“هي ثورة تائهة لأنها بدأت حديثة وانتهت بتسلم جماعة تقليدية زمام الأغلبية الشعبية والسلطة، هي ثورة تائهة لأنها هدمت قيم النظام القديم المتخلفة ولم تفرض قيمها ولم تُقم نظامها، هي ثورة تائهة لأن القوة التي تولت السلطة باسمها تبدو هي الأخري تائهة” هكذا يقدم عبد العظيم حماد كتابه “الثورة تائهة”.

ذلك الكتاب الذي رفضت نشره دور كبيرة كالشروق والمصرية اللبنانية خوفًا من الملاحقة، لينشره الكاتب في نهاية 2012 مع دار المحروسة، بعد وقت كبير من التأجيل.

وأما عن أهمية الكتاب فمصدرها أمران أساسيان، أولهما هو أنه قد يكون الكتاب الوحيد الناقل لما كان يحدث في كواليس ثورة يناير، وكيف كان أعضاء المجلس العسكري يفكرون ويديرون أمورهم مع الميدان. وثانيهما هي مكانة كاتبه، حيث شغل عبد العظيم حماد منصب رئيس تحرير أكبر الجرائد القومية – الأهرام – في الفترة من 31 سبتمبر 2011 وحتى 19 فبراير 2012 شاهدًا بنفسه ومن منصبه على كيفية صنع القرار السياسي في فترة من أصعب الفترات في عمر البلاد.

1- الإخوان كشريك أساسي في توهان الثورة

يري عبد العظيم حماد أنه مع الاعتراف بصمود ومعاناة الكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمون فالجماعة لم تكن هي القوة التي زلزلت أركان نظام مبارك، صحيح كانت الجماعة تعمل ضد النظام أحيانًا لكن كانت تنسق معه أحيانًا أخرى، وذلك منذ تولي مبارك السلطة عام 1981، وحتى انقلب النظام عليها بدءًا من منتصف التسعينات، متمثلاً ذلك الانقلاب في القضية المعروفة بـ “سلسبيل”، ليعود الطرفان للتنسيق من جديد في انتخابات مجلس الشعب 2005 بالرغم من قضية ميليشيات الأزهر.

هذا الأمر الذي اعترف به المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف: حيث إن الجماعة عقدت اتفاقًا مع الحكومة على حصة في برلمان 2005، وأن الدكتور محمد مرسي هو الذي تولى التسنيق مع رئيس أمن الدولة السابق حسن عبد الرحمن للحصول على نصيب من المقاعد في انتخابات 2010، إلا أن الحزب الوطني هو من رفض.

لكن ماذا تحديدًا كان تأثير الإخوان في عملية “التوهان”؟ وفق عبد العظيم حماد فإن وصول السلطة لجماعة الإخوان كان أكبر تتويج لعملية التوهان تلك، حيث الاعتراض ليس على مشاركتهم السياسية أو انتخابهم، فهذا حقهم السياسي والديمقراطي، لكن أين كانت كل القوى السياسية، ولماذ ظلت متفرقة؟ كيف وصلت السلطة لتنظيم امتلك من العجز بعد توليه السلطة ما جعله يعتمد على رجال ثورة يوليو في وزارات أساسية كـ الخارجية والدفاع والداخلية والمالية. لا حبًّا في المشاركة لكن فقرًا واضطرارًا.

تنظيم المخفي من جبل ثلجه أكبر من المعلن، يقولون إن حزب الحرية والعدالة ملتزم بمدنية الدولة ونبذ العنف. لكن أين محاضر المناقشات التي أدت لذلك؟ من أيد ومن عارض داخل الجماعة؟ وما حجج المعارضين، وأسباب المؤيدين؟ ثم أين من التأكيدات والالتزامات ما يؤكد جدية هذا الحديث مع الشعب والتاريخ؟

مثل هذه الوثائق حول مراجعات الجماعة الفكرية يؤكد حماد أنها غير موجودة، لكنها كانت مهمة لإقناع المؤيد قبل المعارض، بل وتلزم عضو الجماعة نفسه الذي كان عليه أن يشارك في مثل هذه الحوارات، وهو الأمر الذي ما سمعنا به. بل على العكس سمعنا وشهدنا العنف في الجماعة، أمام مجلس “شعبهم”، وما فعلوه من مواجهة المتظاهرين في المقطم والاتحادية، ونزولهم لاستعراض القوة في جمعة كشف الحساب (12 أكتوبر).

هذه الأمور مع غيرها عن تاريخ العنف داخل الجماعة – وفقًا لرؤية حماد-، بداية من تخطيط مؤسس الجماعة، حسن البنا لاغتيال محمود فهمي النقراشي، أو القاضي الخازندار، أو تخطيطه لتفجير دور السينما والملاهي الخاصة باليهود المصريين ردًّا على اغتصاب الصهيونية لفلسطين وفقًا لوصفه، تجعلنا نسأل: أين هي الوثائق التي تشرح لنا تصور الجماعة لماضيها؟ وأين أخطأت ولماذا؟ وأين أصابت؟ وأين أخطأ الآخرون؟ وما هو موقف الجماعة وحزبها من تيارات الإسلام السياسي الأخرى؟

كل هذه الأسئلة لم يكن يكفي برنامج انتخابي للرد عليها، كل هذه الردود يدعي الكاتب أنها لم تكن مدرجة على جدول أعمال الجماعة، ويدعي أيضًا أن مكتب الإرشاد لم يفكر لحظة في إطلاع الرأي العام أو أعضاء الجماعة عن آلية اتخاذ القرار داخل الجماعة. الأمر الذي كان من شأنه أن يساهم في فك اللبس عن ازدواجيتهم حينما رفضوا قرض صندوق النقد الدولي في عهد حكومة الجنزوري الأولى ثم سعوا هم له بعد توليهم الرئاسة مثلاً!

2- فن كسر مبارك لوزير الدفاع

“السلاح في مكان، والذخيرة في مكان ثاني، والوقود في مكان ثالث. ولا يتم الجمع بينها إلا بأمر من القائد العام شخصيًّا” هكذا تعلم مبارك السيطرة على الجيش وجعله غير خطر على دولته وحكمه. حيث عمل مبارك منذ أول أيامه كرئيس على قص أجنحة الجيش، وجعله خاضعًا له.

وقد بدأ مبارك ذلك بخلع المشير “أبو غزالة” بمجرد أن شعر تجاهه بالقوة، فيروي عبد العظيم حماد كيف أنه في أحد أعياد نصر أكتوبر قام التلفزيون المصري باستضافة “أبو غزالة” في حلقة استمرت ساعتين، ظهر خلالها للشعب كيف كان أبو غزالة مثقفًا، واعيًا، متحدثًا مفوهًا، خفيف الظل. ليستمر حديث الشعب عن شخصية “أبو غزالة” وتلك الحلقة شهرين كاملين. وليتصل مبارك بـ”أبو غزالة” بعدها آمرًا إياه بعدم الظهور في الإعلام دون إذن منه. وليقرر بعدها بفترة قصيرة عزله تمامًا.

ونرى كسر مبارك المتعمد من جديد مع خلف “أبو غزالة”، المشير صبري أبو طالب في أمر بسيط طلبه أبو طالب من مبارك، بأن يقوم بتجديد مقر إقامة وزير الدفاع، وكابينة وزير الدفاع بالمنتزه، فيكون رد مبارك الغضب وإيقاف أعمال التجديد في منزل “الحلمية” وكابينة “المنتزة”.

3- طنطاوي.. وزير الدفاع الخاضع

وفقًا لحماد، لن يستطيع أحد فهم ثورة يناير وتعرجاتها دون أن يحاول فهم شخصية المشير طنطاوي، الرجل الذي تسلم قيادة البلاد بعد مبارك. أما تفسير لماذا قرر طنطاوي قيادة المرحلة بمجلس عسكري وليس بنفسه منفردًا، فيفسر حماد ذلك بحرص الرجل على وحدة القوات المسلحة، فطنطاوي لم يكن ذا شعبية بين صفوف الضباط، كما أنه كان هناك أسلحة بالجيش كان نفوذ عائلة مبارك فيها أقوى من نفوذ طنطاوي، فكان هذا النمط إغلاقًا لأي تحالف أو انقلاب قد يتم ضده.

وكما يرى حماد فإن هناك بالطبع أسباب أخرى تتعلق بشخصية طنطاوي نفسه، منها سنه ومرضه، وهنا يسرد الكاتب عدة وقائع تظهر ضعف شخصية الرجل ودرجة خضوعه لمبارك وأنه كان محمّلاً بأفضال من مبارك قبل أن يصبح مشيرًا. من تلك الأمثال التي يسردها عبد العظيم حماد كان مثل عبارة السلام 98، وكيف أن الجيش كان أحد المسئولين الأساسيين عن موت 1500 مصري، وذلك بعدم استجابة مركز البحث والإغاثة التابع للقوات المسلحة لاستغاثات السفينة البالغ عددها 17 إشارة استغاثة.

وكيف أن الجيش حاول التنصل من المسئولية، حتى إن طنطاوي اجتمع مع لجنة التحقيق التي كونها مجلس الشعب وقال لهم: “القوات المسلحة لا تسأل ولا يحقق معها، وهي فوق المساءلة والتحقيق”، وحينما رد عليه حمدي الطحان عضو اللجنة البرلمانية بأن القوات المسلحة لم تؤدِ واجبها، وأنها بعد انتشال الجثث لم ترسل حتى سيارت لنقلها، كان رد طنطاوي المظهر لاستسلامه وضعف حجته: “إن أحدًا لم يبلغنا”.

وفي واقعة أخرى، وكجزء من عملية ترويض مبارك للجيش وطنطاوي يروي الكاتب كيف عندما طلب طنطاوي نجمة الشرف لضابط كان قد استشهد في الكويت، كانت سخرية مبارك منه أمام الوزراء: “ايه يا حسين.. نقيب ايه اللي انت طالبله نجمة الشرف.. هو احنا بنبيع فجل”، وتركه ليصافح من يليه من وزراء.

أما أساس وبداية هذا الخضوع والروح المستكينة والانكسار فهو مرتبط باختيار طنطاوي لوزارة الدفاع بالأساس، فوفق عبد العظيم حماد فإن طنطاوي أثناء الفحص الطبي لقادة القوات المسلحة ثبت عدم لياقته الصحية حيث كان يعاني في القلب والكبد، لكن الرئيس استبقاه رغم ذلك، بل أتى به وزيرًا للدفاع دون أن يمر – كما جرت العادة – بمنصب رئيس الأركان، وذلك ليضمن ولاءه وخضوعه.

4- الجيش وأبناء مبارك

لعله من المعروف أن الجيش كان يجد حساسية في محاولة توريث مبارك الحكم لابنه، وأما عن شواهد ذلك فهي كثيرة، وسنعرض مشهدين مما ذكرهم حماد في كتابه:

الأول (مظلة يخت الرئيس): وليس هناك أدل على نظرة طنطاوي لعائلة مبارك من ذلك الموقف؛ حيث كلف مبارك شركة النيل للطرق والكباري بتصميم مرسى بحري ليخته بشرم الشيخ، وبالفعل قامت الشركة بتنفيذ المرسى وفق المواصفات العالمية، إلا أن تصميم المرسى لم يرضي علاء مبارك، وسأل لماذا لم تمتد المظلة لتغطي سطح اليخت أثناء رسوه، الأمر الذي يجعل اليخت عرضه لفضلات الطيور. وعبثًا حاول مهندس الشركة توضيح خطورة ذلك على متانة الرصيف عند هبوب رياح، إلا أن علاء لم يقبل هذا التفسير وكان قراره إحالة المشروع للقوات المسلحة. وبالفعل ذهب مندوب من وزارة النقل لشرح المطلوب من المشير طنطاوي، فيروي ذلك المندوب – المهندس شبانة – كيف طلب منه المشير بكل تهذيب الانتظار خارج الغرفة “حتي يسب على راحته”، ليقر بعد سبه بتوفير المبلغ المطلوب.

الثاني (جمال وشراء ديون الجيش): تلك الصفقات التي حكى عنها محمد طعيمة في كتابه “جمهوركية آل مبارك” الكثير، وهنا في كتاب عبد العظيم حماد تم إلقاء نظرة عليها أيضًا. ففي إحدى الصفقات مع الصين كانت مصر مدانة بمبلغ 200 مليون دولار، سددت منهم 30 مليونًا فقط، فكًلف أحد لواءات القوات المسلحة بتصديق من الفريق أحمد نصر قائد القوات الجوية وقتها بالتفاوض مع الجانب الصيني، ليفاجأ الرجل في الصين والملحق العسكري يبلغه أن جمال مبارك قد اشترى القرض، وليصبح الجيش مدين بسداد القرض لجمال مبارك، تلك الأموال التي سددها جمال بالطبع من خزينة الدولة المصرية، ليحصل من صفقة كتلك على مكسب لصالحه متمثل في فوائد القرض.

عرض التعليقات
تحميل المزيد