فجّر أبطال الروايات الماء في قلوبنا قبل أبطال حيواتنا الحقيقيين، فيجمعون بين صفات واضحة كالوسامة والغموض المحبب، مع البطولة في الحياة الحقيقية؛ فتراه مبارزًا أو جنديًّا في ساحة الحرب وبطلًا في حياة فتاته يتتبعها أينما هربت ويباغتها بمشاعره في كل حين.

تقريبًا في كل رواية رومانسية نقرؤها نجد هذا الشخص، له من الصفات الجسمانية كل ما هو مرغوب كإله يوناني منحوت من الرخام، مع استخدام كل الوسائل الأدبية لنغفر له مهاجمة الأنثى بل ولنحب إيقاعه بها تدريجيًّا.

وهنا لم نأتِ فقط بهذه التماثيل، فبالإضافة إلى وسامتهم التي ظهرت أكثر مع تجسيد هذه الأعمال الأدبية بالسينما، فلكل بطل صفات مخالفة لغيره جعلته مهدئا لأولئك الرومانسيين المتشددين وهم يتخيلون وقفته على ناصية الطريق.

الوقور: «دارسي» بطل رواية «حب وكبرياء»

سُدى ذهبت كل محاولاتي للمقاومة. إنها لا تجدي نفعـًا، لا يُمكنني كتمان مشاعري. لابد أن تسمحي لي أن أخبركِ عن شدة إعجابي وحبي لكِ.

ماثيو ماكفادين في دور السيد دارسي بفيلم “حب وكبرياء”

 

اعتدنا مناداته “مستر دارسي” بالضبط كما تنطقها إليزابيث بينيت الجميلة بطلة رواية “حب وكبرياء” لجين أوستن. يحمل دارسي في شخصيته الغامضة سحرًا يجعل منه بطلًا رومانسيًّا حتى يشيب شعر رأسه، فهو الرجل المهذب المتحفظ قليلا والمغرور كثيرًا، وسيم جدا ومن أثرياء إنجلترا الطبقية في القرن التاسع عشر.

يحاول مستر دارسي طوال الرواية إخفاء مشاعر حبه تجاه إليزابيث، فتصدر عنه دائما عبارات صادمة من توتره وكثرة صدقه بما لا يخرج عن إطار الأدب بالطبع، فتتلقاها إليزابيث بضيق وتعتبرها عجرفة شديدة بعضها صحيح بسبب ظروف عائلتها البسيطة وتصرفاتهم السخيفة، باستثنائها وشقيقتها الكبرى وهو سبب تهربه من حبه لها.

في الرواية دفعت جين أوستن بطلها مستر دارسي الرزين لارتكاب فعل ليس لرجل بشخصيته وبمنطقه العقلاني أن يرتكبه، بعدما اعترف بحبه لإليزابيث ورفضته، فأرسل لها رسالة طويلة يفسر شعوره وأفعاله والتبرير لاتهامات ليس له التكفير عنها، وهو ما عابه النقاد على جين أوستن لأنها أسقطت عنه غموضه اللذيذ المحبب مرة واحدة وجرفته مع مشاعره واستعداده السير ضد التقاليد والضغوط التي قد تعيق هذا الحب. لكنها بالضبط ذات الرسالة التي لن تنساها امرأة قرأت الرواية وشاهدت رجلا عميق التفكير يعبر عن مشاعره بمثل هذه الرومانسية.

الغامض:«إدوارد روتشستر» بطل رواية «جين آير»

أنا أعرض عليكِ يدي وقلبي أنا أطلب منك أن تمري بالحياة من جهتي، أنت مساوية لي هلا تزوجتني؟.

مايكل فاسبندر في دور مستر روتشستر في فيلم “جين آير”

تعجب الكثير من اختيار السيد روتشستر كأكثر الشخصيات الأدبية رومانسية في استطلاع أجرته صحيفة التليجراف لمسحة اليأس التي تكسو وجهه وقلة اهتمامه بمظهره مقارنة بأقرانه في الروايات الأخرى، روتشستر هو بطل رواية “جين آير” التي نشرت عام 1847 لشارلوت برونتي، ثري ورغم ذلك يقع في حب مربية الأطفال بمستواها المتواضع ومظهرها القاتم للغاية.

رسمت برونتي بطل روايتها رجلًا طويل القامة وسيمًا يستوفي شروط البطل الرومانسي في المدرسة القديمة للرومانسية، يبدو صارمًا غامضًا طويل القامة بحواجب ثقيلة، ولديه طريقته الخاصة في إظهار الحب وفهم شخصية أنثى مثل جين، وذكاء عاطفي يجبرنا على منحه مكانة بين أكثر الشخصيات الرومانسية تفضيلا رغم بعض عيوبه.

تتحدى برونتي في روايتها قرَّاءها؛ فمع أول قراءة بريئة لـ”لجين آير” تتشكل لدينا أفكار كثيرة عن الحب وتتحدى كل امرأة ألا تفقد قوتها مع كل ما يقدمه روتشستر عن نفسه من تفكير عميق وصعوبة أقرب للوحشية وغموض، خلف تجهم بلا أقل ابتسامة وملامح صارمة وصدر متسع، ولسان قوي لغته خاصة حين اعتذر لجين بعدما علمت بأمر برثا زوجته الأولى فقال “ألم تعودي ملجئي ، منقذتي كما وعدتني؟” حتى عندما فقد بصره لم يتغير صوته وهو يقول لها “أنا أشتاق إليك لروحك وجسدك”.

يمكننا الآن بحيادية ذكر عيوب السيد روتشستر وغفرانها جميعًا؛ فعواطفه المتخفية تجعلنا نبرر له أسلوبه المتجبر ومعاملته لابنته والطريقة التي لعب فيها بمشاعر جين، واختبارها وإغاظتها بلعبته وهو يشجع اعتقادها بأنه على وشك الزواج من الجميلة بلانش إنجرام، فجميعنا مر عليه هذا الشعور نحوه بأنه قاس ويكاد يكون قاتلًا، لكن ما هو عليه حقًّا هو أنه مضطرب محاصر في بؤسه وخطيئة تزوجه من الجميلة المجنونة بيرثا، التي أخفاها لسنوات في غرفة مغلقة وهو بأمسّ الحاجة إلى الحنان والحب، ولا يمكن لأحد لومه على هذا.

الوسيم: «ريت بتلر» بطل رواية «ذهب مع الريح»

ششش، أنا أطلب منك الزواج الآن فهل ستقبلينني إذا جثوت على ركبتيّ.

كلارك غيبل في دور ريت بتلر بفيلم “ذهب مع الريح”

ماذا يمكن أن يفعل “جنتلمان” جنوبي غير ما فعله ريت بتلر؟ فهل له مثلا أن يقتل رجلا أسود لأنه فقط أهان المرأة التي يحبها؟ في رواية “ذهب مع الريح” بذلت مارجريت ميتشيل كاتبة الرواية جهودًا بطولية من أجل كتابة نص يبرر للجنوب الأبيض القديم أفعاله ضد السود، ولتكون قادرة على الدفاع عن رؤيتها لريت بتلر ابن أحد الإقطاعيين وتصويره رجلًا بغموض مثير، وإقناعنا بحب العالم الذي أنجب أشخاصًا مثل ريت، والتأكيد على صحة الصورة النمطية بأن “الفتيات دائما ما تحب الفتى السيء”، ونجحت ميتشيل.

شخصية ريت بتلر قوية وجذابة، وبدائيته مثيرة للنساء من حوله، هذا بالطبع إلى جانب تصوير ميتشل لقوته الجنسية مع حبيبته سكارليت أوهارا فتجعل منه الرجل المهيمن على العلاقة، هيمنة تحبها المرأة وتزيد من ثقتها بجمالها.

من البداية يظهر ريت في الرواية مغامرًا محبًّا لسكارليت المشغولة بحب أشلي ويلكس، وظروف أسرتها وزوجها، فلا تلتفت له منذ التقيا قبل اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية، وقبل أن تعصف بكل شيء ليعرض عليها حبه مرارًا وهي تجري خلف حب من طرف واحد، ولكنه ظل يهاجمها في كل مكان كأقوى سلاح للرجل ولم يتراجع عن رغبته.

وسامة ريت لم تمنعه من الصفح عن سكارليت أكثر من مرة؛ فبعد وفاة زوجها ومحاولاته إظهار أجمل صفاته من أجل كسب قلبها، ومساعدتها في الهروب لمكان آمن، وحماية أسرتها، تخدعه هي حتى أنها تزوجت منه فقط لتحسين صورتها الاجتماعية لتكتشف في النهاية أنه الوحيد الذي أحبها بعدما عادت لمزرعة والدها فقيرة.

المناضل السياسي: «شريف البارودي» بطل رواية «خارطة الحب»

كيف يصيبنا الحب هكذا فجأة؟ بدون إنذار؟ بدون استعداد؟ أليس المفروض أن يزحف علينا وئيدًا، يأخد وقته، حتى إذا جاءت اللحظة التي نصرح فيها”أنا أحب”، نعرف – أو على الأقل نظن أننا نعرف – ماذا نحب؟ كيف يحدث هذا؟ وضع الكتفين، اتساع الخطوة، ظل خصلة من الشعر على الجبهة، كيف تتحرك مشاعر القلب إلى هذه الدرجة؟.

 

البطل العربي أقرب لقلوبنا بالتأكيد، شريف باشا البارودي الاسم الذي ظل يتردد على لسان كل فتاة عرفتها قرأت رواية “خارطة الحب” لأهداف سويف، البطل الحقيقي الذي جمع إلى جانب الرومانسية قلب مناضل وثوري في فترة صعبة من تاريخ مصر في نهايات القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، يبهرنا بشهامته وحدة ذكائه وعاطفته.

حاولت أهداف سويف تخيل شخصية صنعت له أصولًا واقعية حولته لشخص حي؛ فعمه محمود سامي البارودي الشاعر والمشارك في الثورة العرابية، ووالده كان أيضًا من المشاركين في الثورة، وشريف أحد محركي الأحداث هذه الفترة ومثل عمه تمامًا مهتم بالسياسة ونواحٍ اجتماعية.

كل هذا يجعل من شريف بطلًا، لكن كيف كان في حياته العاطفية؟ لم يظهر شريف من البداية رغبته في الزواج من أي فتاة لا تفهمه ولا تهتم سوى بالخياطة والطبخ، حتى قابل “آنا” صدفة غريبة أوقعته مع أرملة إنجليزية شابة في ضيافة اللورد كرومر، لكنها لم تحترم الأوامر وتنكرت في زي رجل لتستطيع استكشاف صحراء سيناء، لتقع بيد شباب الحركة الوطنية فيختطفونها باعتبارها رجلًا إنجليزيًّا، عندما يكتشفون خطأهم لن يملكوا سوى إخفائها في منزل شريف باشا البارودي.

أهم صفات شريف البارودي وكغير عادة الرجل الشرقي تفهمه أن “آنا” بريطانية، ولما استضافها في منزله أكد هذا على أمه ولم يدفعها للرضا بعيش يوم مصري حتى وإن كان تحت الاحتلال البريطاني، وثاني صفاته كانت اندفاعه بحبه ومغامرته بالزواج من “آنا” على يد الشيخ محمد عبده ليتلقوا التهاني واللعنات على فعلتهم، وحتى أنه ترك لها حريتها في وصيته الأخيرة بعد اغتياله بأن تعود إلى بلادها بعد وفاته بأولادهما لأنه لم يعد موجودًا ليحميها من اضطهاد المصريين أو الإنجليز بعده.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد