عبد الله كمال 7
عبد الله كمال 7

10,069

فازت فرنسا بالمباراة النهائيّة لبطولة كأس العالم لسنة 2018 أمام كرواتيا بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين، ورغم تتويجها باللقب، إلا أن جائزة أحسن لاعب في الدورة ذهبت لقائد المنتخب الكرواتي لوكا مودريتش على مردوده الكبير خلال مسار كرواتيا للوصول لأول مرة لنهائي كأس العالم، لكن هذا الإنجاز لم يكن طريقه مفروشًا بالورود بالنسبة لنجم ريال مدريد، فوراءه توجد قصّة ملهمة للاعب عاش طفولة دمويّة وسط الحرب والدمار، واستطاع بموهبته تجاوز هذه الصعاب لتحقيق إنجازات كرويّة استثنائيّة سيتذكرها جمهور كرة القدم طويلًا.

سر انتهاء معظم أسمائهم بـ«إيتش».. 8 أشياء قد لا تعرفها عن كرواتيا

طفولة دمويّة..أُعدم جدّه في الحرب واضطر للجوء بعيدًا

من يشاهد لوكا مودريتش اليوم بسيارته الفارهة وهو محاط بالمعجبين والمعجبات الذين يتسابقون للحصول على توقيعه، لن يستطيع غالبًا التصديق أنّ هذا النجم قد عاش طفولة مرعبة في جحيم الحرب التي دارت في كرواتيا؛ فقد كبر في أجواء الانفجارات والدماء والموت الذي طال حتى أفرادًا من عائلته، فأثناء حرب الاستقلال التي دارت في كرواتيا بداية سنوات التسعينات التحق والده بجيش التحرير الكرواتيّ، كما أنّ جدّه قد تم إعدامه من طرف المتمرّدين الصرب. اضطرّ الطفل لوكا وعائلته بسبب تهديدات القتل التي كانت تصلهم لمغادرة بيتهم الذي يقع في إحدى القُرى التي تُدعى «مودريتشي» في كرواتيا، وكان عليهم اللجوء إلى منطقة أخرى بعيدة عن الاشتباكات اليوميّة.

Embed from Getty Images

كانت منطقة زادار القريبة من مناطق الصراع هي الوجهة؛ إذ أقامت العائلة في إحدى الفنادق هناك، ورغم أن أصوات القنابل والانفجار يمكن سماعها بشكل يوميّ من ذلك الفندق؛ إلا أن ذلك لم يمنع لوكا مودريتش من مواصلة شغفه الكبير في لعب الكرة. وفي تصريح لـ«الدايلي ميل» البريطانية، قال أحد مالكي الفندق الذي كان يقيم فيه مودريش وعائلته: إن زجاج الفندق الذي كسره مودريتش وزملاؤه خلال لعبهم الكرة «أكثر من ذلك الذي تحطّم بفعل الحرب كلّها» في إشارة إلى شغفه الكبير بالكرة.

مودريتش في صغره لم يكن مثالًا للاعب الواعد الذي يتوقّع له الجميع مسارًا كرويًّا ناجحًا، فبعد التحاقه بإحدى أكاديميات الكرة، اعتبره بعض المدرّبين «ضعيفًا جسديًا وخجولًا»؛ مما لا يسمح له بالتألّق في عالم كرة القدم. من المؤكد أن صاحب هذا الرأي سيراجع رأيه بعد أن شاهد العالم أجمع لوكا مودريتش وهو يصل بمنتخب بلاده إلى نهائي البطولة الكروية الأكبر في العالم.

لقطات مؤثرة وثقتها عدسات المونديال.. لهذا نعتبر كرة القدم «أكثر من مجرد لعبة»

الانتقال إلى مدريد.. مودريتش يقود النادي الإسباني لأربعة ألقاب أوروبية

بدأ مودريتش مسيرته الكرويّة مع نادي دينامو زغرب الكرواتيّ بعد أن رفضه ناديه المفضّل الذي شجّعه منذ الصغر «هاجدوك سبليت»، وبعد سلسلة من الإعارات إلى أندية مختلفة في البوسنة والهرسك، ثم كرواتيا، حيث أثبت مودريتش قدراته الاستثنائية في وسط الميدان الهجومي، جاءت الفرصة للاحتراف في الدوري الإنجليزيّ سنة 2008 من بوابة النادي اللندنيّ توتنهام، وهناك قدّم مودريتش أداءً مبهرًا في أربعة مواسم؛ مما حفّز مسؤولي نادي ريال مدريد لجلبه في عام 2012 بصفقة قدّرت بـ30 مليون جنيه استرليني.

Embed from Getty Images

في ريال مدريد كان مودريتش مع موعد لتحقيق إنجازات كرويّة استثنائيّة، بفوزه بأربعة بطولات أوروبية، ثلاثة منها على التوالي تحت قيادة المدرّب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان، بالإضافة إلى بطولة الدوري الإسباني سنة 2017 وعدّة ألقاب أخرى، كما أصبح أحد أعمدة ريال مدريد الذين لا يستغنى عنهم في وسط الميدان بتمريراته الدقيقة ومراوغاته الحاسمة؛ إذ نال مكانه في تشكيلة «الفيفا» المثالية في منصبه لثلاثة سنوات متتالية من 2015 إلى 2017.

بدأ لوكا مودريتش مشواره الدولي مع المنتخب الكرواتي مبكّرًا، فقد كان يلعب بشكل دوري مع المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة، ثم أقل من 21؛ ليبدأ بشكل أساسي في سنة 2006. وقد ساهم لوكا مودريتش في تأهل منتخب بلاده لنهائيات كأس أمم أوروبا سنة 2008، كما وصلت كرواتيا حينها إلى غاية الربع النهائي لتخرج بعد خسارتها مع تركيا بركلات الترجيح.
شارك مودريتش في بطولة اليورو سنة 2012 ومونديال البرازيل سنة 2014، ورغم مردوده المميّز في كلتا البطولتين، إلا أن المنتخب فشل في تخطي دور المجموعات.

يُزيد من قسوة الحكام.. كيف أثّرت تقنية «الفار» في كأس العالم؟

كيف كادت قضيّة فساد تعصف بشعبيّته في كرواتيا

المتاعب التي عاشها نجم ريال مدريد في طفولته لم تكن الأخيرة، ورغم لعبه في أكبر الأندية في العالم، إلا أنه وجد نفسه في ورطة أخرى قد لا تهدّد حياته، لكنها أثّرت على شعبيّته في بلاده بلا شك. قد يظن الكثيرون أنّ الجماهير الكرويّة في كرواتيا كانت كلّها خلف نجمها الأبرز في مونديال روسيا 2018، لكن هذا لم يكن دقيقًا، فقد وجد لوكا مودريتش نفسه متورّطًا مع العدالة الكرواتيّة في قضيّة متعلّقة برئيس ناديه السابق دينامو زاغرب، ماميتش؛ وهو الرجل المسؤول عن عدّة قضايا فساد واحتيال بسبب انتقالات اللاعبين، وقد كان انتقال مودريتش من نادي دينامو زغرب إلى توتنهام سنة 2008 إحدى هذه القضايا.

Embed from Getty Images

الكثير من الجماهير الكرويّة، وبالأخص جمهور دينامو زغرب كانوا مستائين من الطريقة التي كان ماميتش – الذي هرب إلى البوسنة خوفًا من العدالة الكرواتية بعد أن حكمت عليه بست سنوات سجنًا – يدير بها نادي دينامو زغرب؛ إذ يرون أنه حوّله إلى ملكيّة شخصية وجعله مرتعًا للفساد، بينما النادي ترجع ملكيته قانونًا إلى جميع الأعضاء المشتركين فيه.

جماهير النادي الأكبر في كرواتيا أصبحوا يقاطعون المباريات احتجاجًا على طريقة تسييره والفساد الكبير على مستوى إدارته، وبالإضافة إلى تجاوزاته المالية في النادي، فإن فساده – حسب بعض الأنصار – قد وصل إلى المنتخب الكرواتي نفسه، الذي عانى من تدخلات ماميتش بحكم كونه نائب رئيس اتحادية الكرة؛ إذ يقول الأنصار إنه كان يتدخّل في تشكيلة المنتخب لإشراك بعض اللاعبين من أجل رفع قيمتهم السوقية والاستفادة المادية منهم بعد انتقالهم للاحتراف في الخارج.

لعلّ متابعي الكرة يتذكّرون أعمال العنف الكبيرة التي قام بها مشجعو المنتخب الكرواتي في يورو 2016، التي تضمّنت احتلال الملعب ورمي الشماريخ داخل العشب الأخضر، الحقيقة أن تلك كان طريقتهم في الاحتجاج ضد اتحادية كرة القدم والفساد الذي يشوب الكرة الكرواتية، وبالذات ضدّ الرئيس السابق لدينامو زغرب.

مودريتش كان قد أخبر لجنة مكافحة الفساد أن ماميتش كان يزوّر أوراق انتقالات اللاعبين من أجل حصد الملايين إلى حساباته البنكية الشخصية، لكن حين جاءت لحظة المحاكمة التي انتظرها الأنصار الكرواتيون طويلًا، ووقف مودريتش كشاهد في هذه القضيّة، ورفض أن يعطي أي تفاصيل، وتمسّك بقوله بأنه «لا يستطيع التذكّر». هذا ما جعل مودريتش في ورطة حقيقية أمام العدالة التي تطالب بسجنه خمس سنوات بسبب حنث اليمين، بالإضافة إلى الانتقادات الساخطة من طرف الكثير من متابعي الكرة الكروات.

الكثير من هذه الانتقادات ستخفت بعد أن قاد مودريتش كرواتيا لإنجاز استثنائيّ في كأس العالم؛ فلأول مرة في تاريخه، وصل المنتخب إلى نهائي كأس العالم بعد أداء قويّ، تضمّن الفوز على الأرجنتين في دور المجموعات بثلاثة أهداف كاملة دون ردّ، في مباراة تاريخية كان مودريتش أحسن لاعب فيها.

Embed from Getty Images

لوكا مودريتش يتوّج بجائزة أحسن لاعب في دورة كأس العالم 2018

قليلون هم من توقّعوا أن تصل كرواتيا إلى النهائيّ، لكن المفاجآت كانت هي السمة الأبرز في مونديال روسيا 2018. مشوار البلد الذي لا يتجاوز سكّانه 4 ملايين نسمة لم يكن سهلًا؛ إذ اضطرّ للعب الأشواط الإضافية في الثلاث مباريات التي تلت دور المجموعات ضد كل من الدنمارك وروسيا وإنجلترا، لتلعب ضد فرنسا في النهائي، وتخسر بنتيجة أربعة أهداف مقابل اثنين، ورغم الخسارة، فإن وصول كرواتيا للنهائي لأول مرة في تاريخها مع جيل قويّ من اللاعبين بقيادة مودريتش، سيبقى إنجازًا فريدًا يسجّل في تاريخ كرة القدم.