مع بداية الهجوم العسكري على طرابلس في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي، تمكنت قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر من السيطرة على أجزاء واسعة من مدن غرب ليبيا دون قتال، ومن أهم تلك المدن صبراتة، وصرمان، وغريان، وترهونة.

بيد أن سقوط غريان الاستراتيجية، قرّب حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا من مشارف مدينة ترهونة، حيث تستمر الآن الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الطرفين، ويتوقع المراقبون أن تؤدي هذه المعارك لانهيار في صفوف قوات حفتر، ووقوع تداعيات كبيرة على المشهد العسكري لصالح حكومة الوفاق؛ فترهونة مدينة لا تفصلها عن طرابلس أي مساحات جغرافية، وبخسارتها سيكون حفتر انتهى وجوديًّا في الغرب الليبي.

الوفاق تقترب من السيطرة على ترهونة

بعد خسارة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر لمدينة غريان، التي تقع على بعد 100 كم جنوب طرابلس في يوليو (تموز) الماضي، واصلت قوات حكومة الوفاق الزحف حتى مشارف مدينة ترهونة (90 كم جنوب شرق طرابلس)، حتى تقدمت في نهاية أغسطس (آب) الماضي، نحو المدينة من عدة محاور تقع شرق العاصمة، وأجبرت «اللواء التاسع» على الانسحاب  إلى ما وراء الحدود الإدارية للمدينة، ليصبح الآن هدف عناصر اللواء حماية مواقعهم جنوبي العاصمة.

قوات التحالف في اشتباكات مع مجموعة اللواء السابع ببلدة ترهونة

قبل أيام تمكنت قوات حكومة الوفاق من حصار مدينة ترهونة، بتقدمها في أكثر من محور باتجاه المدينة، التي تعد القاعدة الثانية لحفتر في حربه على طرابلس، بعد سقوط قاعدته الأولى، وهي مدينة غريان التي سقطت في أواخر يونيو (حزيران) الماضي.

يقول المحلل السياسي الليبي عادل عبد الكافي إن ميليشيات حفتر في انهيار مستمر؛ بسبب هجمات قوات حكومة الوفاق والقوة المساندة لها، إذ أسفرت تلك الهجمات عن قطع خطوط الإمداد التي تزود قوات حفتر، خاصة بعد السيطرة على غرفة عمليات غريان، ومن بعدها العربان، ومن قبلها الهجوم من تسعة محاور، وهي تحركات متزامنة مع عمليات قتالية للسلاح الجوي الليبي (الوفاق)، والتي قضت تقريبًا على معظم خطوط إمداد هذه القوات.

ويبين عبد الكافي لـ«ساسة بوست» أن ترهونة شبه محاصرة بعد اقتحام قوات حكومة الوفاق والقوة المساندة لمدينة العربان، التي تبعد 75 كيلو مترًا عن ترهونة، حيث بدأ حصارها من عدة محاور أخرى كمحور الزطارنة، وذلك مع تضيق الخناق عليها مع ضربات السلاح الجوي الليبي على مدار اليوم، وهو التكتيك الذي أدى لاستنزاف العتاد العسكري لقوات حفتر داخل المدينة وإضعاف قدرتهم القتالية، والذي يأتي بالتزامن مع استهداف قاعدة الجفرة التي تعد نقطة الارتكاز في تجمع المرتزقة الجنجويد والإماراتيين، والتي تدار منها غرفة عمليات الطائرات المسيرة، مما يتيح تقدم العمليات العسكرية بفاعلية جوًّا وبرًّا.

فإذا ما وقعت السيطرة على ترهونة – كما يقول عبد الكافي- فلن يكون لحفتر أي وجود عسكري في المنطقة الغربية، مضيفًا: «ترهونة، وهي آخر أهم معاقل حفتر في المنطقة الغربية، تجمع ميليشيات الكانيات (نسبة إلى قبيلة ليبية)، وبقايا الكتائب الأمنية للرئيس الراحل معمر القذافي، وتعد من أهم خطوط الإمداد لبقايا مليشيات حفتر في جنوب طرابلس، وبحصار المدينة ومقتل محسن الكاني وعبد الوهاب المقري (قادة لدى حفتر)، فقد أصبحت تلك الكتائب الأمنية بدون قيادة، وفي حالة تخبط وصراع على القيادة والسيطرة فيما بينها».

جعجعة دون طحين.. لماذا فشل حفتر حتى الآن في دخول طرابلس؟

حلم السيطرة على طرابلس ينتهي بسقوط ترهونة

تلقى حفتر ضربة قوية، منتصف هذا الشهر، حين قُتل ثلاثة من أبرز قادة قواته المتمركزين في محيط العاصمة، فقد قتل أبرز قادته بترهونة العقيد عبد الوهاب المقري، الذي تولّى إمرة «اللواء التاسع» بالتزامن مع معركة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس في أوائل أبريل الماضي.

مقاتلون موالون لحكومة الوفاق في منطقة السواني جنوب طرابلس

كذلك، قتل أبرز قادة ميليشيا الكانيات (نسبة لقبيلته) محسن الكاني، تلك الميليشا التي تعد من أقوى المجاميع المسلّحة في المدينة، وأيضًا شقيقه القائد الميداني عبد العظيم.

يقول الناشط السياسي الليبي محمد أحمد جبريل إنه بعد مقتل أبرز قادة ميليشيات حفتر في جنوب طرابلس وقع تخبط وارتباك كبير بين عناصر تلك الميليشيات؛ فمقتل القادة الثلاثة فيما يعرف بـ«اللواء التاسع» التابع لحفتر في ترهونة له تأثير كبير، وسيغير من مجريات المعركة، وسيسرع من السيطرة على المدينة وإعادتها لقوات الوفاق.

ويبين جبريل أن قوات حفتر التي صبت جل غضبها على أسرى من قوات الوفاق، فصفت العديد منهم مؤخرًا، وشنت حملة اعتقالات كبيره في المدينة، يعيشون في قلق وخوف مما ستؤول إليه الأوضاع بعد جر مدينتهم إلى حرب خاسرة.

ويضيف جبريل: «جاءت هذه الضربة في وقت هددت ميليشيات ترهونة بانسحابها من المعركة، ودخولها في مفاوضات مباشرة مع الوفاق؛ بسبب الخلافات التي نشبت مؤخرًا بينها وبين ميليشيات أخرى قادمة من الشرق الليبي، وبسبب نقص الدعم المقدم لها من حفتر، ولمخاوف من تركها وحيدة تواجه مصيرها، بعد أخبار تفيد بعزم حفتر الانسحاب من مناطق سيطرته في المنطقة الغربية».

ويصف جبريل خلال حديثه لـ«ساسة بوست» الوضع في مدينة ترهونة بأنه محتقن وفوضوي؛ فبعد الانتصارات التي حققتها قوات حكومة الوفاق، وتقدمها ووصولها إلى مشارف المدينة، أصبحت علامات الانكسار والتقهقر جلية وواضحة على مليشيات حفتر فيها، خاصة أن الأخيرة تعد الحاضنة والقوة الأكبر لميليشيات حفتر في المنطقة الغربية، ومركزًا لانطلاق العدوان على طرابلس، وهي المدينة التي عول عليها حفتر لدخول العاصمة؛ لكون أغلبية الأهالي في المدينة مناصرين له بحكم القبلية.

ويستبعد جبريل أن يضطر حفتر للاستسلام في الوقت القريب؛ لأنه ما زال يمتلك العديد من الأوراق التي يستمد منها قوته لفرض نفسه طرفً قويًّا في ليبيا، ولإيهام المجتمع الدولي بأنه لا يمكن استبعاده من أي خارطة طريق، لكنه يستدرك قائلًا: «لكن سقوط مدينة ترهونة يعني إنهاء وجود ميليشيات حفتر في المنطقة الغربية، وهو أيضًا بمثابة القضاء على حلم حفتر بالسيطرة على طرابلس، وفشل مخطط الدول الداعمة له».

ما الذي تعنيه خسارة ترهونة لحفتر؟

«حفتر لم يعد يمتلك مواقع استراتيجية تمكّنه من حماية تمركزاته الرئيسية بالمنطقة، سقوط العربان يعني وقوع ترهونة بين فكي كماشة»

هذا ما قاله المتحدث الرسمي باسم المركز الإعلامي لعملية «بركان الغضب»، التابعة لقوات الوفاق مصطفى المجعي.

تظاهرة مناهضة لحفتر

كما أضاف المجعي أنّ: «أهمية التقدم باتجاه العربان بالنسبة لقوات الجيش، هو وضع ترهونة بين طرفي كماشة، فحصارنا لقوات حفتر بها يقطع من جهتين: جهة العربان، ومن جهة الزطارنة التي تقدمنا فيها قبل أيام، أي تقدم جديد لقوات الجيش في منطقة سوق الخميس، يعني الإطباق على قوات حفتر داخل ترهونة».

فيما يرى عضو البرلمان الليبي المؤيد  لعمليات حفتر في طرابلس، جبريل أوحيدة، أن «ترهونة مدينة شديدة البأس، وتكاد تكون تركيبة اجتماعية واحدة، وانتماؤها القبلي معروف أنه موال للقيادة العامة (حفتر)، وهي تختلف تمامًا عن مدينة غريان، فلا توجد بها حاضنة موالية لطرابلس ومصراتة».

ويتابع القول لـ«عربي21» إن: «هذه المدينة كانت خصمًا شرسًا في الحرب السابقة للسيطرة على العاصمة، لذا فإن سيطرة (خصوم الجيش) على هذه المدينة، هو ضرب من الخيال، إلا إذا حدثت خيانة من داخلها تكون مدفوعة الثمن من حكومة السراج على غرار غريان».

وتعي حكومة الوفاق أهمية السيطرة على ترهونة من أجل إنقاذ العاصمة طرابلس؛ فالمدينة التي أصبحت شبه محاصرة يعني سقوطها إتاحة الهجوم على قاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية، وإنهاء وجود قوات حفتر في مدن وبلدات إقليم فزان (جنوب غرب).

يقول الأكاديمي الليبي بـ«جامعة مصراتة» محمد إسماعيل، إن حفتر بخسارته ترهونة سيفقد القواعد التي ينطلق منها لمهاجمة العاصمة طرابلس، ولن تتبقى له إلا بعض النقاط الصغيرة في الغرب أو البعيدة في الجنوب، ويضيف إسماعيل الذي يستبعد أن يستسلم حفتر لكونه يبسط سيطرته على جزء كبير في الشرق الليبي: «ربما تؤثر الهزيمة في ترهونة على وضعه هناك، وبالتأكيد سيصعب موقفه التفاوضي المرتقب، فهذه الحرب مدعومة من أطراف خارجية، سواء المعتدي الغازي أو المدافع».

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «على كل حال اعتاد حفتر على الحروب الطويلة، ولكن في هذه الحرب، خسر وافتقد شيئًا مهمًّا، وهو المبرر المقنع والحاضنة الشعبية الداعمة، فقد كان يمني نفسه بانضمام سكان العاصمة، ولكن هذا لم يحدث».

هل حقًا يريد حفتر الانسحاب من طرابلس؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد