حل المنخفض الأخير “هدي” على قطاع غزة، وحال أهله الأسوأ منذ عام 2006، بعضهم اضطر لترك خيامه وأنقاضه وانتقل مؤقتًا لتواجد في بيوت الأقارب، والبعض الآخر فضل البقاء، حياءً من التضييق على الأقارب.

تستقبل بيوت غزة هذا المنخفض، بعد أن نال منها قصفٌ عنيف في عدة حروب إسرائيلية آخرها “الجرف الصامد” الذي هدم فيه الاحتلال 20 ألف منزل، فمراكز الإيواء ما زالت تحتضن 17 ألف فلسطيني نزحوا من بيوتهم المدمرة إلى 18 مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأنروا)، كما عانت هذه البيوت من حصار زاد عن ثماني سنوات يمنع فيها دخول مواد البناء، تلك الظروف كشفت عورة البيوت الفلسطينية في هذا الشتاء.

“ساسة بوست” تجولت في مدينة غزة لتروي معاناة الأسر الفلسطينية مع المنخفض الأخير:

رغد وجدران من النايلون

الطفلة رغد

ليلُ شتاء طويل، تُحرم فيه رغد –سبع سنوات- من النوم، يرعبها مجرد قول الأرصاد الجوية بأن منخفضًا أو أمطارًا غزيرة ستتساقط على غزة، استقبلت رغد شتاء هذا العام في شقةٍ جدرانها مهدمة وشبابيكها بلا زجاج بل مغطاة بالنايلون، شقة ما زالت رغم الضرر قائمة، في الليلة السابقة لحديثنا معها تسبب المنخفض الجوي بسقوط جدار كان آيلًا للسقوط وأرعب سقوطه أسرتها وخاصة كونها الأصغر سنًا، تقول رغد: “أخاف كثيرًا من صوت الريح ولا أريد الخروج من الغرفة التي توجد بها أمي”، أما أمها فتقول: “أشعر أن البرد والصقيع يأكلني أنا وأبنائي، الشادر الذي وضعته لتغطية محل جدران منزلي لا يجدي بتاتًا”.

استشهد والد الطفلة رغد، “جبر حبيب” في عدوان “الرصاص المصبوب 2009″، كان عمر هذه الفتاة حينها ثلاثة شهور، وفي عدوان “الجرف الصامد” أبت قوات الاحتلال على رغد إلا أن تشهد على همجيته، حيث اضطرت الفتاة للنزوح مع أسرتها طيلة أيام العدوان، وعندما عادت لبيتها الكائن في شارع النزاز، وجدته عبارة عن أعمدة من الأسمنت خالية من أي جدران أو أثاث، اضطرت والدتها لتغطية البيت بـ”شوادر بلاستيكية” علها تحمي أبناءها من البرد.

غرفة واحدة

الطفل عبد الحميد

يحاول الطفل عبد الحميد – تسعة أعوام- مساعدة أمه في حمل الخضراوات التي أتت بها لتوها من سوق الشجاعية، يقاوم الريح الشديدة في تلك المنطقة المتاخمة للحدود الشرقية لقطاع غزة مع دولة الاحتلال.

يعيش عبد الحميد في أسرة كبيرة العدد، لديه سبعة أشقاء وشقيقتان، اضطر والده بعد انتهاء عدوان”الجرف الصامد” إلى إصلاح غرفة واحدة من منزله الذي تعرض للهدم والسكن فيها، يقول عبد الحميد أنه قضى ليلة مؤلمة عندما غرقت تلك الغرفة بمياه الأمطار بسبب المنخفض، كما أن “النايلون” الذي غطي به والده شبابيك المنزل يدخل عليه الهواء البارد فيؤذيه كثيرًا.

عمار وخيمة لا تقي من البرد

الطفل عمار

الطفل عمار -12 عامًا- لم يستجِبْ لنداء أمه بالذهاب معها لبيت الجد، آثر البقاء مع أشقائه في الخيمة التي أقيمت على أنقاض منزلهم المهدم بشكل كلي في العدوان الأخير، يقترب عمار من “كانون الحطب” عله يحظى ببعض الدفء في هذا الجو البارد جدًا، خاصة أنه يعاني كغيره من انقطاع التيار الكهربائي، يقول عمار أن أمه ذهبت لبيت الجد من شدة البرد لكنه هو بقي مع أشقائه الذين يتحرجون من التواجد في منزل غير منزلهم، والد عمار لن يحظى ببدل إيجار من المؤسسات المعنية كي يتمكن من استئجار منزل لأبنائه الأحد عشر.

أمل هذا الطفل الآن، أن يسارع في عملية الإعمار من أجل إسكان أسرته كي تتغلب على تلك الأجواء القاسية.

آلاء تحتمي بأنقاض منزلها

الطفلة آلاء

غافلت آلاء حسنين– 11 عامًا- أمها التي تسكن في بيت الجد، وذهبت للعب على أنقاض منزلهم المدمر والذي يبعد عشرة أمتار عن منزل الجد، احتمت به من “زخات المطر” التي أخذت تتساقط على حي الشجاعية الذي تسكن فيه، تقول آلاء أنها تحب المطر كثيرًا، لكنه يزعجها الاكتظاظ في بيت جدها، فالآن هي تعيش فيه مع أكثر من عائلة لأعمامها وعماتها، تقول آلاء: “جئت هنا لبيتنا، أتذكر الكثير من الأشياء التي كنت أفعلها في بيتنا، كنت أقف على الشرفة وأنظر للمطر مع أشقائي. أتمنى أن يبنى بيتنا من جديد”.

أبو العبد والشتاء

الفلسطيني أبو العبد

اضطر أبو العبد -52عامًا- للخروج في هذه الأجواء الشتوية القارصة من أجل مباشرة عمله كخياط، فمهنته تقوم على حياكة الجلد والنايلون الذي يستخدم كسواتر للمنازل المهدمة أو غيرها، اقتنص بعض الوقت وأخذ يصنع الشاي على نيران أعدها وزملاؤه في العمل من أجل التدفئة في هذه الأجواء الممطرة.

مكان عمل أبو العبد تعرض لهدم بليغ في العدوان الأخير، وكذلك منزله هدم كليًا في هذا العدوان، اضطر لاستئجار منزل في منطقة غرب غزة “تل الهوا”، فهو أب لأربعة أبناء، يقول أبو العبد: “نأمل أن تحل أمورنا، نريد أن نملك بيتًا يحمي أسرنا من مثل تلك الأجواء القارصة، أريد أن أعرف مصيري، متى سأجد نفسي وأهلي يحصلون على حقهم في السكن؟”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد