للسلطة أبطالها، وللشعب أبطاله؛ رائحة ذكرياتهم في شوارع المحروسة وبين آثارها وفي أحيائها الشعبية والراقية نفاذة، تحمل أحلامًا وأوجاعًا تستطيع النفس تمييزها بين كل الأحزان فتواسيها، حتى من لا يعرف هؤلاء الأبطال الشعبيين بالاسم، سيكتشف في تلك السلسلة، إلى أي حد يربطهم به علاقة وشيجة الصلة، وربما يعرف لماذا يتناقل أبناء المحروسة دائمًا حكاية مفادها أن أحدهم إذا ما أغلق هاتفه في لحظة شجن وتيه، وسار بجوار النيل الذي يطوي في باطنه آلاف الآلاف من قصص الغرام والبطولة والتضحية، وأكمل نزهته بين شوارع قاهرة نجيب محفوظ، وأحيائها الشعبية التي تحمل تاريخًا شاهدًا على تحدي الحياة وحبها، وجد وكأن أرواحًا مجهولة وحكايات تؤنسه في سيره وحيدًا، وتتفهم أسراره التي يرفض البوح بها، فيعود خفيف الروح والجسد، وكأن حكايات مصر السرية؛ حكايات أبطالها وشبابها وأحلامهم قد سكنته قبل أن يسكنها.

ستكون الرحلة الأسبوعية إلى قلب الحكايات السرية للمحروسة، حيث ستكون كل خميس من كل أسبوع على موعد مع حلقة جديدة من تلك السلسلة، رحلة محفوفة بالمخاطر، لأنك قد تقابل فيها نفسك، ستجد الأبطال يتشاركون معك شوارع الحب والغرام والخذلان، يتشاركون معك الأحلام واللغة، والهتافات والغضب والأحلام الدفينة والثورة، يحملون ذكريات مشابهة تمامًا في بعض الأحيان لتلك التي عشتها، وربما متطابقة أيضًا، يتشاركون معك أشد اللحظات حميمية للروح، وأكثر لحظات الرومانسية، وتلك التي تتحول فيها الميول الانتحارية فجأة إلى أخرى استشهادية، لا ترى من معشوق في هذا العالم سوى الوطن وحكاياته وأحلامه وخيباته؛ وطن يحمل رائحة الحب الأول والأم المعيلة الصابرة والمدرسة والمدن القديمة والأصدقاء والمقاهي ودور العبادة ودروب اتخذها أطفالها موطنًا للمتعة الصافية في لعب كرة القدم، والحكايات السرية وملاحم الأبطال.

كل ما ستحاول تلك السلسلة أن تفعله، هو فتح كتاب الأسرار لحكايات المصريين، وسير أبطالهم، بعيدًا عن »نسخة الوطنية« التي تروجها أجهزة الدولة الأيديولوجية، والتي ربما تنظر إليها الأجيال الجديدة بنوع من السخرية، وربما جعلت أيضًا الحديث عن الوطنية والوطن، محض حديث يُصاب الناس بالملل عند سماعه.

سنحاول في هذه السلسلة أن نقترب من أبطال الشعب، لا الأبطال الذين رسختهم السلطة في المسامع قهرًا عبر وسائل إعلامها، سنحاول ها هنا أن نقترب من السر الدفين، ومراكز هذا الوطن الروحية، التي تؤنس ساكنيه، وربما تصالحهم على أنفسهم أيضًا.

أضواء على سفر الأحزان

لا يسعنا هنا الحديث باستفاضة كاملة عن الاحتلال البريطاني، لكن في البداية ومنذ اللحظة الأولى لقصف الأسطول البريطاني لشرق المتوسط »الإسكندرية«، في الساعة السابعة من صباح يوم الثلاثاء 11 يوليو (تموز) عام 1882، واجتياح جيوشها للأراضي المصرية، كتب المحللون الراديكاليون الإنجليز في بريطانيا، أن تلك الحرب هي حرب سماسرة البورصة، وأن تلك هي المرة الأولى في تاريخ بريطانيا، التي تصبح فيها الجماعة المالية هي المسؤولة بشكل مباشر عن أعمال وخطط التوسع الإمبراطوري، وليس الجنود أو الموظفون الاستعماريون، ومنذ ذلك الحين صار الغزو البريطاني للمحروسة عند أغلب الدارسين هو المثال الكلاسيكي للرأسمالية الإمبريالية.

Untitledوقد كان هذا القصف بعد شهور قليلة من إعلان أحمد عرابي ثورته الراديكالية، التي اشتملت أهدافها على إلغاء السخرة، وإنهاء احتكار الباشاوات الخاص بالتحكم في مياه النيل، وكفالة حق التعليم للرجال والنساء على السواء، وإلغاء الرق والعبودية بكافة أشكالهما، وكفالة انتخابات برلمانية حرة ونزيهة، وحماية الفلاحين من المرابين اليونانيين.

وكان جمهور الثورة العرابية هم الفلاحين والمثقفين على حد سواء، فقد تبارى الفلاحون في التختيم على محاضر توكل عرابي للدفاع عن الأمة، وفي حين كان الفلاحون قبل ذلك يتهربون من التجنيد ويتحايلون عليه بشتى السبل، في هذه المرة شهد الجيش حركة تطوع كبيرة من قبلهم؛ كانوا يعتبرون ذلك ذروة سنام الجهاد والشرف، ليس هذا فحسب فقد كانوا يرسلون إلى جيش عرابي الحبوب والأغنام والخيل والملابس من قوتهم، وقد استولى الفلاحون في صعيد مصر على مصانع السكر بالمنيا، وأرسلوا إنتاجها لجيش عرابي.

وتؤكد محاضر التحقيق مع قادة الثورة العرابية، على أن الفلاحين إبان الثورة قاموا بثورة كبرى موازية، استولوا فيها على أراضي أسرة الخديوي والأجانب والأمراء والأتراك وكبار الملاك، ووزعوا تلك الأراضي فيما بينهم، وكانوا يرسلون ما في مخازن تلك الأراضي إلى جيش عرابي، هذا فضلًا عن خروج أهالي المناطق الشعبية، كباب الشعرية والحسينية، لمقاومة الإنجليز بعد ذلك في أيام الحرب، بالهراوات، والأدوات المنزلية، وهم لا يعرفون الطريق إلى المعركة.

وبات يُنظر منذ لحظة القصف البريطاني للإسكندرية، في نظر تيار واسع من المفكرين، إلى ذلك الاجتياح بوصفه واحدًا من أبشع عمليات النهب الإمبريالي لأمة من الأمم، وقد عمل عدد كبير من المفكرين فيما بعد على إثبات أن مصر كانت تمتلك قبل الغزو البريطاني، وحتى قبل الغزو الفرنسي، نسختها الخاصة من التقدم، التي عرقلها وقضى عليها الاستعمار.

في كتابه »خراب مصر«، قال المسيو تيودور روذستين، في عام 1910، إن الإنجليز في الثماني والعشرين سنة التي حكموا فيها مصر، لم يكتفوا بعدم إنشائهم ولو صناعة واحدة فحسب، بل قتلوا كل ما من شأنه أن يعود ببعض التقدم الصناعي.

وفي إحدى تقارير اللورد كرومر اعترف صراحة، بعد مرور سنوات قليلة من الاحتلال، بأن »من يقارن الحالة الراهنة بالحالة التي كانت عليها البلاد منذ 15 عامًا، سيجد فرقًا ضخمًا، فالشوارع التي كانت مكتظة بدكاكين أرباب الصناعات والحرف من غزالين وخياطين وخيامين وصباغين وصانعي أحذية، قد أصبحت مزدحمة بالدكاكين والمقاهي المليئة بالبضائع الأوروبية؛ أما الصانع المصري فقد تضاءل شأنه وفسد ذوقه الفني الذي طالما أخرج في العصور القديمة أبدع المعجزات«.

في الواقع، بيوت أجداد الأجداد في الريف المصري التي طالما امتلأت بالصناعات اليدوية، والمنسوجات، وكانت تحقق اكتفاءً ذاتيًّا على مدار قرون طويلة؛ دُمر اكتفاؤها في ظل الاحتلال البريطاني.

وبحسب المفكر اليساري المصري شهدي عطية -الذي لاقى حتفه من التعذيب بعد ذلك في السجون المصرية، في عهد عبدالناصر- فقد حطم الاستعمار الحرف الصغيرة، حتى تحل السلع الإنجليزية بديلًا عن المصنوعات المحلية، حتى بين أفقر شرائح الشعب المصري، وفي إطار خطته، فرض الاستعمار على صغار الحرفيين المصريين الضرائب الباهظة والقوانين المعيقة للتقدم، وقد تشرد نتيجة تلك السياسات أكثر من 200 ألف شخص، من صغار الحرفيين في مصر.

على الجانب الآخر، أغلق الاستعمار مصنع الورق ببولاق، ودار صك النقود، ومصانع النسيج، وترسانة صب المدافع وصنع البنادق، وباع البواخر النيلية بأرخص الأسعار، وصارت النقود المصرية تُصك في لندن.

وقال ألفريد ملنر، وزير المستعمرات ببريطانيا العظمى فيما بعد، إن السوق المصرية هامة جدًا من أجل تصريف البضائع الإنجليزية، بسبب المنافسة المتزايدة للبضائع الإنجليزية في التجارة الدولية.

«يا سامعين يا أهل الزمان الجاي.. ليلكم منور في العزب والقرى.. كان يا مكان من مبدأ الذاكرة.. الشمس طالعة وصوتي مش سمعاه.. حرمت أغنيلها وأنا في الدرا..

وسؤال في ودني زي نبض النور.. يا مصري يا سيد وأبوك درويش، النيل بيجري ولا ما بيجريش؟ النيل بيجري والعجل بيدور.. والفجر طالع بالصنايعية ومصر لازم تبقى مصرية.. وكل كلمة تقولها أغنية وكل أمنية وأمل دستور». –كلمات فؤاد حداد، وغناها سيد درويش

«مولانا الشيخ عبيد»

حين أعطى الأميرال سيمور إشارة الضرب، لتسقط أول القنابل على قلاع الإسكندرية، في حرب سماسرة البورصة، كان هناك رجل سيعامله المصريون بعد ذلك معاملة أولياء الله الصالحين. رجل رأى كل الخراب الذي سيحل بمصر، بتعبير عنوان كتاب روذستين، فوقف يسطر ملحمة ستخلدها حكايات الشعب، ومن ثم سيخلدها الأدب المولع بكنوز الروح المصرية؛ إنه محمد عبيد، أو كما سيطلق عليه فيما بعد «سيدنا ومولانا الشيخ عبيد».

خلد الأدب المصري سيرة «سيدنا عبيد»، وتحدث عنه الروائي المصري بهاء طاهر، في روايته واحة الغروب، فقال: «أسأل نفسي طوال الوقت عن الخيانة، سألت نفسي كثيرًا لماذا خان الكبار الذين يملكون كل شيء؟ ولماذا يدفع الصغار دائمًا الثمن؛ يموتون في الحروب ويسجنون في الهزيمة، وسألت نفسي لماذا يخون الصغار أيضًا؟ لماذا خان الضابط يوسف خنفس جيش بلده في التل الكبير، وقاد الإنجليز ليغدروا به ويفتكوا به ليلًا؟ كيف كان يفكر وهو يرى مدافع الإنجليز تحصد إخوانه ورفاق سلاحه الذين كان يأكل معهم وينام معهم ويضحك معهم؟ وهل وقعت عيناه على زميله الضابط محمد عبيد وهو رابض على مدفعه وسط الفوضى والهزيمة يطلق النار على الإنجليز حتى صهرته حرارة المدفع كما سمعنا؟ كم أحببته وكم أحبه الناس! لم يصدقوا أنه مات. يقولون إنه غاب فقط، يسمونه الشيخ عبيد ويقولون إنه شوهد مرة في الشام ومرة في الصعيد. ينتظرون رجعته ليواصل حربه ضد الإنجليز! لكنه يظل حلمًا، أما يوسف خنفس فهو الحقيقة الباقية. تعال أحدثك أنا كيف يكون الغدر!».

«والأمهات بحري البلاد تناديه.. دهب الحريم عيط علشان يفديه.. لأجل الولاد خلي البطل يضرب.. يكسر صفوف الإنجليز يضرب.. يا بنايين نضرب معاه الطوب.. الفجر لمحمد عبيد مكتوب.. في الجنة عرض السيف مع دراعه.. الملحمة أخلد من التماثيل.. كان حى ما له فى الشجاعة مثيل.. كان جسم فى تراب الوطن مثواه.. كان قلب كل المؤمنين جواه.. عظَّم شهيدك.. كل دم يسيل على أرض مصرية، عظيم الجاه..
قول كل حرف فى اسمه واتهجاه.. م ح م د ع ب ي د». -شعر بصوت فؤاد حداد في حب محمد عبيد.

هكذا سطر الأدب في سطور قليلة سيرة الشيخ عبيد، الشاب الشجاع، الذي لا يخشى أحدًا، المتأثر بمبادئ الثورة الفرنسية، الذي هجم ذات مرة، في عام 1881، بكتيبته الصغيرة على ديوان الجهادية بقصر النيل، حين سُجن ثلاثة ضباط مصريين، كان من بينهم عرابي، عبر مؤامرة حاكها ضدهم القصر، على خلفية مطالب عرابي بزيادة عدد الجنود المصريين، وإلغاء التمييز بينهم وبين الشراكسة، وإقامة حياة نيابية، وقد سخر الشراكسة من الضباط الثلاثة المأسورين وأهانوهم في الديوان بوصفهم فلاحين، فما كان من عبيد إلا أن توجه بكتيبته الصغيرة وحرر الضباط، وصار يطلق عليه بعدها بطل موقعة قصر النيل.

هو نفسه عبيد الذي صهرته حرارة المدفع مرابطًا أمام الجيش البريطاني مع قلة قليلة من جنوده، لا تزيد أعدادهم عن ثلاثة آلاف رجل، واستقبل الموت راضيًا، حين هرب الجميع، في تضحية ربما لم تغير من الواقع شيئًا على أرض المعركة، لكنها ظلت عامرة في الوجدان الشعبي المصري، الذي سكن فيه عبيد، بوصفه وليًا من أولياء الله الصالحين، الذين لا ينتظرون جزاءً ولا شكورًا على تضحياتهم.

وهو ما وصفه المؤرخ المصري محمد حافظ دياب، فيما بعد، في كتابه «انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث»، حين قال: «وفي هذه المعركة الختامية التي أنزلت الهزيمة بالجيش المصري في التل الكبير، أعطت الرشاشات البريطانية الجديدة دعمها الأشد فعالية، بإطلاقها النيران بدقة كبيرة على العدو (الجيش المصري) أينما كان عرضة لها، وظل أمير الآلاي محمد عبيد، بطل واقعة قصر النيل أول فبراير (شباط) 1881، على مدفعه حتى انصهر جسده، وتناثرت أشلاء جثته تحت سنابك الخيل، فلم يُعرف له قبر، ليتحول في الوجدان الشعبي إلى ولي من أولياء الله، ويتناقل الأهالي أنهم شاهدوه حيًا يرزق في الشام».

صورة لمحمد عبيد (مصدر الصورة: nabshelkharaba.blogspot)

جدير بالذكر أن بطولة نسائية كانت تسطر في تلك الأثناء، وفي قلب قصر الخديوي توفيق، خصم عرابي اللدود ذاته، فبحسب براودلي، كبير محاميي عرابي، فإن الغالبية العظمى من السيدات في مصر قمن بتأييد عرابي، وقد أعلنت أميرات الأسرة الخديوية -باستثناء زوجة توفيق وأمه- دعمهن وتعاطفهن مع الضابط والفلاح المصري أحمد عرابي، وبحسب الوقائع الرسمية، فإن ابنة الخديوي، جميلة هانم، وهبت أعدادًا كبيرة من الخيول للجيش المصري، وشكلت اتحادًا لإغاثة الجرحى في كفر الدوار.

عبد الحكم الجراحي.. يوميات أخطر عاشق في القاهرة

افتحوا يا حمام كراريس الرسم.. دي حمامة شهيدة بتتقدم.. بتصلي وتفتتح المرسم.. ترسم عصفور بيعدي عصور يحلم بمدينة من البنور.. ترسم مراجيح ما تهاب الريح.. ملعب أطفال بسلالم عاج.. والعالم عاقل مش مجنون.. ولا يمكن طلقة هترسم كون ولا تقدر تخلق خط ولون *كلمات الشاعر نبيل خلف.

إذا كنت مصريًا من أقصى الصعيد أو من وجه بحري، حتى في عام 2016، لن تجد هذه العبارة غريبة على مسامعك، حتى لو أنك لا تعرف قصتها: «عبد الحكم رفع العلم».

ترك عبد الحكم أثرًا في الوجدان الشعبي المصري، بلغ حد تأليف الأغاني الشعبية في حبه كأنه ولي صوفي تشكل من طهر، ونور على نور، وكانت الفتيات في المدارس تتناقلن جوابه الأخير قبل استشهاده وكأنه فارس من فرسان الأحلام، وغير ذلك وذلك، ظلت المظاهرات الطلابية لسنوات طويلة لا تبدأ هتافاتها في مواجهة السلطة إلا بعبارة «عبد الحكم رفع العلم»، تقديسًا لذكرى شهيد الطلبة، الذي أقام قصة حب مع وطنه ندر أن يحدثنا التاريخ بمثلها.

صورة لعبد الحكم الجراحي (مصدر الصورة: eaboghazi.blogspot)

لا نعرف حتى الآن أين ذهب العلم بعد ذلك، كل ما نعرفه أن عبد الحكم دفع حياته راضيًا، حتى لا يسقط ذلك العلم على الأرض.

عبد الحكم سليل أسرة ميسورة للغاية، وكانت له صلة قرابة بأحد ضباط الحرس الملكي، وقد رفض أن يكمل تعليمه في فرنسا، حيث كان يعيش مع بعض أقاربه، حتى يعود إلى مصر التي عشقها، ولم يكن عبد الحكم ليعرف أن أهلها سيبادلونه كل هذا الحب بعد ذلك ويرفعونه إلى منزلة القديسين والأبطال الشعبيين؛ كان مرهفًا جسورًا، يكتب شعرًا، ربما لا يصدق من يقرأه أن صاحبه يمتلك كل تلك الجسارة والقوة، كان الحب في حالة عبد الحكم دافعًا للتضحية والجسارة، لا إلى الخوف والتعلق بالدنيا.

في عام 1935، لم تكن وزارة نسيم باشا، التي كانت توصف بالضعيفة، قد حسمت أمرها بشأن إعادة دستور عام 1923، وقد كانت عودة هذا الدستور مطلبًا شعبيًا عارمًا، بوصفه مؤسسًا للحياة الديمقراطية في مصر. في خضم ذلك صرح وزير الخارجية البريطاني، صامويل هور، بعدم ملاءمة دستور 1923 للشعب المصري.

انفجرت المظاهرات ردًا على التدخل البريطاني في الشؤون المصرية، ونيتها في عرقلة التطور الديمقراطي في البلاد، وكان ذلك في ذكرى عيد الجهاد الوطني يوم الأربعاء 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1935، وقد مثل طلبة المدارس والجامعات المصرية طليعة تلك الثورة.

في يوم 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، والذي صادف شهر رمضان في هذا العام، اتجه طالب الآداب عبد الحكم الجراحي، الذي يحمل قصة رومانسية خاصة جدًا مع وطنه جعلته يترك فرنسا وأنوارها ويعود إليها محبًا مشتاقًا، مع زملائه الطلبة، من مقر الجامعة بمحافظة الجيزة، في مظاهرة كبرى باتجاه كوبري عباس، سار فيها حوالي 2000 طالب، ذاهبين من الجيزة إلى القاهرة، تحفهم رومانسية كبيرة تجاه القضية الوطنية، وقد وصفتهم تقارير الأجهزة الأمنية على النحو التالي: «أبدى الطلاب روح التشدد والعدوانية، وكان التعامل معهم أكثر صعوبة من ذي قبل». بعض المصادر تقول إنهم ثلاث طلقات فقط، والبعض الآخر يقول أنهم كانوا 13 طلقة في مواجهة 13 خظوة.

كانت المظاهرة الكبرى، التي شارك بها طلاب كليات الهندسة والآداب والزراعة ومدرسة السعيدية وطلاب التجارة المتوسطة بالجيزة، قد وصلت لتوها إلى كوبري عباس، محاولة الذهاب إلى ميدان التحرير حاليًا (ميدان الإسماعيلية سابقًا)، وقد بدأت القوات الإنجليزية في إطلاق النيران على الطلاب، وأصيب محمد عبد المجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة، بإصابة قاتلة مات على إثرها، وكان هو من يمسك بالعلم المصري في مقدمة المظاهرة.

لم تكن الرصاصات التي توجهت لجسد عبد الحكم غادرة، هو من اختار التضحية عن طيب خاطر. بدون أدنى تفكير، انحنى عبد الحكم مسرعًا ليحمل العلم، وقد حذره قائد الحرس الإنجليزي من التقدم، وإلا سيكون العقاب هو الموت، لكن عبد الحكم لم يستمع، حمل العلم وتقدم، ومع كل خطوة يخطوها، كانت رصاصة جديدة تستقر في جسده؛ وكأن صوت آخر يناديه، على الجهة الأخرى، لا يسمعه أحد غيره، يقول له سر ولا تخف.

«أخطر حاجة بتحصل دلوقتي يا اخوانا هي محاولة تقسيمنا لتيارات سياسية مختلفة، أحرار دستوريين.. إخوان.. شيوعيين.. وفديين، هو ده اللى ممكن يقضي على الحركة الوطنية من أساسها»، الحديث لشخصية عبد الحكم الجراحي، في مسلسل الشوارع الخلفية، المأخوذ عن رواية لعبد الرحمن الشرقاوي تحمل نفس الاسم، وقد جسد شخصية عبد الحكم في المسلسل المصري الممثل المصري أحمد عزمي.

إذا كنت واحدًا ممن خرجوا في مظاهرات 28 يناير (كانون الثاني) 2011، في مصر، ومرت مسيرتك في هذا اليوم من كوبري عباس بالجيزة، في تجاه ميدان التحرير، فربما كنت تسير بخطاك على نفس الرقعة التي سقط فيها عبد الحكم.

قبل موته في مستشفى القصر العيني، متأثرًا بتسمم في الدم، رغم إخراج الرصاص من جسده، كتب عبد الحكم الجراحي خطابًا، صار حديث المصريين لوقت طويل: «رسالة من محمد عبد الحكم الجراحي إلى مستر روح الشر، رئيس وزراء بريطانيا.. أحد جنودك الأغبياء رماني بالرصاص، وأنا الآن أمشي رويدًا رويدًا إلى الموت، لكني سعيد، لأني أضحي بدمي.. والموت أمر هين وآلامه عذبه، ما دامت من أجل مصر.. تحيا مصر وليسقط الاستعمار، وسيتولى الله في القريب عقابكم.. فلتحيا التضحية».

بالفعل بقت تضحية عبد الحكم حية في الوجدان الشعبي المصري، وقد خرج الشعب المصري ليودع جثمانه إلى عالم الأبدية، في جنازة شعبية ضخمة هتف الجميع فيها «عبد الحكم رفع العلم» و«عبد المجيد عاد من جديد»، حيث نجحت قوات الأمن في سرقة جثمان عبد المجيد مرسي، ودفنوه في الإسكندرية سرًا، حتى لا تتحول جنازته إلى مظاهرة شعبية.

تؤكد المصادر أنه جرى تشييع جثمان عبد الحكم في جنازة شعبية، لم تكن تقل بأية حال من حيث العدد المشارك بها ومن حيث هيبتها، عن جنازة سعد زغلول أو مصطفى كامل، ويصف أحد التقارير الأمنية، التي كُتبت باللغة الإنجليزية، بواسطة بشتلي أفندي، بالقسم المخصوص من وزارة الداخلية، الأمر آنذاك، على النحو التالي:«عندما يموت أحد المتظاهرين، تكون المشكلة الكبرى أمام السلطات هي أن تنتهي الجنازة بأقل عدد ممكن من الاضطرابات، وقد نجح البوليس في تفادي القلاقل الخطيرة في كل الحالات عدا حالة واحدة، وكان الاستثناء الوحيد هو حالة محمد عبد الحكم الجراحي، الذي توفى في 19 نوفمبر (تشرين الثاني). كان الفقيد يمت بصلة إلى ضابط بالحرس الملكي. في بادئ الأمر، أخفى طلبة الطب الجثمان في المستشفى ورفضوا الإفصاح عن مكانه، حتى أُعطي التأكيد بأنه سوف يسمح بخروج جنازة شعبية. وقد اشترك جمع غفير في الجنازة، التي خرجت في مساء نفس اليوم. وعومل الفقيد باعتباره بطلًا وطنيًا».

ظل عبد الحكم مؤثرًا في الوجدان المصري، حتى بعد عقود من موته، ففي عام 1967 حين أراد الشاعر زين العابدين فؤاد أن يصرخ بعد النكسة، لم يجد شخصًا يناجيه إلا عبد الحكم:
«ما انتاش أول واحد/ ولا آخر واحد/ يا حبيبي يا حباية عنقود الشهدا/ باكتب لك، وباحس بروحي بتتاخد/ وانا في الأوضة/ مش تحت الشمس على الكوبري/ مش وسط الظابط والعسكر/ أنا في الأوضة/ بنهج، بجري/ إرفع علمك/ أنا مش قادر أمسك قلمي/ إرفع علمك/ ما انتاش أول واحد/ ولا آخر واحد يرفع علمي».

وفي عام 1971، كانت واحدة من أهم الجماعات الطلابية التي شاركت في حركة الضغط، المطالبة بالحرب مع إسرائيل، تحمل اسم «جماعة عبد الحكم الجراحي».

التاريخ الذي تحمله على ظهرك

إذا كنت مصريًا من هؤلاء الذين بدأوا قصتهم مع الحياة، بالمشاركة في ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، لن تجد نفس الشوارع والكباري التي سرت عليها ذات يوم تخبرك بالعديد من أسرارها وكنوز شجنها في هذه السلسة فحسب؛ لن تكون الشوارع هي القاسم المشترك بينك وبين أبطال تلك السلسلة فقط، وإنما المشاعر والحكايات نفسها ستشعر أنها لم تتغير كثيرًا.

في كتابه «التاريخ الذي أحمله على ظهري»، الذي أرخ فيه عالم الاجتماع المصري، سيد عويس، قصة حياته، يحكي أن ابن عمه كان أحد شباب ثورة عام 1919، وحين عرف جد عويس، أن ابنه يشارك في المظاهرات، ربطه وجلده، وأثناء جلده كان الشاب يهتف «تحيا مصر»، بينما كان والده يقول: «مش عاجبينك الإنجليز ليه يا خنزير يا ابن الخنزير، ده هما اللى دخلولنا الكهربا والتروماي».

إذا كنت واحدًا ممن شاركوا في ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وما تبعها، هل يذكرك هذا الموقف بصراع الأجيال الذي عاصرته، والبون الشاسع بين مطالب الشباب الخاصة بالحرية والعدالة والكرامة، وبين هجوم بعض الآباء الشرس على ذلك، تحت شعارات الأمن والاستقرار وعجلة الانتاج؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد