باري أيكنغرين هو أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، ببيركلي، ومستشار السياسات العليا السابق في صندوق النقد الدولي، صدر له كتاب حديث بعنوان “امتياز باهظ: صعود وسقوط الدولار ومستقبل النظام النقدي الدولي”.

باري أيكنغرين

باري أيكنغرين

باركلي – يقول الكاتب إن اثنين من أبرز المؤسسات الاقتصادية في العالم، هما صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية ممثلة في وزيرها السابق لاري سامرز، قد حذرا مؤخرًا من أن الاقتصاد العالمي قد يواجه فترة طويلة من انخفاض أسعار الفائدة، وهنا يتساءل الكاتب لماذا يعتبر ذلك شيئًا سيئًا، وما الذي يمكن القيام به حيال ذلك؟

يجيب الكاتب بأن أسعار الفائدة كانت تهبط على مدى العقود الثلاثة الماضية وذلك في محاولة للسيطرة على التضخم، وأن مستوياتها المنخفضة الحالية تشجع المستثمرين الباحثين عن العائد، لخوض مخاطر إضافية، كما أن معدلات الفائدة المنخفضة لم تترك للبنوك المركزية مجالاً لتخفيف السياسة النقدية عند حدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي، وذلك لأن الفائدة الاسمية لا يمكن أن تهبط إلى ما دون الصفر، وهي تمثل علامات على اقتصاد يعاني من مشكلات.

معدلات الفائدة طويلة الأجل على السندات الحكومية

رسم بياني يوضح معدلات الفائدة طويلة الأجل على السندات الحكومية

 

ويتطلب تحديد المشكلة والحلول المتوقعة تشخيص الأسباب الكامنة وراءها، وللأسف لا يتوافق الاقتصاديون عند هذه النقطة، فبعضهم يشير إلى زيادة في الادخار العالمي، والذي يعزى بصورة أساسية إلى أسواق المدخرات عالية العوائد الناشئة، وهنا سيشعر القراء بأصداء حجة “تخمة الادخار” التي ذاع صيتها منذ ما يقرب من عقد من الزمان عبر أمثال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق، ألان جرينسبان، وبن برنانكي.

يوضح الكاتب أن ثمة مشكلة وحيدة هي: أن البيانات تشير إلى دليل على وجود تخمة في الادخار، فمنذ عام 1980، تقلبت معدلات الادخار العالمية ما بين 22٪ و24٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع الميل قليلاً إلى الاتجاه صعودًا أو هبوطًا.

ويؤكد الكاتب أنه حتى لو تجاوزت معدلات الادخار العالمية قليلاً حاجز 24٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2014، فإنه من غير المحتمل أن تظل لفترة طويلة على هذا الارتفاع. فمستوى الادخار في الصين سيهبط مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتخلي السلطات الصينية عن سيطرتها على أسعار الفائدة على الودائع المصرفية، وإعادة توازن الاقتصاد نحو الاستهلاك، إلا أن ذلك سيكون حقيقيًّا بالنسبة للأسواق الناشئة الأخرى كذلك، بسبب انخفاض معدلات نموها بالمثل من الزيادات الاستثنائية التي حدثت في نهاية العقد الماضي.

وتنطبق نفس وجهة الاعتراض هذه على الحجج التي تقول إن انخفاض أسعار الفائدة هو سبب التركيز المتزايد للدخل والثروة، فمن المعقول أن يستهلك الأثرياء نسبة أقل من دخلهم، والاتجاهات الحديثة الخاصة بالدخل وتوزيع الثروة تثير القلق للعديد من الأسباب، ولكن للتأثير على أسعار الفائدة العالمية، فلا بد أن تترجم هذه الاتجاهات إلى زيادة في المدخرات العالمية. والأدلة على ذلك ليست متوافرة.

ويوضح الكاتب أن التفسير الثاني لانخفاض أسعار الفائدة هو ندرة المشاريع الاستثمارية الجذابة. ولكن هذا لا يبدو تشخيصًا لمشكلة أسواق الأسهم، لا سيما في الولايات المتحدة؛ حيث يتم تداول الأسهم بأسعار قياسية، وهذا يتسق بصعوبة مع حماس الرأسماليين الذين يستثمرون في شركات تسويق التكنولوجيات الجديدة.

وبعض الاقتصاديين، بقيادة روبرت جوردون من جامعة نورث وسترن، يزعمون أنه – على الرغم من تقييم سوق الأسهم – فقد وُظفت كل الاختراعات العظيمة. فالإمكانيات التجارية للإنترنت، ومشروع الجينوم البشري، والروبوتات لا تمثل شيئًا كبيرًا بالمقارنة مع عجلة الغزل والمحرك البخاري، والسباكة في الأماكن المغلقة.

ربما يكون الأمر كذلك – يقول الكاتب – ولكن من الجدير الأخذ في الاعتبار أن المشككين في التكنولوجيا كانوا طوال الوقت على خطأ منذ 200 سنة؛ حيث يشير التاريخ إلى أنه في حين أنك قد لا نعرف كيف ستكون الاختراعات ذات العوائد المرتفعة في المستقبل، فبإمكاننا أن نكون واثقين من أنه سيكون هناك بعض الاختراعات.

آخرون، مثل زعيمة الاحتياطي الفيدرالي الحالي، جانيت يلين، التي تشير إلى أن معدلات الاستثمار والفائدة منكمشة نتيجة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والقوى العاملة خلال الكساد العظيم، على وجه التحديد، فقد تآكلت المهارات والروح المعنوية للعاطلين عن العمل على المدى الطويل، وببعدهم عن سوق العمل، فإنها يفتقدون الدخل الذي يمكنهم إنفاقه؛ وبسبب كونهم عاطلين عن العمل على المدى الطويل، فلا تنجذب أنظار أرباب العمل إليهم.

ويخلص كاتب المقال إلى أنه نتيجة لذلك، فإن شركات ترى طلبًا غير كافٍ على منتجاتها، ونقصًا في العمالة المؤهلة للانضمام لخطوط التجميع الخاصة بهم. والنتيجة هي انخفاض الإنفاق الرأسمالي، والذي هو أحد الحالات الشاذة للانتعاش الحالي، والذي بدوره يمكن أن يفسر جوانب مقلقة أخرى تخص الانتعاش، بدءً من النمو البطيء وصولاً لأسعار الفائدة المنخفضة.

هذه الحجة لها ميزة كبيرة – كما يقول الكاتب – ولكن على الرغم من أنها يمكن أن تفسر لماذا كان الإنفاق الرأسمالي ضئيلاً وكانت معدلات الفائدة منخفضة على مدى السنوات الثلاث الماضية، فإنها لا يمكن أن تفسر لماذا كانت النفقات الرأسمالية غير كافية لمنع معدلات الفائدة من الهبوط لأكثر من ثلاثة عقود. وهنا فإن التفسير الوحيد الذي لا يزال منطقيًا هو التحول في تركيبة النشاط بعيدًا عن أشكال الإنتاج كثيفة رأس المال، مثل الصناعات التحويلية، إلى أنشطة كثيفة رأس المال أقل، مثل الخدمات.

ويوضح الكاتب أنه إذا كان هذا الاضطراب له أسباب متعددة، فمن ثم يجب أن يكون هناك علاجات متعددة. ينبغي أن يكون هناك حوافز ضريبية للشركات لتوظيف العاطلين عن العمل على المدى الطويل؛ ومزيد من الإنفاق العام على البنية التحتية والتعليم والبحوث للتعويض عن النقص في الإنفاق الرأسمالي الخاص؛ وستظل متطلبات رأس المال الأعلى للبنوك وتعزيز تنظيم المؤسسات المالية غير البنكية تمنعهم من الإفراط في خوض المجازفة.

يختم الكاتب المقال بالقول إنه يتعين على البنوك المركزية أن تحدد هدفًا أعلى للتضخم، وهو ما سيمنحهم مجالاً أكبر لخفض أسعار الفائدة الاسمية ردًّا على التباطؤ في المستقبل، وهذا ليس شيئًا تحرص رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الجديدة على إنشائه في سبيل مكافحة التضخم. ولكن هذا ما تشير إليه مبرراتها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد