ارتفعت معدلات استخدام مخدر «إل إس دي (LSD)» في الولايات المتحدة بنسبة 50% خلال سنوات قليلة، فلماذا يتجه البعض إلى عقار مهلوس يؤثر على الشعور والرؤية، وقد يتسبب في ما أسماه الأمريكيون الأصليون «جنون فوري»؟

تستخدم جماعات دينية عديدة المهلوسات منذ آلاف السنين، مثل السكان الأصليين في أمريكا، الذين تناولوا صبار البايوتي والأياهوساكا المتسلق، للدخول في حالات روحانية وإيمانية معينة، وللتعمق في الدين والتواصل مع الآلهة.

سمح لهم هذا برؤية حياتهم وأنماط سلوكهم من منظور جديد، وغرس القيم الدينية فيهم أثناء نشوتهم من أجل تغييرات سلوكية دائمة. كما وصفوا النوبات السيئة التي تحدث خارج السيطرة بأنه «جنون فوري.. غالبًا ما يكون عالمًا بلا عودة»، وهي التأثيرات نفسها التي يقول متعاطو «إل إس دي» أنه يسببها.

يصبح الإدراك والمعرفة والعلم بالأمور مختلفين تمامًا تحت تأثير «ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك»، المعروف اختصارًا بالأحرف اللاتينية «إل إس دي»، وربما كانت أقرب الأعمال الفنية التي أظهرت تأثيره هي فيلم «الخوف والقرف في لاس فيجاس (Fear and Losing in Las Vegas)»، المأخوذ عن رواية الصحفي الأمريكي هانتر إس طومسون، ويصف كيف تتحرك الرسوم المزينة للسجاد في الملهى الليلي، والعالم الذي تراه ولا تنطبق عليه قوانين الفيزياء التي نعرفها.

مكتشف «إل إس دي»: «لا بد عن وجود إله»

درس ألبرت هوفمان الكيمياء بجامعة زيورخ من أجل «استكشاف العالم الطبيعي على المستوى الذي تتحد فيه العناصر بالطاقة لبث الحياة فينا كل يوم»، وبعد سنوات من محاولاته تصنيع المركبات الدوائية من النباتات، قام هوفمان بتوليف مركب ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك في عام 1938، لكنه لم يكتشف آثاره النفسية الدوائية إلا بعد خمس سنوات، بالصدفة.

«قلت إني لست مؤمنًا لكن لا بد عن وجود إله، لأن العالم موجود وهناك من صنعه».
*ألبرت هوفمان، مكتشف ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك (LSD).

في كتابه «إل. إس. دي: طفلي المشكلة»، حكى هوفمان عن اليوم الذي اكتشف فيه العقار، وهو 19 أبريل (نيسان)، حين كان يتجول على دراجته في الغابة المليئة بأصوات الطيور وتشعلها أشعة الشمس في الصباح، حتى ظهر ضوء واضح غير مألوف، مسلط على كل التفاصيل من حوله.

كتب هوفمان: «تألقت الأشياء من حولي وأشرقت على أجمل نحو. تحدثت الطبيعة معي من القلب، كما لو أنها أرادت أن تشملني في جلالها. وملأني إحساس لا يُوصف بالفرح والتفرد والأمان، فقد أدركت عجب الخلق وروعة الطبيعة، وفكرت بأني قمت بكشف عظيم، والآن أنا على وشك الموت، وأشعر بنفسي تغادر جسدي».

مجتمع

منذ سنتين
آكلو وجوه البشر يجوبون الشوارع.. مخدر «غبار القرد» الجديد قد يجتاح العالم

منذ ذلك النهار أصبح هوفمان مدافعًا ثوريًا عن البيئة، ورأى أنه بخلاف قيمة عقار «إل إس دي» للطب النفسي، إلا أنه وسيلتنا للحفاظ على البيئة. واقتصرت تجاربه على نفسه، وزوجته، وأولاده، والكاتب الشهير ألدوس هكسلي، وكتب أكثر من 100 مقال علمي. وكان يقلقه استخدام المخدر للترفيه، وكان يرى أنه يجب استخدامه بعناية وللأسباب الروحانية، كما كانت تفعل المجتمعات البدائية مع النباتات المهلوسة.

أنتجت أبحاث دكتور هوفمان أدوية مهمة أخرى، بما في ذلك الميثرجين (methergin)، المستخدم لعلاج نزيف ما بعد الولادة، وهو السبب الرئيس للوفاة من الولادة. لكن مخدر «إل إس دي» هو الذي شكل حياته المهنية وسعيه الإنساني.

عند سؤاله بمناسبة بلوغه 100 عام عن إمكانية تعاطيه عقار «إل إس دي» قال: «هو لن يساعدني على فهم الموت وتقبله. فعند الموت أعود إلى حيث أتيت، إلى حيث كت قبل ولادتي، هذا كل شيء».

أستاذ هافارد الذي أصبح «أخطر رجل في أمريكا»

بلغت الأبحاث النفسية حول مخدر «إل إس دي» ذروتها في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، واعتبر كثيرون أنه «الشيء الكبير الذي ننتظره» في الطب النفسي، والذي يمكن أن يحل محل العلاج بالصدمات الكهربائية والجراحة النفسية.

قبل عام 1965، نُشرت أكثر من ألف دراسة عن تأثير «إل إس دي» نفسيًّا، شارك فيها حوالي 40 ألف متطوع، وصف لهم المخدر علاجًا من إدمان الكحول، والاكتئاب، والاضطرابات الشخصية، واضطراب ما بعد فقدان الأقارب.

انتهى عصر الأبحاث على العقاقير المهلوسة على يد تيموثي ليري، الملقب بـ«أخطر رجل في أمريكا»، وكان رئيس مركز أبحاث الشخصية في جامعة هارفارد قبل أن تفصله الجامعة بسبب تجاربه على المخدر عام 1965.

Embed from Getty Images
تيموثي ليري في منزله.

أصبح ليري مبشرًا للمخدر على صفحات الجرائد، معلنًا رغبته في جعل الـ«إل إس دي» متاحًا للجميع، ودفاعه عنه بأن العقار لا يمت إلى العقاقير المخدرة بصلة، ولا يسبب الانقطاع عنه أعراض انسحاب كبقية المخدرات، وهكذا لا يمكن إدمانه.

بدأ تيموثي ليري، رئيس مركز أبحاث الشخصية في جامعة هارفارد، أبحاثه الموسعة على نفسه، فجرب الـ«إل إس دي» والفطر السحري (فطر السيلوسيبين). وأصبح له مريدين يصطحبهم في رحلات هلوسة إلى المكسيك، وتوسع في أبحاثه ليجريها على الطلاب والمساجين، حتى أثبت أن المجرمين لا يعودون لتكرار خطاياهم إذا تناولوا جرعات من الـ«إل إس دي».

أدخل ليري أمريكا في حقبة تناول فيها آلاف الشبان والفتيات عقار «إل إس دي»، ونشطت عمليات التهريب من المختبرات التي لم تكن تعمل إلا من أجل البحث العلمي.

لذلك، هاجمته وسائل الإعلام، وطُرد من الجامعة، ووصفه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بأنه «أخطر رجل في أمريكا»، ومنعته دول كثيرة من دخول أرضها.

«الثورة المضادة» وتجربة ألدوس هكسلي

تشكلت الثورة المضادة متمثلة في ثقافة الهيبيز ومظاهرات الطلاب المناهضة للحرب من قطبين؛ التصوف الشرقي الحالم والعقاقير المهلوسة من جانب الشباب، والسياسة التي اتخذت الديانة المسيحية مبررًا لقراراتها من جانب الدولة.

أصبح «إل إس دي» مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالثقافة المضادة، فغنى له فريق البيتلز عام 1967 أغنيتهم «Lucy In The Sky With Diamonds»، قبل أن تحظره الحكومة الفيدرالية الأمريكية في عام 1968، لتفتح الباب لتجارة غير مشروعة، روجت له تحت اسم «أسيد»، واشتهرت لاحقًا تفاصيل مكالمة بين ليري والرئيس الأمريكي نيكسون عام 1971، بينما يقول الأول: «لقد صنعت فجوة بين الأجيال. وأنت قلق لأن شباب اليوم لن يخوضوا حروبك».

وتناول ألدوس هكسلي، الروائي والفيلسوف الإنجليزي، عقار المسكالين المهلوس في منزله، تحت الإشراف الطبي المباشر لصديقه الطبيب النفسي همفري أوزموند، وهو أحد الرائدين في علاج إدمان الكحول والاضطرابات النفسية المختلفة في أوائل الخمسينات. وبحلول نهاية الستينات، قال أوزموند إنه عالج ألفي مدمن كحولي مع زملائه، باستخدام الـ«إل إس دي».

أصبح هسكلي نموذجًا على اتحاد الثقافة المضادة مع مخدر «إل إس دي»؛ ليدافع الرومانسيون عن ثقافة بديلة، قد تحل محل العصر الصناعي البارد والعلم الموضوعي، من خلال التجربة الداخلية للإنسان.

تطوع هكسلي بنفسه التي صورها «خنزيرًا متشوقًا ومتلهفًا للتجربة»، بأخذ المخدر في منزله، تحت الإشراف الطبي المباشر للطبيب النفسي همفري أوزموند، عاش ما أسماه «الرؤية المقدسة» في كتابه الفلسفي «أبواب الإدراك» تحت تأثير المسكالين، والذي دمج فيه تجاربه بتأملات في الفن والدين.

مع كل تجربة كانت دماغ هكسلي تضج بمئات الصور والأحاسيس، وكانت زوجته لورا أرتشيرا هكسلي، ترشده في رحلاته داخل عقله تحت تأثير مخدر «إل إس دي»، وكانت آخرها رحلته للموت والخروج من هذا العالم.

في تسجيل صوتي لألدوس هكسلي، يعود تاريخه إلى ديسمبر 1962، وهو تحت تأثير 100 ملليجرام من المخدر، دارت حواراته البسيطة مع زوجته حول رفضه ذلك المجتمع الذي أُجبر أفراده على الخضوع الكامل، دون قدرة منهم على قضاء إجازة بعيدًا عن أنفسهم.

ناقش هكسلي سر الحياة الأكبر، في أن نكون أنفسنا، وفي نفس الوقت، متطابقين مع الله، وربما طبق ذلك في الثلاث دقائق المسجلة، عندما وصف تيموثي ليري بـ«رجل أيرلندي يفعل الكثير من الخير، لكنه حمار، وعلينا جميعًا أن نغفر له»؛ ليناجي هكسلي الله بعدها متسائلًا: «يا إلهي.. أتغفر لي؟».

في آخر أيام هكسلي، تلك الفترة التي اعتبرته بعض الدوائر الأكاديمية «زعيم الفكر الإنساني الحديث»، كان يعاني من سرطان الحنجرة، وكان يتعاطى عقار «إل إس دي» لتخفيف آلامه. لا يتضح لنا إذا كانت آلامه النفسية أم الجسدية أم كلاهما. لكن زوجته لورا قالت إن الأطباء المتابعين لحالته أقروا بأنهم لم يروا قط مريضًا بهذا النوع من السرطان يفارق الحياة دون معاناة تُذكر.

الأبحاث السريرية تعود من جديد.. «إل س دي» يعالج للألم والاكتئاب

بعد عقود من حظر التجارب السريرية على مخدر «إل إس دي LSD»، يقوم العلماء مؤخرًا بإعادة النظر في العقار واختباره، تحت إجراءات شديدة التعقيد.

تشير التجارب السريرية مزدوجة التعمية إلى أن جرعة صغيرة من عقار «إل إس دي» يمكن أن تقلل من إدراك الألم بشكل ملحوظ، عند تعاطي جرعات صغيرة جدًا، غير مسببة للهلوسة، تساوي في تأثيرها 20 ملليجرام من الموروفين، وفق دراسة منشورة في مجلة علم الأدوية النفسية في أغسطس الماضي.

أجرى الباحثون تجربتهم بكميات مختلفة من المخدر، دون معرفة المبحوث أية كمية تناولها، وطلبوا من المشاركين في عدة نقاط على مدار اليوم أن يضعوا أيديهم في خزان من الماء المثلج، لأطول فترة ممكنة، وسحبها عندما يشعرون بالوخز.

خلص الباحثون إلى أن تلك الكمية الضئيلة للغاية بالنسبة للمستخدمين العاديين قد تصبح علاجًا جديدًا، يستمر تأثيره لنحو خمس ساعات، وخاليًا من الآثار الجانبية للمسكنات القوية مثل المواد الأفيونية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
غير الحشيش والأفيون.. ما الذي كان يستخدمه البشر قديمًا للـ«كيف»؟

يجرى الباحثون أيضًا دراسات منظمة باستخدام الفحص الدقيق والإعدادات الخاضعة للرقابة، لدراسة تأثير جرعات صغيرة جدًا من «إل إس دي»، لا تتجاوز الحد الأدني لظهور مفعوله، على تحفيز الإبداع أو تحسين الحالة المزاجية. كانت تلك الأبحاث مدفوعة جزئيًا بانتشار هذه الجرعات الدقيقة بين خبراء التكنولوجيا في وادي السليكون، والذين أبلغوا عن تعاطيهم «إل إس دي» لزيادة الإنتاج.

بسبب هذه الأبحاث وغيرها على العقاقير المهلوسة، وقّع نحو 15 ألف كندي عريضة للبرلمان تطالب بتقنين استعمال المهلوسات بشكل طبي، بينما تصوت ولاية أوريجون ومقاطعة كولومبيا الأمريكيتان على استخدام النباتات المهلوسة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

المصادر

تحميل المزيد