للحظات برقت الحقيقة، فالمطلوب ألا يكون في مصر رجل أو إنسان أو شيوعي.– أحد المُعذبين في سجون النظام الناصري 

صبيحة الأربعاء 15 يونيو 1960 ، في معتقل أوردي ليمان طرة بالقاهرة، الزعيم السياسي لحركة “حدتو”، والمتحدث باسم زملائه في المحاكمة، المناضل شهدي عطية، يتم تعذيبه حتى الموت؛ بسبب رفضه القول: “إنه امرأة”، ولأنه لم يُصدر تأوهات أو صرخات أثناء الضرب، تلقى قدرًا لا يحتمله بشر من التعذيب، حتى سقط شهيدًا. بهذا الاقتباس السابق علق الدكتور فخري لبيب بعد ذلك، على حادثة قتل شهدي عطيَّة.

التعذيب العشوائي الذي يكون على درجة عالية من السادية، ولا يستهدف استخراج الاعترافات، يكون الغرض منه غالبًا هو التصفية الذهنية والإنسانية للمعتقل، وذلك بتحويله إلى مسخ لا يقدر على الحياة ولا الحب ولا الأحلام ولا التفكير بعد التجربة.

وإذا كان التعذيب السادي المقصود منه: أن يجعل المنتهَك مسخًا غير قادر على الحب والحياة، فهذا التقرير يعرض لثلاثة نماذج، شكلت قصص حبهم خط الدفاع الأساس لهم في مقاومة التعذيب النفسي والجسدي والشفاء من أوجاعه، وفي أحد هذه النماذج سنكتشف أن المُعذَّب قد وجد قصة حبه من خلف القضبان ومن داخل السجن نفسه.

عبد العظيم أنيس: رسائل الحب والحزن والثورة

وعندما تسمو إلى الإله 

وتلتقي الأكف والشفاه

أسكب في راحتيك لوعتي

ضراعتي..

شفاعتي إليكِ يا غرامي .. طفولتي

ولهفتي على طفولتك

– من قصيدة الطائر الحزين التي كتبها عبد العظيم أنيس لزوجته وهو في السجن 1965

صورة غلاف كتاب “رسائل الحب والحزن والثورة”، تجمع بين عبد العظيم أنيس وزوجته عايدة ثابت وابنتهما

في 5 نوفمبر 1958، تزوج المفكر الشيوعي الحاصل على دكتوراة الفلسفة في الإحصاء الرياضي من لندن عام 1952، من حبيبته الإعلامية الجميلة الأنيقة “عايدة ثابت”، وعاشا معًا نحو شهرين من أسعد أيام حياتهما، حتى جاءت عاصفة الاعتقالات للشيوعيين المصريين، في يناير 1959، لتفصل بين الحبيبين بقسوة، وترسل بالزوج إلى المعتقل، وإلى زنزانة التعذيب والذل، ليقضي أول 6 سنوات من زواجه في السجن.

كان أنيس قد عاد إلى مصر عام 1956 بعد أن استقال من وظيفته كمدرس بجامعة لندن؛ احتجاجًا على العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه بريطانيا على مصر، وذلك على الرغم من موقفه المنتقد لعبد الناصر؛ بسبب معاداته للديمقراطية، عاد ليجد نفسه بعد 3 سنوات معلقًا في أداة تعذيب تُدعى “العروسة”، يُجلد عليها، وزوجته، ذات الأربعة وعشرين عامًا، تُفصل من عملها؛ لأفكارها وأفكار زوجها الشيوعية، وترفض أن تتلقى أية مكافأة نهاية خدمة من مؤسستها “جريدة المساء”؛ احتجاجًا على الظلم، ويجلس الفيلسوف المعذب في سجنه مشتت الألم، بين ما يتعرض إليه من تعذيب جسدي ونفسي، وبين زوجته التي لا تملك عملا؛ وتكافح الزمن لتحصل على وظيفة جديدة؛ من أجل الإنفاق على البيت، وإرسال احتياجاته إليه في السجن، دون أن تشكو له لحظة في خطاباتها من ضيق الحال الذي يعرفه جيدًا.

ظن معذبو أنيس أن تجريد عالم الرياضيات الفيلسوف الشاب من ملابسه عاريًا كما ولدته أمه، وضربه وتعذيبه، سيحوله إلى مسخ ضعيف، مكسور الإحساس بذكورته، لم يعرفوا أن خطابًا واحدًا من حبيبته أو إليها كان يهون كل العذاب، ويدفعه إلى احتمال أضعاف أضعافه؛ وهو ما عبر عنه بعد ذلك عقب انتهاء التجربة.

كان يسكب في رسائله إليها كل المشاعر، يحكي لها عن يأسه وأمله، وعن أصدقائه في السجن وطبائعهم، وعما يقرأ وعما يفكر فيه. ينظُم فيها الشعر حينًا، ويشرح لها أطروحات فلسفية معقدة حينًا آخر، يحكي لها: عن مسرح السجن، وعن مسابقات كرة السلة بين المعتقلين، وعن المعادلات الرياضية المعقدة التي يشرحها لزملائه المعذبين؛ يؤنس وحدتهم بها، كما يصف لها بالتفصيل طرق الإهانة والتعذيب التي يتعرض لها.

في إحدى رسائله إليها، شرح الفيلسوف لزوجته كيف أنه قد تعلم غسل ملابسه بنفسه في المعتقل، وأن تلك خبرة مفيدة للغاية له؛ كي يساعدها في أعمال المنزل حين يجمعهما القدر مرة أخرى، ورغم أنه لم يستطع منع نفسه في ذات الخطاب من أن يشكو إليها آلام البواسير التي يعانيها، وقذارة وبشاعة السجن والمعاملة، لكنه لم ينس في نهاية الخطاب أن يذكرها بكون الحياة ليست بهذا التشاؤم، فرغم كل شيء هو يضحك ويلعب وينكت مع أصدقائه في الزنزانة، ويثق في أنه سينتصر بالنهاية.

أنا أحس عندما أكتب إليك أنني أدخل معبدًا للصلاة، هذا الشعور المقدس هو أجمل ما أعيش عليه، وأعظم ما يشجعني على احتمال ما مضى وما قد يأتي عن طيب خاطر

هكذا كتب أنيس إليها ذات مرة من السجن، وهكذا كان يستمد طاقة الحياة من عبادته المقدسة المتمثلة في كتابة الرسائل إليها، كانت عبادة تعطيه طاقة كفيلة بأن ينتهي من جولة التعذيب والإهانة، ليعود مسرعًا إلى رفاقه في المعتقل؛ يشرح لهم محاضرات رفيعة المستوى في الرياضيات؛ مستخدمًا أحجار طباشيرية يهربوها صباحًا من الجبل أثناء عملهم بالسخرة فيه، يكتب المعادلات على الأرض ويشرحها سريعًا، ثم يمسحها خوفًا من التفتيش المفاجئ، فالسجانون يكرهون الرياضيات، والفلسفة، ورسائل العشاق، وكل ما يتصل بالحياة والحب.

صورة للدكتور عبد العظيم أنيس، المصدر: موقع لهن

كانت رسالة من عايدة؛ تخبره فيها بأنها ستقدم برنامجًا تليفزيونيًا بعنوان: “شخصيات عالمية”، كافيًا لأن يبث فيه سعادة وبهجة وطاقة طفولية، فينطلق لأداء بروفات مسرح السجن الذي أعده هو ورفاقه، ليقدموا عليه “حلاق بغداد” و”ماكبث”، ولينطلق أيضًا بحماسة للعب كرة السلة، حيث كان قد شكل مع زملائه فريقين: “الأصفر والأخضر”، يلعبان مرة أسبوعيًا مباراة تثير كل المعتقل، يتحمس المعتقلون فيها لكل فريق، كما يتحمس أهل القاهرة للأهلي والزمالك.

كان أنيس ينتظر حين ترسل إليه زوجته في خطاباتها كلمات أغاني عاطفية تهديها إليه، فيأتي برفيق له في السجن ذي صوت جميل ينشد له تلك الأغاني بعذوبة، مقابل شرح معادلة رياضية معقدة.

لم تكن كل الخطابات على هذا المنوال، فبعضها كان شروحات كاملة لقضايا صعبة في الفلسفة وعلم الاجتماع. في محراب عايدة كان أنيس يتحدث عن كل شيء، وفي أي شيء، من ذا الذي يستطيع بجلدة سوط إذًا أن يكسر شخصًا فاز بحب عايدة؟

لم تدم حياة الحبوبة – كما كان يسميها في رسائله – طويلًا بعد خروج أنيس من السجن في 4-إبريل – 1964، فقد توفت في عمر مبكر إثر حادثة، وهي تحمي ابنتهما من كلب شوارع ضال بتاريخ 10 نوفمبر 1975في أرض مطار القاهرة، حيث راحت ضحية الإهمال، ولم يلحق بها حبيبها إلا في يناير 2009؛ بعد أيام قليلة من وفاة صديق عمره: “محمود أمين العالم”، الذي كان يحكي عنه كثيرًا في خطاباته لعايدة؛ فقد كان رفيق زنزانته، وفي إحدى خطاباته لها، كان يشكو بحزن شديد من أن خيرة مثقفي مصر مثل ألفريد فرج، وإسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي، وعبد الرازق حسن، و”محمود أمين العالم” يساقون كل يوم إلى الجبل حفاة شبه عراة في أقسى أيام الشتاء؛ لكسر حجارة أبو زعبل.

بعد وفاتها نشر عبد العظيم أنيس رسائله إلى زوجته عندما كان معتقلا، في كتاب أعطاه اسم: “رسائل الحب والحزن والثورة”، ليكون الكتاب دليلًا جديدًا على جسارة الحب ورحمته وقسوته في سحق القسوة.

أجلس وحدي في مكتبك، وعلى نفس كرسيك، أعيش معك ذكريات عمر فات، وعمر يمر في قسوة ومرارة، ولكن في أمل! إنني أتذكر كلمة ناظم حكمت: “حفلة البؤس لم تنته بعد، ولكنها ستنتهي يومًا– رسالة عايدة ثابت إلى أنيس عبد العظيم بتاريخ 5 نوفمبر 1962

محمد بديع: أن تجد كنز الحب في أغرب مكان ممكن

صورة للمرشد الثامن لجماعة الإخوان المسلمين. المصدر: مجلة العرب الدولية

في عام 1954 يمثًل أمام المحكمة “ضابط طيار” ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يُدعى محمد علي الشناوي؛ بتهمة محاولة نسف طائرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أثناء سفره إلي أسوان، يُحكم عليه بالإعدام، ثم يخفف الحكم إلى المؤبد (25 عامًا)، يدخل السجن ليقضي مدة عقوبته، ويترك طفلته الرضيعة وعمرها عام ونصف.

في عام 1974 كانت قد مرت 9 سنوات على محمد بديع – الذي سيصبح فيما بعد مرشدًا عامًا لجماعة الإخوان المسلمين – في السجن.

9 أعوام؛ واجه فيها التعذيب والفزع والإهانة عبر وسائل متعددة: “التعليق في الفلكة، ومواجهة الكلاب المتوحشة، والجلد، والضرب المبرح، إلخ”، فقد اعتقل بديع وهو معيد في كلية الطب البيطري، بجامعة أسيوط عام 1965 ، مع مجموعة من أعضاء وقياديي الجماعة من بينهم سيد قطب، وخضعوا لمحاكمة عسكرية، حُكم فيها عليه بالسجن 15 عاما، وتعرض للفصل من مهنته إثر تلك القضية بقرار من وزير التعليم العالي آنذاك.

تعرض للتعذيب والإهانة بما فيها التعذيب النفسي؛ المتمثل في أن يقول له معذبوه حين يستغيث بربه الذي يعتقد فيه بعد أن ينهكه الضرب: “لو نزل إلهك إلينا سنسجنه ونعذبه معك، ولن يستطيع حمايتك”. كل هذا لم يستطع أن يقتل في المُعذب تلك الرغبة في الحياة التي لا تموت إلا بالموت.

في عام 1974، الطفلة الرضيعة “سمية” التي تركها محمد علي الشناوي، صارت شابة تبلغ من العمر 21 عامًا جاءت لتزور والدها في السجن، وعلى بعد خطوات كان يراقبها الشاب النحيف الذي يزن بالكاد 56 كيلوجرامًا، والذي لا يملك شيئًا على هذه الأرض، والمفصول من وظيفته في الجامعة، والذي ظن معذبوه أنهم قد حولوه إلى مسخ لا يقدر على الأحلام، ولن يستطيع أن يتعافى من ذكريات الإذلال طوال حياته.

من الذي يقدر على مبادلة هذا الشاب شعورًا بالحب أو الإعجاب في هذه الأرض، وهو، فضلًا عن كل عيوبه الظاهرة، ما زال أمامه 6 سنوات سينتظرها في سجنه! لكن الفتى لم يكن يملك ما يخسره؛ مثله لن يتأثر كثيرًا بخسارة جديدة، ستنضم الخسارة الجديدة ـ لو حدثت ـ إلى خسارته القديمة كلها، ولن تكون هزيمة مستغربة في سياق حياته الشابة المليئة بالهزائم، أخذ القرار وذهب إلى رفيقه في السجن ليطلب الزواج من ابنته.

“لكن، انت شفتها، بس هي ما شافتكش علشان تقول رأيها”، هكذا رد رفيق الزنزانة على الطلب الغريب، لكن الرغبة في الحب عند السجين الذي ينتظر ستة أعوام جديدة في الأغلال كانت جارفة ولا تقاوم، وقال لرفيقه إن لديه صورة؛ ليقدمها لابنته؛ حتى تقول رأيها، وبالفعل قدم صورة “الفيش والتشبيه” خاصته. ضحك الشناوي من الصورة المنفرة، مؤكدًا أنها لا تليق، ولن تساعده في تحسين موقفه السيئ الطالب للحب وهو في حالته المزرية هذه، لكن الفتى أصر على أن تُقدم هذه الصورة، حتى تكون كريمة الشناوي على بينة من أمرها وتعلم أنها لو قبلت الحب فإنها ستقبله من هذا الشخص الضعيف المهزوم، الذي لا يملك على هذه الأرض شيئًا سوى قلبه.

حسب الخطة الموضوعة من قبل المسجونَين، فسيتم الأمر على أربع زيارات، في الزيارة القادمة لسمية سيعطيها والدها الصورة المزرية، وفي الزيارة التي تليها سيعرف رأيها، وبعد ذك سيبلغ بديع أهله بالأمر، وهكذا.

لكن جاءت الأقدار بشكل استثنائي لتنتصر للرغبة في الحب، فقد تحصل الشناوي على إفراج مفاجئ وأبلغ صديقه بأنه سيذهب إلى كريمته؛ ليعرض عليها الصورة بنفسه ثم يخبره بالرد.

انتظر بديع الرد في شوق، وجاءت البشرى بعد 15 يومًا، بأن العروس قد وافقت وقبلت بصاحب الصورة المضحكة، وبأنها في انتظاره أن يخرج من السجن بعد 6 سنوات، وباتت مهمته هو أن يبلغ أهله بالأمر الغريب.

في الزيارة أبلغ بديع والده ووالدته بالأمر، غضب الأب؛ فليس من السلوك القويم أن تربط مستقبل فتاة في مقتبل العمر بمستقبل شخص في مثل ظروفك، وليس من التقوى أن تترك فتاة تنتظرك 6 سنوات، ستخرج بعدها وأنت لا تملك وظيفة ولا مسكن، لكن الفتى ظل متمسكًا برغبته في الحياة التي تُضحك من حوله، وأخذ يتوسل لوالده كي يرضى، ويعبر له عن أن ذلك الحلم لن يستطيع أن يتركه أو ينساه، ورق له قلب أمه فأقنعت والده، ووعدت بديع بأنهم سيخرجون من زيارته ويذهبون للقاء الحاج شناوي في نفس الليلة، وبالفعل تمت الزيارة وعادوا إلى دارهم بالمحلة.

نام الوالدان بعد أن لبوا رغبة ابنهم المحبوس، واستيقظوا ليجدوا صوت الهاتف، وحين رد الوالد وجد صوت ابنه يخبره بأنه في المحلة، وهو قادم إليهم الآن، فقد أُفرج عنه مساء أمس بعد زيارتهم مباشرة.

القدر كان كريمًا إلى حدود غير عقلانية، لأناس لم يعتادوا من الواقع سوى قسوته، ذهبت الأسرة إلى منزل الحاج الشناوي لأول مرة بعد الإفراج، وباغتهم الشناوي بطلب غريب حيث قال لبديع: “انزل هات المأذون حالا، احنا ربنا خرجنا من السجن علشان انت تتجوز”.

صورة تجمع محمد بديع ومحمد علي الشناوي أثناء عقد القران، من موقع “ويكيبديا الإخوان المسلمون”

عُقد القران واقترض بديع من والده ثلاثين قرشًا؛ ليعطي المأذون أجرته، فلم يكن يملك في جيبه شيئًا حتى يعطيه لعاقد القران.

كان الاتفاق أن يقوم بديع بتحضير غرفة لزوجته في منزل والده، وأن يبدأ في الترتيب لشراء طيور ودواجن؛ حتى ينفق على زوجته من مكسبهم الضئيل، وفي “شهر العسل” كانت مفاجأة جديدة من مفاجآت الحب الذي يعقب الأحزان، فقد جاء جواب من الجامعة يأمر بديع بالحضور فورًا؛ كي يستلم عمله من جديد.

عاد بديع إلى زوجته من الجامعة ووضع في يدها ما معه من نقود، وأخبرها أن الجامعة قد أعطته نصف راتبه عن سنوات الاعتقال.

إن الحوادث التي بدأ فيها الحب في أماكن غريبة كثيرة جدًا، لكن ستظل قصة بديع تحمل تفردها الخاص، فنادرًا ما تكون النظرة الأولى للحب في السجن، ومن خلف القضبان، وفي نفس المكان الذي أرادت السلطة به أن تحول الإنسان إلى شبح.

فوزي حبشي: ماذا فعل« معتقل كل العصور» حين صبوا الماء المالح على جروحه؟

جاءت لزيارتي في قسم شرطة شبرا، وكان حدثاً جللاً؛ إذ إنّ زيارة شابة صغيرة، وجميلة لمحبوس، كانت أمراً غير معتاد.– فوزي حبشي حاكيًا عن زيارة ثريا شاكر له في السجن حين كانت خطيبته عام 1947

عندما زارت الفتاة الجميلة خطيبها المهندس الشيوعي في قسم شرطة شبرا، لم تكن تعلم أنه سيلقب بعد ذلك بمُعتقل كل العصور؛ حيث ستُصادر حريته في العهد الملكي، وعهد عبد الناصر، والسادات، ومبارك، ولم تكن تعرف أنها ستلحق به إلى المعتقل في عهد عبد الناصر هي الأخرى؛ بعد أن تتأثر بأفكاره وثوريته، ولم تكن تعلم أنهما سيسطران معًا قصة حب خالدة ستبقى أكثر من ستين عامًا حتى الموت.

في خطاب عبد العظيم أنيس لزوجته من سجن الواحات عام 1963 ، كان يحكي لها عن مهندس عبقري اسمه فوزي حبشي، هو الذي وضع تصميم ـ وأشرف على تنفيذ ـ بناء المسرح الذي شيده المعتقلون بالسجن، ليجسدوا عليه أروع وأمتع العروض، إنه فوزي حبشي الذي تعرض للتعذيب الوحشي، وكاد يموت في أكثر من مناسبة بسبب بشاعة التعذيب، هو فوزي حبشي ذو الحظ الوافر من التعذيب والحب! إنه عاشق العمارة والهندسة والماركسية الذي بدأت علاقته بالشيوعية من شبرا حيث كان يوزع المنشورات ضد الانجليز في شبابه.

صورة لفوزي حبشي من صحيفة المصري اليوم

فوزي حبشي واحد من أكثر الذين تعرضوا للتعذيب الوحشي وصنوف الإذلال والمهانة في سجن عبد الناصر، في إحدى المرات قام المعذبون بضرب جسده النحيل بالكرابيج في معتقل العزب بالفيوم، ثم رحلوه إلى معتقل الواحات وهو ينزف دمًا، لكن حبًا عظيمًا كان قادرًا على مسح كل تلك الآلام وأضعافها؛ حب ثريا شاكر.

وفي إحدى المرات كان التعذيب أكثر وحشية من أي تصور، فبعد الجلد بالكرابيج على كل جزء من جسده النحيل، صبوا عليه ماًء مالحًا، شعر حينها أن الموت قد اقترب منه جدًا، فما كان منه إلا أن طلب من أحد الحراس، والذي توسم فيه الطيبة، أن يأخذ خاتم زواجه ويرسله إلى ثريا، فهذا الخاتم هو رفيق درب فوزي الأبدي ولا يخلعه إلا عند الموت ليصل إلى ملكة قلبه الوفية.

هذا الحب خاصٌ جدًا، لأنه ليس حب سجين سياسي معذب لزوجته الطليقة، إنه حب زوجين خطفهم السجن من أولادهم الثلاثة، فبعد اعتقال فوزي في عاصفة اعتقالات الشيوعيين 1959 ، جاء عيد الميلاد الثامن لابنهما ممدوح؛ وفي هذا اليوم جاء “زوار الفجر”؛ ليأخذوا ثريا من أحضان أبنائها هي الأخرى، لتترك ابنتها الصغرى الرضيعة نجوى التي كانت تبلغ من العمر سنة واحدة حينذاك، وطوال فترة اعتقالها (4 أعوام)، لم تر ثريا ابنتها إلا حين أصبحت الطفلة في الثالثة من عمرها، ولم تتعرف عليها حينذاك، إلى أن جاء مأمور السجن وسألها ” مش عارفة دي مين؟”، صرخت ثريا وهي تبكي وتقبل الطفلة وتقول: ” نجوى! أكيد نجوى”، كان مشهدًا إنسانيًا جعل المأمور نفسه يجهش بالبكاء.

المهندس المبدع يتحمل العذاب، لكنه لا يتحمل ألا يراسل زوجته، والخطابات ممنوعة. كان لا بد أن يجد حلاً، وبالفعل استخدم حبشي طريقة مبتكرة هي الـ water print، حيث يكتب بقلم خشبي رفيع على ورقة نشاف، وحين تجف تختفي الكتابة فيرسم رسومات هندسية مختلفة للتمويه، وتذهب الخطابات باسم مسجونة جنائية “تاجرة مخدرات” كانت صديقة مقربة لثريا في السجن، وحين تقوم تاجرة المخدرات بتسليم الخطاب إلى ثريا تقوم بتبليله بالماء، فيظهر الخطاب الأصلي، ونجحت الخطة بالفعل في كسر الحصار المفروض على حبهما من قبل السلطة.

صورة لثريا شاكر زوجة فوزي حبشي من صحيفة الخليج

إن خبرة حبشي الهندسية لم تكن خبرة معمارية فحسب، بل كانت خبرة إنسانية أخلاقية، كان مهندسا إنسانيا قبل أن يكون مهندسا معماريا، ولهذا فكفاءته الهندسية المعمارية تطل دائما على الإنسان ومن أجل الإنسان. – محمود أمين العالم متحدثًا عن فوزي حبشي

كانت طريقة فوزي في التعبير عن حبه دائمًا مرتبطة بالهندسة والتصميم الخلاق، فأغلى هداياه إلى زوجته على قلبها، هي تلك الصَدَّفة الرائعة التي تضم بين جنباتها “بورتريهاً” لها، تلك الصَدفة جلبها فوزي من جبل الطور حين كان في المعتقل عام 1948، ووضع فيها صورتها الجميلة وأرسلها لها في عيد ميلادها من المعتقل.

كذلك حين أراد أن يعبر عن حبه لرفاقه بمعتقل المحاريق، استخدم كل طاقاته وأفكاره الهندسية ليبدع مسرح السجن، وفي المرحلة التي هدأ فيها التعذيب واستقرت الأوضاع نسبيًا، انطلق مع كافة السجناء من الشيوعيين والإخوان المسلمين، وحتى السجناء الجنائيين، من أجل تحويل معتقل المحاريق البشع إلى جنة، وهكذا اتفقوا مع مأمور السجن على بناء مخبز، وورشة نجارة، حتى أن الفنان التشكيلي “وليم اسحاق” قام بصنع أواني فخارية طورها بعد ذلك إلى إنتاج الخزف الملون، إلى جانب أنهم استصلحوا مائة فدان من الأراضي المجاورة للمعتقل بفضل تعليمات الخبراء في فنون الزراعة من المعتقلين، واشتركوا في معرض الإنتاج الزراعي بالمحافظة وحصلوا على المركز الأول.

ظلت علاقة ثريا بفوزي، تأخذ شكل الصمود في وجه السلطة، فقد رفضت ثريا تمامًا، وتحت أقسى الظروف، أن تقايضها السلطة بحريتها مقابل طلب الطلاق من حبشي؛ كنوع من الإذلال له. وبعد انتهاء عهد عبد الناصر ظلت ثريا تملك قلبًا قادرًا على احتواء الأحلام الكبيرة والأوجاع الكبيرة لمعتقل كل العصور.

وهكذا ببساطة انتصر الحب على العذاب في قصة آل حبشي، وظل كل من يراهم لآخر لحظة، يشعر وكأنه أمام حبيبين بدأت علاقتهما للتو.

ليسوا وحدهم:

رغم خوفي من أن أكون مثارًا للسخرية، دعني أقل لك: إنَّ الثوريّ الحقيقي هو من يهتدي بمشاعرِ حبٍّ عظيمة” – تشي جيفارا

يحكي الدكتور فخري لبيب في كتابه: “الشيوعيون وعبد الناصر” ويقول: ” بخلاف ما كنا ننسى به عذاب النهار في المعتقل، حين نجتمع في المساء ونتناقش حول هيجل، وكانت، وماركس، وابن خلدون، وسارتر، وأبي ذر الغفاري، كنا نحتفل أيضًا بالمناسبات كعيد رأس السنة، أو ذكرى شهيد، أو عيد ميلاد رفيق، ويكون الاحتفال بعيد الأم دائمًا عاطفيًا وجياشًا، ترتفع فيه الأغاني التي تعبر عن أجمل المشاعر للأم، وقد غنى لنا رفيق ذات مرة؛ أغنية كتبها ولحنها بعنوان: ( لا تحزني يا زوجتي يا أم طفلي )”.

إن الثلاثة نماذج التي تعرض لها التقرير، ليست هي المناذج الوحيدة بالطبع، وحتى نموذج فوزي حبشي وثريا شاكر؛ لم يكن الوحيد من نوعه، فالأزواج الذين دخلوا السجن سويًا في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كُثر، ونذكر منهم على سبيل المثال: أسماء حليم وزوجها أسعد حليم، وثريا أدهم وزوجها حلمي ياسين، وثريا إبراهيم وزوجها الدكتور مختار السيد، وفاطمة زكي وزوجها نبيل الهلالي، وشكري عازر وزوجته، وسميرة الصاوي وزوجها أحمد طه، وانتصار خطاب وزوجها صلاح خطاب، والدكتور فوزي منصور وخطيبته زينات أفلاطون، وعبد السلام مبارك وزوجته نوال المحلاوي، وخلف كل جسد يعذب كان هناك قلب يحب ويدفع باتجاه الحياة وينتصر، وبخلاف المذكورة أسماؤهم في الكتب والمراجع، فهناك مئات غيرهم من البسطاء والعمال والفلاحين الذين اعتقلوا ونسى أسماءهم الجميع بعد ذلك.

وبعد تلك النماذج يبقى السؤال الأهم: إذا كان الشائع والمشهور أن البقاء للأقوى، فهل يمتلك الضعفاء قدرتهم الخاصة على البقاء والصمود والمقاومة؛ قدرة خاصة متمثلة في الحب؟

المصادر

تحميل المزيد