معلومات وحقائق تاريخية عن ظاهرة الأقدام السوداء في الجزائر

يثار ملف الأقدام السوداء كلما نظم حدث يربط الجزائر بفرنسا، سواء تعلق الأمر بإحياء ذكرى حرب التحرير، أو ذكرى الاستقلال، أو حتى تبادل زيارات لمسؤولين رفيعي المستوى بين البلدين، وذلك من خلال تصويرهم على أنهم ضحايا لعنف الثورة الجزائرية، أو المساومة عبر المطالبة بممتلكاتهم المفقودة في الجزائر، أو إعادة إحياء مشكلتهم والحديث عنهم باعتبارهم ضحايا أزمة هوية فريدة من نوعها، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بما يسمونه حق العودة إلى وطنهم الأم.

لكن من هم أصحاب الأقدام السوداء؟ وما هي الخلفية التاريخية التي منحتهم هذا الاسم وواكبت خروجهم من الجزائر؟ وما هي وضعيتهم الحالية في فرنسا؟

نحاول في هذا التقرير الإجابة عن كل هذه الأسئلة.

1- من هم أصحاب الأقدام السوداء؟

أفواج الهجرة الأوروبية إلى الجزائر (1899)

يطلق اسم الأقدام السوداء على المستوطنين الأوروبيين، الذين ولدوا أو عاشوا في الجزائر لأجيال متتالية خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر الممتدة من 1830 إلى 1962، وكانوا في معظمهم من الفرنسيين واليهود، مع بعض الجنسيات الأخرى كالإيطالية أو الإسبانية أو المالطية أو من دول أوروبا الشرقية.

يختلف المؤرخون حول أصل هذه التسمية، إذ يقول بعضهم أنها ترمز لسواد أحذية الجنود العاملين في الجيش الفرنسي، فيما يفسر البعض الآخر هذا الاسم بأنه دلالة على سواد أرجل عاصري عناقيد العنب في المزارع الجزائرية واتساخ ملابسهم.

يختلف أيضًا حول المشمولين بهذا الاسم، فبعض اليهود يرفضون إطلاقه عليهم لأنهم لا يعتبرون أنفسهم ذوي أصول أوروبية، كما أن المصادر التاريخية لا تتفق جميعها على إطلاق هذا الاسم على المستوطنين الذين ولدوا وعاشوا في الجزائر، بل تضيف إليهم أحيانًا من ولدوا أو عاشوا في تونس والمغرب.

2- كيف وصل أصحاب الأقدام السوداء إلى الجزائر؟

مستوطنون أوروبيون في الجزائر

منذ احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، والمشروع قائم على إيجاد شعب فرنسي في الجزائر، بل تعدى الأمر ذلك إلى تطبيق مشروع استيطان أوروبي، بعد مصادرة الأراضي الجزائرية لإقامة مشاريع استيطانية فيها، بهدف إخضاع الأقلية الجزائرية للأغلبية الأوروبية، وتكريس الثقافة واللغة والعادات الفرنسية والأوروبية، والقضاء على كل أشكال المقاومة التي قد يبديها الجزائريون تجاه الاستعمار الفرنسي.

وهكذا فقد انقسمت الهجرة إلى الجزائر إلى قسمين، القسم الأول يسمى بمرحلة الاستيطان العسكري، والتي تراوحت بين الاحتلال الضيق الذي اتسم بالحذر نظرًا لعنف المقاومة التي أبداها الجزائريون تجاه الاستعمار وكان ذلك بين عامي 1830 و1835، والاحتلال الشامل منذ 1835، والذي تميز بقدوم عدد كبير من أبناء الطبقة البرجوازية الذين وزعت عليهم الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها من أصحابها الحقيقيين، أما الاستيطان المدني بين عامي 1870 و1900 فقد تميز باستقدام مستوطنين أقل برجوازية، وهكذا فقد تدفقت على الجزائر أعداد كبيرة من عاطلي فرنسا وقطاع طرقها، ليتحولوا فجأةً إلى ملاك أراضٍ وأسياد في الجزائر!

وحسب آخر إحصاء أجري في الجزائر قبل الاستقلال، فقد وصل عددهم إلى ما يقارب المليون عام 1960، أي حوالي 12 في المئة من مجموع سكان الجزائر.

3- وكيف غادروها؟

جنود فرنسيون في الجزائر

نصت اتفاقيات إيفيان لإنهاء الاحتلال الفرنسي في الجزائر، والموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة ونظيرتها الفرنسية يوم 18 مارس 1962، على اختيار الفرنسيين والأوروبيين بصفة عامة في غضون ثلاثة أعوام، بين ممتلكاتهم ونيل الجنسية الجزائرية مع الاحتفاظ بالفرنسية، أو مغادرة الجزائر وبالتالي فقدان حقهم في ذلك بعد تجاوز هذه المدة، وقد صرَّح رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك، فرحات عباس، في هذا الصدد، موجهًا كلامه للأوروبيين الجزائريين، بأن «الجزائر إرث للجميع، فمنذ أجيال عديدة وأنتم تقولون أنكم جزائريون… لا أحد يعارض ميزة كهذه، لكن تقبلوا أنه لا يوجد وطن آخر ممكن لنا».

وفي هذا الاتجاه، يتبادل أصحاب الأقدام السوداء والجزائريون الاتهامات حول السبب الحقيقي الذي أدى بهؤلاء إلى النزوح ومغادرة الجزائر، ففي وقت تؤكد فيه شهادات ثوار جزائريين بأن الأقدام السوداء لم يطردوا من الجزائر، بل فضل معظمهم الرحيل بمحض إرادتهم، استنادًا لنداءات جبهة التحرير الوطني، التي أشارت إلى أن الحاجة ستكون ماسة إلى كافة أبناء الجزائر مهما اختلفت أصولهم ودياناتهم لإعادة الإعمار، وأن الدولة المستقلة ستضمن واقعية وعدالة مستقبلهم في كنفها، وأن البعض أجبروا على المغادرة بسبب عمليات التقتيل والأعمال المتطرفة التي مارستها المنظمة المسلحة السرية الفرنسية خلال إعلان استقلال الجزائر، (وهي منظمة فرنسية عارضت التوجه الفرنسي الرسمي نحو منح الجزائر استقلالها، وأصرت على أن الجزائر «أرض فرنسية» حتى النهاية)، يصر الأوروبيون على أن الممارسات العنيفة للثورة الجزائرية المسلحة هي التي دفعتهم إلى المغادرة على حد تعبيرهم، لتبدأ موجة نزوح كبيرة، بقي على أثرها حوالي 200 ألف منهم في الجزائر، قبل أن يتراجع هذا العدد من 200 ألف عام 1963 إلى 100 ألف في 1965، ثم 50 ألفًا في نهاية الستينيات، وبضعة آلاف في التسعينيات، ولم يبق منهم في الجزائر سوى بضع مئات اليوم.

4- أين هم الآن؟

يوجد في فرنسا حاليًا ما يقارب المليون من الأقدام السوداء، يعيش نصفهم تقريبًا في جنوب فرنسا، خاصة في مارسيليا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والتي يعتبرونها أقرب نقطة للعودة إلى «وطنهم الأم» حسب تعبيرهم.

تمكن هؤلاء من فرض وجودهم في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والرياضية والفنية في فرنسا، مانحين دورهم وتأثيرهم طابعًا خاصًا، اختلط فيه السياسي بالاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بحجم مشاركاتهم الانتخابية وقدرتهم على تغيير التوجه بما يخدم مصالحهم، كما تجاوزت قضيتهم مسألة التعويضات المالية (التي أسسوا في سبيلها جمعيات تعنى بحقوقهم) إلى ما يعتبرونه حق العودة الشرعية إلى بلادهم.

ومن جهتها فقد عوضت الحكومة الفرنسية من فقدوا أملاكهم، فأصدرت 3 قوانين لتعويضهم في عهد الرؤساء جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، وفرانسوا ميتيران. أما في الجزائر، فقد أصدر الرئيس أحمد بن بلة مرسومًا خاصًا بتأميم آخر ممتلكات المستعمرين، كما رفضت السلطات الجزائرية منح تعويضات للأقدام السوداء بدعوى أن الجزائر لم تطردهم وأن رحيلهم كان طوعيًّا.

5- كيف حولتهم فرنسا إلى ورقة ضغط بوجه الجزائر؟

الفنان الفرنسي إنريكو ماسياس، المنتمي للأقدام السوداء

أسست جماعات اليمين المتطرف في فرنسا ما أسمته «الاتحاد من أجل الدفاع عن حقوق الفرنسيين المطرودين من الجزائر ومن بلدان أخرى»، وقد رفع نحو ألف من الأقدام السوداء دعاوى للحصول على تعويضات استنادًا إلى قانون فرنسي ينص على أن ما قدمته الحكومة الفرنسية لهم من أموال هو مجرد «تسبيق» لحقوقهم، ثم نقلوا ضغطهم إلى صفحات الكتب والجرائد، حيث وصف كتاب «65 شخصية تشهد» الصادر عن دار «هيغو وشركاؤه» بالعاصمة الفرنسية باريس، الجزائر بأنها الأرض الأصلية للأقدام السوداء وأنها انتزعت منهم بالقوة، إذ يضم شهادات لشخصيات معروفة مثل ألكسندر أركادي، باتريك برويال، أنريكو ماسياس، وغيرهم من المستوطنين الأوروبيين واليهود.

ظل موضوع ممتلكات الأقدام السوداء معلقًا سنوات بسبب غياب النصوص القانونية، وخرجت الحكومة الجزائرية عن صمتها وأعطت أمرًا لكافة المحافظات العقارية بإلحاق العقارات والممتلكات المقصودة ضمن ممتلكات الدولة من أجل حماية التراث العقاري الجزائري، بعد أن كانت في خانة الإهمال والتلاعب من طرف أصحاب المصالح والسماسرة الذين استغلوا الفراغ القانوني.

وقد أدى هذا الغياب في النصوص القانونية إلى ارتكاب أخطاء قانونية ساهمت في إصدار أحكام في حق بعض الجزائريين الذين انتزعت منهم ممتلكاتهم لصالح الأقدام السوداء الذين استطاعوا مغالطة القضاء رغم النصوص القانونية، ما فتح أبواب التشكيك في مصداقية القضاة على مصراعيها، ووجهت الأنظار إلى جهات جزائرية متورطة فيما يحصل، من خلال تسهيل عملية استيلاء الأقدام السوداء على ممتلكات مقابل مزايا كبيرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد