أمينة عامة للحزب، في سابع عهدة على التوالي!

لويزة حنون، الاسم الأنثوي الذي يصارع الرجال في عالم سياسي متقلب ومعقد، وضمن تحولات عنيفة شهدتها الجزائر مطلع التسعينات من القرن الماضي، أو المرأة الحديدية كما يسميها البعض تخوض لأزيد من خمس وعشرين سنة معارك سياسية ضد الجميع بما فيها السلطة والمعارضة. حنون عرفت بالنضال الطلابي بجامعة عنابة (أقصى الشرق الجزائري) بداية الثمانينات والتحقت بالتنظيم السري لليساريين في سن مبكرة، وتمكث حتى الآن ومنذ ثلاث وعشرين سنة كاملة على رأس قيادة حزب العمال ومن دون منافس، أي للعهدة السابعة على التّوالي.

“لويزة حنون” عرفت بمواقف ومسار جد متناقض في الحياة السياسية، فكانت مطلع التسعينات قريبة من قيادة الفيس المنحل، وحاولت استثمار مساعداتها لعائلات المفقودين طويلاً لصالح سياستها وحزبها، كما التقت في السنوات الأخيرة بقائد أركان الجيش الجزائري “القايد صالح”، وساهمت في فوز “بوتفليقة” بعهدة رابعة رغم أنها كانت مرشحة للرئاسيات الذي يعتبر في معادلة المنافسة خصمًا قويًّا لها. “لويزة حنون” سارت بشكل غير طبيعي بين أمواج السياسة وتلونت في الكثير من مواقفها تجاه عدة قضايا، ما عدا نظرتها وموقفها من قانون الأسرة الذي تعمل كل ما في وسعها لتجريده من أحكام الشريعة الإسلامية، والذي تصفه بالقانون الرجعي.

ويكشف المجاهد والحقوقي “حسين زهوان” في حوار له مع صحيفة الشروق، أن “حنون” كانت ضمن فرع تروتسكي سري بالعاصمة رفقة “مصطفى بن محمد”، وتم اعتقالهما سنة 1984 بعدما وجدت مصالح الأمن منشورات في السيارة بحي بن عكنون بالجزائر العاصمة، وتم إطلاق سراحهم دون محاكمة في ظروف غامضة. كما يكشف ذات المتحدث أن “حنون” كانت ضمن مجموعة المحامي “عمر منور” الذي قال عنه يدعي الظهور أمام الرأي العام كمحامٍ، لكنه يخدم مصالح السلطة وجهات في النظام، وهو ما تعكسه صورة “لويزة حنون” حاليًا وبشكل واضح كما تتداوله الأوساط الإعلامية والسياسية.

 

برلمانية، لا تعترف بشرعية البرلمان!

 

كما يخفى على الكثير من الجزائريين أن زعيمة حزب العمال “لويزة حنون” برلمانية لرابع مرة، هذا البرلمان الذي تدعو إلى حله وعدم الاعتراف بشرعيته منذ سنوات، ما يجعل البعض يتهمها بأنها لا تعرف من البرلمان سوى راتبه المغري، والذي يقدر بأكثر من ثلاثين مليون سنتيم جزائري شهريًّا، حيث انتخبت في تشريعيات 2012 في البرلمان الجزائري عن الجزائر العاصمة، وهذا منذ عام 1997.

وكغيرها من اليساريين المغاربة، تعتبر “حنون” خصمًا سياسيًّا وأيديولوجيًّا للإسلاميين، فكل ما يعتبره التيار الإسلامي ثوابت تعتبره هي رجعية وتخلف، وكل ما يعتبره هو مسخًا وانحلالًا تعتبره هي تفتحًا وتطورًا، وهي لا تضيع فرصة لإظهار هذا التوجه، خاصة في ما تعلق بمشاريع قوانين الأسرة والمرأة وتعميم اللغة العربية، ومع هذا عرفت علاقتها بالإسلاميين -خاصة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحل (الفيس)- في مطلع التسعينات محطات تقارب كثيرة، بالإضافة إلى مرافعتها لصالح عائلات المفقودين، وفسرت بعدها أنه سلوك سياسي وإعلامي من أجل التموقع السياسي وكسب تأييد شريحة كبيرة من الجزائريين في الانتخابات، ودليل ذلك عدم وجود أي محاولة جادة لحل هذا الملف المعلق منذ أكثر من عقدين.

كما شاركت في العديد من المواقف الدولية المعادية للسياسات الأمريكية بالمنطقة، كرفضها للعدوان الأمريكي على العراق، حيث نسقت ميدانيًّا مسيرة أوقعتها جنبًا إلى جنب مع قيادات التيار الإسلامي، وشاركت في عدة مهرجانات ومسيرات لصالح فلسطين ولبنان أثناء العدوان الإسرائيلي. ويسرد رفيق الراحل “محفوظ نحناح” وهو السائق الشخصي له “محمد قرشوش” حادثة طريفة لـ”لويزة حنون” مع رئيس حركة المجتمع الإسلامي أثناء لقاء الرئيس السابق للجزائر “اليامين زروال” مع رؤساء الأحزاب في ظل الأزمة الأمنية، حيث دعا الراحل “نحناح” “حنون” لركوب السيارة بعد حدوث عطل لسيارتها، ومخاطبًا إياها داخل السيارة بنبرة المزاح: ((لسانك قبيح))، في حين ردت هي: ((حتى أنت عند روحك)).

 

العياشي حميدة: حنون أكذوبة سياسية!

 

وفي مقال مطوّل للكاتب الصحفي “حميدة العياشي”، وصف زعيمة حزب العمال “حنون” بالسياسي الشره، واستطرد أهميتها في الشأن السياسي الجزائري بخوضها كل المعارك السياسية وركوب الأمواج وحمل كل الرايات بهدف البقاء في مقدمة المشهد السياسي، وقلل من شأنها واصفًا إياها بالظاهرة الشفوية والصوتية، مضيفًا أنها تستحق دون شك ودون مبالغة لقب الديناصورة السياسية الجزائرية.

مبرزًا “العياشي” جزءًا غير معروف لدى الكثير من الجزائريين من حياتها النضالية، لتورطها في الانضمام إلى اليسار المتطرف المنتمي للأممية الرابعة والمدعوم من الشيوعي الروسي “ليهون تروفسكي”، وقد عرفت في بداية طريقها النضالي شيئًا من المضايقات بسبب نشاطها السري وكذلك أحلامها في سبيل ثورة البروميتاليا التي ظلت مجرد حلم أوباري جميل.

كما أشار صاحب صحيفة “الجزائر نيوز” الموقفة بسبب معارضتها للسلطة، أن “حنون” أصبحت تتمتع بقرب لدى صناع القرار، مكّنها من اقتراح شخصيات مقربة منها وموالية في مناصب حكومية عليا، ولو أنها من خارج الحزب، لكنها تتمتع بنفس الأفكار والطرح الأيديولوجي ونفس مسار النضال اليساري. وكل هذا في ظل وظيفتها السياسية ضمن المعارضة والممانعة في المشاركة بأي حكومة تحت الغطاء الحزبي، فتارة تدافع عن وزيرة التربية “نورية رمعون بن غبريط” صاحبة مشروع إدراج الدارجة كلغة تدريس مكان اللغة العربية، وتارة تهاجم بشدة وزيرة الثقافة السابقة “نادية لعبيدي” التي حاولت تطهير قطاع الثقافة من الجهات الموالية لصديقة نضالها “خليدة مسعودي”.

 

مقري” يقصف “لويزة” بالثقيل.. والغريب أنها لم ترد!

وأثناء الحملة الانتخابية لرئاسيات أبريل 2014، ضرب “عبد الرزاق مقري” رئيس حركة مجتمع السلم “لويزة حنون” في العمق، وتناول من خلال صفحته على فيس بوك حقائق جد مثيرة عن حياة هذه الزعيمة التروتيسكية، ومواقفها من الجزائر إبان العشرية السوداء التي عرفت مقتل أكثر من مائتين وخمسين ألف جزائري، ودعوتها الإعلاميين والسياسيين والاقتصاديين إلى عدم زيارة الجزائر لخطورة وضعها الأمني وسيطرة الجماعات الإرهابية على مناطق عديدة بها.

القيادي بتنسيقية الانتقال الديمقراطي المعارضة “مقري”، ومن خلال منشوره على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وصف زعيمة حزب العمال بالمرأة القبيحة والبالية وضعيفة الفكر والفقيرة للنفس، كما شدد على أنها تعقد صفقات في الآونة الأخيرة مع جهات داخل النظام الجزائري ضد المعارضة وخاصة تجاه الإسلاميين.

كما دعا “مقري” في ختام منشوره “حنون” إلى ضرورة توضيح علاقاتها مع المنظمات الدولية الصهيونية التي يعتبر حزبها عضوًا فيه، والتي نشر فيما بعد مدونون وناشطون صورًا على مواقع إلكترونية تثبت انخراط حزب العمال وزعيمته “لويزة حنون” بهذه المنظمات، مثل المنظمة الأممية التروتسكية المسماة “منظمة الوفاق الدولي للعمال والشعوب”، والتي تأسست سنة 1991 ببرسلون، والتي يرأسها بشكل ثنائي “لويزة حنون” و”دانيال غلوشتاين” (Daniel Gluckstein) منذ نوفمبر 2010.

وتعتبر هذه المنظمة التروتسكية الفرنسية هي المنظمة الرابعة اللومبرتية التي ينتمي إليها “دانيال غلوشتاين” التي وقفت ضد “جبهة التحرير الوطني”، وتعتبر جهة معادية للثورة الجزائرية، وكانت تدفع الجزائريين باتجاه الاندماج مع فرنسا والمحافظة على الدولة الفرنسية ككيان بالتراب الجزائري. وتعمل هذه المنظمة ذات البعد اليساري على معاداة تعاليم الدين الإسلامي وتدعو إلى الإباحية وتحرير المرأة من كل الالتزامات الدينية والاجتماعية، وهذا الذي يفسر رفض “حنون” لقانون الأسرة الجزائري ومطالبتها بتغييره وتجريده من كل أحكام الشريعة الإسلامية في عدة مواقف ومشاريع قوانين قدمتها للحكومة الجزائرية على أساس أنه قانون رجعي. (انظر برنامج بدون تحفظ بداية من د 27).

 

خيانة، مؤامرة، جهات خارجية.. جوهر خطاب حنون!

 

كما تعتبر “حنون” أكثر السياسيين حديثًا عن المؤامرات الإمبريالية الأمريكية، الصهيونية، القطرية، التركية ضد الجزائر في الكثير من الملفات الداخلية، دون الإشارة إلى تحديد هذه المراكز والمؤسسات أو الجهات التي تقوم بكل هذا العمل والاختراق الذي يهدد وحدة البلاد، ويعتبر خطابها تخويفي لدرجة أن كل قضية أو ملف أو أزمة داخلية تربطها بالخارج والأيادي الأجنبية، وتحذر في ندواتها الصحفية وتجمعاتها الولائية والمركزية من التلاعب بالأمن القومي ووجود مخطط رهيب لقيام ربيع عربي في الجزائر.

واتهمت في هذا الإطار عدة أطراف خارجية من دون تسميتها بزرع الفتنة في الجنوب الجزائري، خاصة بملف الغاز الصخري الذي دافعت فيه عن قرارات السلطة بهذا الشأن، وهاجمت المحتجين بتلقي دعم خارجي في التكوين والرعاية المالية، كما سارت على نفس المنوال مع أحداث غرداية الطائفية التي عرفت عشرات الضحايا بين قتيل وجريح.

وبالعودة إلى الربيع العربي، اتهمت “لويزة حنون” جهات من الداخل بتدريب أكثر من مائتي شاب لتفجير “ربيع عربي” بالجزائر عن طريق المخابرات الأمريكية، وأوردت صحيفة “الشروق” منذ ثلاث سنوات أن “حنون” كشفت عن قيام شركة أمريكية خاصة بتكوين أكثر من مائتي شاب جزائري لاستعمالهم في أحداث الربيع العربي المنتظرة، ويتلقى هؤلاء الشباب التكوين عبر الجارة تونس. وهو الخطاب الذي دأبت على زرعه “لويزة حنون” في أوساط الرأي العام الجزائري عند بروز أي حركة احتجاجية تطالب بالإصلاح أو التغيير.

 

 لويزة حنون.. بوتفليقة خط أحمر

 

ومن المواقف الغريبة التي تجسدها “حنون” في الحياة السياسية عامة، وفي الرئاسيات خاصة، هو تهجمها وكيلها كل أنواع التهم للمترشح “علي بن فليس”، حيث حمّلت هذا الأخير كل كوارث الاقتصاد الوطني أثناء توليه رئاسة الحكومة، وقالت إن أنصار رئيس الحكومة الأسبق والمترشح الحالي يطالبون الأمم المتحدة وأمريكا بفرضه رئيسًا للبلاد. واعتبر الكثير من المتابعين للشأن الانتخابي أن هذا التركيز الشديد على تشويه صورة “بن فليس” هو حرب بالوكالة من محيط الرئيس “بوتفليقة” على رئيس حكومته الأسبق.

وأكدت “حنون” في وقت سابق عقدها لاجتماع مع قائد أركان الجيش الجزائري “القايد صالح” في سلوك غير متعود عليه لدى السياسيين ورؤساء الأحزاب بالخصوص، ولم تعط “حنون” أي إشارات أو محاور النقاش التي دار حولها الاجتماع الذي يعتبر الأول من نوعه بين قيادي عسكري، وسياسي حزبي في الجزائر. كما دافعت “لويزة حنون” عن رئيس البلاد الذي تعرفه حالته الصحية اضطرابات منذ سنوات، وهاجمت كل من ينتقد رسائله التي ينقلها محيط الرئاسة للشعب الجزائري وهذا منذ الخطاب الشهير له بمدينة “سطيف” (شرق الجزائر) في مايو 2012.

وفي خرجة مناقضة لموقفها المدافع عن الحالة الصحية لرئيس البلاد، دعت “حنون” شقيق رئيس البلاد ومستشاره الخاص “السعيد بوتفليقة”، إلى التدخل ووقف الانحراف الحاصل بمؤسسات الدولة، خاصة وأن الرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” لا تسمح له حالته الصحية -حسبها- بالقيام بكافة مهامه. واعتبرت “السعيد بوتفليقة” -الشخصية الغامضة في الحياة السياسية الجزائرية- أمام مسؤولية تاريخية إن لم يقم بوقف الانحراف الذي ينخر مؤسسات البلاد، وتزامن نداؤها الموجه لشقيق الرئيس مع التغييرات التي يقودها رئيس الجمهورية في عديد الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية في المؤسسات العليا للبلاد. ودعت في نفس الوقت للقيام بإصلاح دستوري عميق والذي ينهي سياسة الحزب الواحد.

 

مستقبل لويزة حنون.. المصداقية في خطر

وأمام التغييرات التي تعرفها العديد من المؤسسات العليا للبلاد، لم تتوان “حنون” في الدفاع عن مسيرة الفريق “توفيق” مدير المخابرات الجزائرية السابق الذي أقيل مؤخرًا بمرسوم رئاسي، ودعت مستشار رئيس البلاد “السعيد بوتفليقة” للتدخل وتحمل مسؤولياته التاريخية في ما يحدث بالبلاد.

ويشير العديد من المتابعين إلى أن حزب العمال فقد الكثير من رصيده الشعبي للتناقضات التي يقع فيها كل مرة، وقربه اللاشرعي مع جهات في السلطة، وعدم تحكمه في سلوكه السياسي مع التحولات التي عرفتها الجزائر، واصطفافه ضد رجل الأعمال “علي حداد” والأمين العام للحزب الحاكم جبهة التحرير الوطني “عمار سعيداني” الذي وصف حزبها بغير القانوني. بالإضافة إلى الفراغ القيادي الكبير الذي يعاني منه الحزب اليساري لسيطرة “حنون” على مقاليد السلطة في الحزب لسابع مرة، وهذا ما يضع الحزب أمام مستقبل مجهول في حال أفول رمزية السيدة “حنون”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد