاستخدام الذاكرة الجمعية بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي القومي، وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب توظيفي بكل ما في الكلمة من معنى. ومن هنا، ليست الذاكرة بالضرورة ذاكرة أصيلة، بل هي على الأصح، ذاكرة نافعة. – إدوارد سعيد

التراث هو كل ما خلَّفه السلف من آثار علمية وفنية وأدبية: مادية كالكتب والآثار، أو معنوية كالآراء والأنماط والعادات الحضاريّة المنتقلة جيلًا بعد جيل، حتى تكون عبرةً من الماضي ونهجًا يستقي منه الخلف الدروس ليَعبُروا بها من الماضي إلى الحاضر، ومنه إلى المستقبل.

ومن الجدير بالذكر أنّ التراث هو ليس الطابع أو الخصائص القومية بل هو أعمق من ذلك؛ فهو يعبر عن مجموع التاريخ المادي والمعنوي لحضارة معينة منذ أقدم العصور. فقد ظهرت حضارات كثيرة في أماكن أو أزمنة قديمة، ولكنها لم تلبث أن انهارت، ربما صمدت كثيرًا، ولكنها انهارت قبل العصور الحديثة، فلا يمكننا التعرف عليها إلا من خلال التراث؛ حيث إنه هو الوسيلة والبصمة المميزة التي أعطت لتلك الحضارات شخصيتها والتي استطعنا أن نستدل على عظم هذه الحضارات من خلال مبانيها الأثرية أو أساطيرها المقولية التي وصلت إلينا.

وتعتبر فلسطين مهدًا للحضارات الإنسانية، حيث مرَّ عليها إحدى وعشرون حضارة منذ الألف الثامنة قبل الميلاد، فضلًا عن كونها مهدًا للديانتين المسيحية واليهودية، فضلًا عن كونها مركزًا ومزارًا رئيسيًّا للحضارة الإسلامية. مثل هذه الحضارات العديدة مرَّت وتعايشت مع شعوب وأقوام مختلفة؛ بدايةً من القدماء المصريين والكنعانيين والفلستينيين وبني إسرائيل، والآشوريين والبابليين والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيين، والخلافة العربية، والصليبيين، والأيوبيين، والمماليك والعثمانيين، و البريطانيين، وأخيرًا الإسرائيليين بعد نكبة 1948م، بعد تهجير الآلاف من الفلسطينيين، بسبب وعد بلفور، الذي أطلقه آرثر جيمس بلفور، رئيس وزراء بريطانيا ووزير خارجيتها الأسبق، عام 1917 ليعد بإقامة دولة يهودية على الأراضي الفلسطينية.

ومنذ أن قامت إسرائيل، عملت الدولة الجديدة على ممارسة الاحتلال والنهب المادي والمعنوي للفكر والتراث الفلسطيني؛ بدايةً من الكتب والتاريخ، مرورًا بالأطعمة واللهجات، ونهايةً بالألحان والأغاني والملابس وغيرها. وذلك من أجل التفرد وفرض السيطرة، وذلك بسبب عدم وجود تاريخ أو حضارة أو تراث للدولة الجديدة لتفتخر به، فضلًا عن وقف محاولات تربية جيل من البراعم والشباب الفلسطينيين على التراث القديم، بل العمل على محاولة تشكيل وعي جديد مزيف من قبل الدولة الإسرائيلية.

وفي هذا التقرير يقدم لك ساسة بوست إحدى أبرز محاولات توثيق التراث الفلسطيني المنهوب، التي قامت عليها الفنانة الفلسطينية إميلي جاسر.

من هي إميلي جاسر؟

إميلي جاسر هي فنانة وصانعة أفلام فلسطينية، وُلدت بمدينة بيت لحم عام 1972، قضت مرحلة طفولتها في المملكة العربية السعودية، ثم انتقلت إلى إيطاليا لتقضي فترة مدرستها الثانوية، قبل أن تستكمل دراستها في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درست في كلية ممفيس للآداب. وتقضي معظم وقتها حاليًا متنقلة بين مدينتي روما بإيطاليا، ورام الله الفلسطينية.

وتنصب اهتمامات جاسر على استخدام الفن في تخليد الثراث الفلسطيني الباقي، وإعادة إحياء وتوثيق التراث الضائع والمنهوب، في ظل الصراع الإسرائيلي على إقصاء التراث الفلسطيني خارج حدود الذاكرة والتاريخ. وإلى جانب أعمالها الفنية الخاصة، فإنها تعمل مدرسةً في الأكاديمية الدولية للفنون بفلسطين منذ أن إنشائها عام 2006.

وتتميز إميلي بمهاراتها في صناعة الأفلام، وقدرتها على تصوير الفيديو، والتصوير الفوتوغرافي، وتركيب الصور، والتمثيل، وغيره. وقد أقامت عددًا من المعارض لعرض أعمالها الفنية في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، ومن أبرز المدن التي احتضنت هذه المعارض لندن، ولوس أنجلوس ونيويورك ورام الله وبيروت وغيرها.

قامت إميلي بالعديد من المشروعات الفنية منذ عام 1994، وذلك بالتعاون مع عدد كبير من المؤسسات الفنية كمؤسسة القطّان ومؤسسة المعمل للفن المعاصر ومركز خليل سكاكيني الثقافي وغيرها، كما أنها أقامت أول مؤتمر دولي للفيديو في رام الله عام 2002، وحصلت على عدد من الجوائز تقديرًا لأعمالها الفنية المتعددة. ومن أبرز مشروعاتها وأعمالها الرئيسية مشروعي Europa وEx-libris.

ولعل أعظم حرب شنها الفلسطينيون بوصفهم شعبًا هي حرب بخصوص حقهم الشرعي بحضور له ذاكرة، ومع ذلك الحضور، حقهم في الامتلاك وحقهم في استرداد واقع تاريخي جمعي، أقلّه مّذْ أنْ بدأت الحركة الصهيونية في انتهاك الأرض. – إدوارد سعيد

ملكية مهجورة

في داخل المكتبة الوطنية اليهودية بالقدس، وُضعت مجموعة من الكتب تحت عنوان «ملكية مهجورة». سعت إميلي للبحث عن مثل هذه الممتلكات، ربما وجدتها صدفة، أو ربما دلّها أحد عليها، ولكن المؤكد أن هذا تحديدًا ما كانت تبحث عنه إميلي.

آثار قهوة على أحد الأغلفة. (المصدر: موقع HiveVoices)

من ضمن حوالي ثلاثين ألفًا من الكتب التي نهبتها إسرائيل من المنازل والمكتبات والهيئات الفلسطينية، ظهر ستة آلاف كتاب على هذه الأرفف. علمت إميلي حينها أن هذا المشروع سيكون أحد أهم المشروعات في حياتها. وفي زيارتها الأولى بدأت في التفكير فيما يمكنها صنعه بهذا الكنز، فقررت في البداية أن تقوم بتوثيق الكتابات أو الأختام التي حملت أسماء أصحاب الكتب، ولكن لاحقًا بعد زيارات متعددة قامت بالتركيز على أمور أكثر دقة، لتدل على ما كان يفعله أصحاب هذه الكتب؛ فقامت بالتركيز على الهوامش والملاحظات التي دوَّنها هؤلاء، فضلًا عن الآثار والبقع التي تركتها آثار القهوة أثناء القراءة، أو شعرة شقراء سقطت بينما كانت تقرأ زوجة مالك هذا الكتاب يومًا ما قبل النكبة، أو قصاصات الورق التي شهدتها هذه الكتب.

ختم على غلاف أحد الكتب. (المصدر: موقع HiveVoices)

استخدمت جاسر هاتفها النقال فقط في توثيق ملكية الفلسطينيين لهذه الكتب، وذلك خلال زيارات متعددة للمكتبة استمرت لمدة عامين. وقامت إميلي بالبحث خلال جميع أرفف المكتبة عن بقية الكتب المنهوبة والتي تقدَّر بثلاثين ألف كتاب، ولكنها لم تجد أي شيء، كما أنها بحثت عن أي كتب بلغات مختلفة ولكنها أيضًا لم تجد شيئًا، برغم التأكيد على وجود كتب كثيرة بلغات مختلفة في هذا الوقت كالإنجليزية، والإيطالية، والإسبانية، وغيرها.

أرى أن هذه المجموعة من الكتب، والتي تقدر بستة آلاف كتاب، تم اختيارها بعناية بالغة عن طريق محتل يسعى لأهداف معينة. – إميلي جاسر

النشر

تحت عنوانEx-libris -أي البطاقة التي تلصق على الكتاب وتحمل اسم مالكه- أطلقت إميلي معرضها الأهم في تاريخ مشوارها الفني في صالة أليكساندر وبونين بمدينة نيويورك الأمريكية عام 2010، والذي يعرض نتاج ما حصلت عليه من صور. وترى جاسر أن هذا المعرض يركز على العلاقة القوية القائمة بين الكتب والأرض؛ حيث تعتبر الكتب حافظة وحامية لهذه الأرض، كما تحفظ هذه الأرض الكتب أيضًا.

صورة لمعرض الفنانة إميلي جاسر. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

هذا المشروع ليس فقط عن نهب وتدمير الكتب والتراث الفلسطيني، وإنما هو أيضًا حول العودة إلى الوطن؛ حيث إن هذه الكتب صمدت وقاومت رغم كل ما تعرضت له من سرقة ونهب وتفجيرات وغيرها، ولكن تبّقى أن يعود أصحاب هذه «الممتلكات» لاستردادها واسترداد أرضهم. – إميلي جاسر

إمضاء مالك الكتاب على كتابه. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

من يحصل على الإرث؟

استمر المعرض لمدة عامين عاملًا، حتى يتسنى للكل معرفة من صاحب هذه الكتب. بحثت خلالهم إميلي عن العائلات المذكورة في هذه الكتب، ووجدت العديد والعديد منها، لم تجد الأشخاص أنفسهم، مالكي الكتب، ولكنها وجدت عائلاتهم، بل إنها وجدت كتابًا كتبه أحد معلمي جدها في مدرسته القديمة منذ عقود.

صورة ليسوع موضوعة داخل أحد الكتب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

حاول العديد من عائلات أصحاب هذه الكتب الحصول عليها، ولكن رُفِض طلبهم من الجانب الاسرائيلي إلا في حالات قليلة جدًّا تم الموافقة على استرداد هذه الكتب، وهو ما حدث مع عائلة خليل سكاكيني، التي وافقت السلطات الإسرائيلية على نقل كتبه إلى مركز خليل السكاكيني الثقافي. ومع مرور الوقت نشأ عدد من المنظمات ومراكز الدراسات الفلسطينية، والتي تعمل على تجميع أكبر أرشيف للذاكرة الفلسطينية، وحاولت هذه المراكز أن تحصل على هذه الكتب ولكن رفضت السلطات الإسرائيلية طلبهم أيضًا.

وفي الوقت الحالي، يعمل مركز عدالة، المركز القانوني للأقليات العربية في إسرائيل، على إيجاد إطار قانوني من أجل إرجاع ملكية هذه الكتب إلى عائلات أصحابها، وقد يستند المركز على فكرة عدم وجود إمكانية للفلسطينيين لقراءة هذه الكتب داخل المكتبة الوطنية اليهودية بالقدس، كأساس قانوني لرفع دعوى بخصوص استرداد هذه الكتب، فضلًا عن استنادهم على المواثيق والقوانين الدولية التي تكفل حق حماية التراث الثقافي للحضارات والشعوب المختلفة، والتي نص عليها القانون الدولي، والاتفاقية الدولية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، والتي تم اعتمادها في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1972.

ولم تكتفِ إميلي جاسر بهذا المعرض، وإنما سعت لعرض هذه الصور على جداريات في الساحات العامة في عدد من البلدان الأوروبية والأمريكية، وذلك من أجل نشر قصتها حول العالم.

ماذا وجدت إميلي جاسر تحديدًا؟

قصاصةٌ من ورقة صغيرة، إهداءٌ، ملخصٌ لصفحة، آيةٌ قرآنية، صورةٌ ليسوع، وردةٌ مرسومةٌ، ختمٌ قديمٌ، ورقة شجرة ذابلة، شعرة شقراء قصيرة، ملاحظة جانبية في هامش الصفحة، بقعة قهوة بارزة على شكل دائرة.. كلها أشياء التقطتها إميلي جاسر لتعيد توثيق التراث الفلسطيني المنهوب.

وردة ذابلة موضوعة داخل بين صفحات أحد الكتب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

أحد الصور الموجود بمعرض الفنانة إميلي جاسر. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

آثار قهوة على صفحات أحد الكتب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

رسوم عشوائية على هوامش الكتب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

ورقة متروكة داخل أحد الكتب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

كلمات بخط اليد مكتوبة على غلاف كتاب. (المصدر: موقع AlbertoPeola)

إهداء عام 1940 على غلاف أحد الكتب. (المصدر: موقع HiveVoices)

إهداء على صفحات أحد الكتب. (المصدر: موقع HiveVoices)

عبارات مكتوبة على أحد الأغلفة. (المصدر: موقع HiveVoices)

عبارات مكتوبة على هوامش أحد الكتب عام 1355 هجري – 1937 ميلادي. (المصدر: موقع HiveVoices)

عبارات مكتوبة في صفحة من الصفحات. (المصدر: موقع HiveVoices)

عرض التعليقات
تحميل المزيد