على المنصة تخرج عارضات الأزياء، وحولهن أضواء تتلألأ، وموسيقي تُعزف، ومهتمون بالأناقة يتابعون. إنه أسبوع الموضة هنا، أما هناك وعلى بعد عشرات الكيلو مترات، فأزيز الطائرات يمنعك من سماع صرخات الأطفال، وبكاء الأمهات، ولكن يمكنك أن ترى صمت الرجال المكتوم بالقهر، هنا سوريا موضة ومستحضرات تجميل في اللاذقية، وبراميل وموت في حلب وإدلب وغيرهما من المدن.

تختلف آراء الكثيرين حول ما يحدث في سوريا، حيث الجماعات المسلحة التي اختلطت أصولها بين ثوار من ناحية، ومتشددين من ناحية أخرى، والنظام وجيشة ورجاله من ناحية ثالثة، ويبقى وسط ذلك كله، يبقى رئيس النظام السوري، بشار الأسد وحاشيته، يعيشون في حياة مليئة بالترف والرفاهية، في استفزاز للشعب الذي يعيش الموت والدمار يوميًا منذ خمس سنوات.

عرض الأزياء والمارثون وطلاء الشوارع

تشهد مدينتا دمشق واللاذقية في الفترة الأخيرة، عديدًا من الأحداث التي تُظهر النظام السوري كغير المبالي لما يحدث في باقي المدن السورية، من بين تلك الأحداث انطلاق دورات «أكاديمية السينما» في يونيو (حزيران) الماضي، التي يقيمها مجلس الشباب السوري، بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية، وبدعم من الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، وجامعة تشرين في اللاذقية، وجميع تلك الجهات من المؤيدين للأسد.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، دعت وزارة السياحة في النظام السوري، إلى مهرجان «ما يستحق الحياة»، وذلك في الأحياء الغربية من حلب، والتي يسيطر عليها نظام الأسد، في الوقت الذي تشهد فيها المدينة معارك دامية منذ شهور.

ونشرت «الوكالة العربية السورية للأنباء» (سانا) الرسمية، مقطع فيديو عبر حسابها على موقع التدوينات القصيرة «تويتر»، تحت اسم «الحياة في حلب ليلًا»، على شكل موسيقى صاخبة، لشباب يرقصون، ترويجًا للمدينة سياحيًا، بالرغم من الحرب الدائرة هناك.

واعتادت الوكالة الرسمية، نشر تلك الصور ومقاطع الفيديو، وكانت قد نشرت من قبل صورًا قالت: إنها احتفال بالهالوين، لشباب في العاصمة دمشق. والصيف الماضي، نشرت مقطع فيديو يُروّج للسياحة في ريف حمص!

وفي أكتوبر (تشرين الأوّل) الماضي، وفي مناسبة ذكري حرب السادس من أكتوبر، أقام فريق شباب دمشق التطوعي، وبالتعاون مع محافظة دمشق، والاتحاد الرياضي العام، ماراثون رياضيًا جماهيريًا، تحت شعار «أنا أحب دمشق»، بمشاركة أكثر من ألفي متسابق من مختلف الفئات العمرية.

وكان المارثون فرصة للتعبير عن حب الأسد وعائلته، وتنديدًا بما أسماه الإعلام المؤيد لنظام الأسد، بـ«الإرهاب». وانتهى الماراثون بحفل موسيقي، ثم لعبة ألوان، نهاية برقصة «الدبكة».

وفي 12 أكتوبر (تشرين) الماضي، وتحت شعار «السياحة للجميع»، انطلقت حملة تحت اسم «فريق دمشق 2020 التطوعي لتنظيف منطقة جسر الرئيس ومجرى نهر بردى في دمشق»، ضمن فعالية يوم السياحة العالمي، وكان ذلك تحت رعاية وزارة السياحة في النظام السوري، وبالتعاون مع محافظة دمشق.

أمّا أبرز مظاهر الاستفزاز والترف، فكان أسبوع الموضة في اللاذقية، الذي تعامل معه إعلام النظام السوري، والإعلام المؤيد له في لبنان، على أنه حدث طبيعي، في ظل أجواء طبيعية.

وكان أسبوع الموضة تحت رعاية من النظام السوري، واكتفى منظموه بدعوة الحضور من داخل سوريا، ونقلت وكالة الأنباء السورية، تصريحات على لسان «غيث سليمان»، رئيس مجلس الشباب السوري، قال فيه: إن أسبوع الموضة، جاء «تأكيدًا لأهمية المنتج الوطني وجودته»، مُعتبرًا أن الفعالية «فرصة لنشر الإبداع السوري في مجال تصميم الأزياء».

ويشهد الجميع أن مظاهر الترف والاستفزاز تختلف بين أبناء المدينة الواحدة، فوفقًا لتقرير نشره موقع الجزيرة نت فإن الوضع في مدينة حلب مُنقسم، فبالنسبة للأجزاء الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلحة، فإنها هدف لآلة الموت والبراميل المتفجرة، فيما يعيش سُكّان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السورية، هدوءًا نسبيًا.

استفزاز زوجة الرئيس

مع تولي بشار الأسد حكم البلاد عام 2000، ظهرت بعد شهور زوجته «أسماء الأخرس»، التي عرفت بعد ذلك بـأسماء الأسد، وتفاءل العديد من الفئات الشعبية في سوريا بظهورها، معتقدة أن السيدة الأولى التي تلقت تعليمها خارج البلاد، بعيدًا عن قصر آل الأسد، قد تكون مفتاحًا للفرج بالنسبة للأوضاع في البلاد تحت وطأة ديكتاتورية القصر الحاكم.

لكن مع اندلاع شرارة الحرب في سوريا منذ 2011، توارت السيدة الأولى عن الأنظار عما كانت عليه، قبل أن تبدأ في الظهور على استحياء ما بين الحين والآخر، مُثبتة قاعدة الاستفزاز في كل ظهور، بما في ذلك مرات الظهور التي تزعم فيها دعمها للشهداء، كما كان الأمر في ظهورها الأخير في فيلم وثائق على قناة «روسيا24»، وقد أبدت اهتمامها خلال الفيلم بأسر الشهداء، وهي تتنقل بين منازلهم.

وقد أثار ذلك الظهور عاصفة استهجان ضد تصرفات زوجة رئيس النظام السوري، ففي الوقت الذي تبدي فيه اهتمامًا بالشهداء، يتساقط المئات يوميًا برصاص قوات نظام زوجها، والميليشيات المؤيدة له.

وفي حوار لها على نفس القناة الفضائية، في منتصف أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، قالت أسماء الأسد «عرضوا عليّ مغادرة سوريا، بل بالأحرى الهرب منها مع ضمانات بالسلامة والحماية لأطفالي، إضافة إلى ضمانات مالية كذلك. الأمر لا يحتاج إلى العبقرية لفهم حقيقة ما كان يريدونه هؤلاء. الأمر لم يكن يقتصر على رفاهيتي ورفاه أبنائي، بل كان محاولة متعمدة لزعزعة ثقة الشعب السوري برئيسه».

هذه الكلمات التي أرادت بها زوجة الأسد، التأكيد على ثقتها في نظام زوجها، ودعمها له مهما كان الثمن، تأتي على العكس من حقيقة الحياة التي تعيشها، كمثل الشراء عبر الإنترنت، بالرغم من الحظر الذي فُرض على نظام بلادها منذ سبتمبر (أيلول) 2011.

وكانت شبكة «سي إن إن»، قد حصلت على مجموعة رسائل إلكترونية مسربة، تلقي الضوء على جوانب من حياة الرفاهية لبشار الأسد وزوجته، من بينها انشغال أسماء بأحدث أفلام «هاري بوتر»، والتي طلبت من صديقة لها أن تحضر الأقراص المدمجة خلال زيارتها لسوريا، كما طلبت أسماء من صديقة لها في الثالث من فبراير (شباط) 2012، حجز زوج أحذية فاخر، يصل ثمنه إلى سبعة آلاف دولار، كما أنها قضت وقتًا طويلًا في التسوق عبر الإنترنت؛ لشراء التحف والمجوهرات والأثاث، من متاجر في باريس ولندن.

وقال تقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، نقلًا عن رسائل سربها موقع «ويكيليكس»، عن إنفاق أسماء الأسد: إنها اشترت أثاثًا للقصر الرئاسي الصيفي بالقرب من اللاذقية، والذي جرى تجديده في 2012، ودفعت أكثر من 440 ألف دولار، من محل واحد، في منطقة تشيلسي الراقية في لندن.

وفي يونيو (حزيران) 2012، ظهرت أسماء الأسد في صورة ترتدي فيها «الجينز» وقميصًا رياضيًا مدونًا عليه «حلوة يا بلدي»، وحافية القدمين، خلال تدريب لمنتخب سوريا لكرة الريشة؛ ما أثار عاصفة من الانتقادات الغاضبة، خاصة بين الجاليات السورية التي اضطرت وقتها أن تهرب من العنف في بلادها، واعتبر البعض أن صورة زوجة رئيس النظام السوري، تعبر عن لا مبالاة من قبلها، بالرغم من سقوط مئات القتلى في بلادها يوميًا.

مصدر الصورة: elpais.com

رجال العائلة في الخارج

عائلة الأسد، وإن كانت غير متوافقة بشكل تام، في الوقت الحالي، مع بشار، إلا أن بعض أفعالهم تنم عن استفزاز مشاعر للسوريين حول العالم، أو هكذا يراها كثير من المعارضين.

ونشر موقع «الديلي ميل» تقريرًا عن أربعة من أقارب ورجال عائلة الأسد، الذين يتنعمون في أوروبا بمختلف مظاهر الثراء، وحددت الصحيفة الأشخاص، وهم «رفعت الأسد»، عم بشار الأسد، الذي يقايض منزله المكوّن من تسع غرف نوم في مايفير، بملكيّة عقارية في ألبيون بماربيا.

وفي الوقت نفسه، فإن ابنه «سوار» ليس بعيدًا عن مظاهر الترف الشديد؛ إذ يعيش في منزل فخم بثماني غرف نوم، في كراون المحاطة بالأشجار في أوكشوت بساري.

وهناك «عبد الحليم خدام»، الذي ساعد الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، في الاستيلاء على السلطة خلال السبعينات، وأقام التحالف بين سوريا وإيران، وهو يعيش الآن في طريق مسّور بفيلا سايد في باريس.

أما الرجل الرابع فهو «مصطفى طلاس»، وزير الدفاع السابق لحافظ الأسد، وكمن سبق ذكرهم، فإنه يزعم معارضته للنظام السوري. طلاس البالغ من العمر 84 عامًا، كان قد غادر سوريا منذ اندلاع الثورة السورية، يتفوق على غيره من حيث أوجه الحياة المترفة، التي تظهر عليه وعلى أسرته.

حفلات الزفاف للأثرياء السوريين

وعلى صعيد آخر، فإن رجال الأعمال، الذين لا يعلنون معارضة النظام، فهناك ما قام به رجل الأعمال السوري «فاروق جود»، خلال حفل زفاف ابنته «جيما».

وأقيم الزفاف في قاعة «بيال» الفخمة والشهيرة في بيروت، وقدرت تكلفة الحفل بمليوني دولار. وقد أثار صور الحفل استنكار واستهجان السوريين؛ بسبب المبلغ الضخم الذي أنفق على الحفل، في ظل الأوضاع التي تعيشها سوريا الآن.

وفي 30 مايو (أيار) 2012، أقام رجل الأعمال السوري السعودي، «وفيق سعيد»، حفل زفاف لابنته داخل قصر فرساي في باريس، الذي كان مقر الحكم لملوك وملكات فرنسا، وقدرت مصادر صحافية، تكاليف العرس بأكثر من 100 مليون دولار.

في المقابل لذلك، هناك سوريون يرفضون البذخ في أعراسهم، وفي المقابل يتبرعون بالمال لسوريين المحتاجين، كما حدث مع العروسين السوريين «فادي حداد» و«نجوى جمالي»، حين تبرعا بمبلغ 10 آلاف دولار لتعليم الأطفال السوريين، ومثلهما العروسان «محمود الطويل»، و«سوزان مطر»، اللذان تبرعا بتكاليف زواجهما؛ لتوزيع الهدايا والسلات الغذائية على اللاجئين السوريين في تركيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد