«الأبوة والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع» *طه حسين، «الأيام»

يسعى معظم الآباء إلى غرس الصدق، والأمانة، والنزاهة في أطفالهم خلال رحلة التربية، إلا أن الرياح لا تأتي دائمًا كما تشتهى السفن؛ فيبدأ الأطفال في تعلم الكذب بمرحلة الطفولة المبكرة في الفترة من سن سنتين إلى خمس سنوات، ويحدث هذا عادة لتجنب العقاب، أو للحصول على الأشياء التي يحبونها، أو لجذب الانتباه. ويحاول الآباء ومقدمو الرعاية تقويم هذا السلوك، إلا أن المفارقة الحقيقة بشأن الكذب تحدث عندما يكذب الآباء أنفسهم على الأبناء؛ هنا تتغير الأمور!

في البداية.. لماذا يكذب الأطفال؟

يتعلم الأطفال الكذب في سن صغيرة جدًا، تقريبًا مع بداية مرحلة الطفولة المبكرة ويُشير موقع «ريزينج تشايلد» أن الطفل يبدأ في الكذب عندما يدرك أن الكبار غير قادرين على معرفة كل الأشياء التي تحدث حولهم، وليس لديهم قدرة على قراءة الأفكار، فيبدأ الطفل في سن ثلاث سنوات في تغير الحقائق لكن بشكل غير متقن بسبب قلة حصيلته اللغوية وضعف تجاربه. إلا أنه ببلوغ العام الرابع وحتى العام السادس تتحسن قدرته على اختلاق الأكاذيب والحكايات بشكل متقن، ويساعده في ذلك إتقانه للغة الجسد وقدرته على التحكم في تعبيرات وجهه، لكن هل يُعد الكذب في هذا السن معضلة أخلاقية تحتاج إلى التقويم؟

والكذب جزء من التطور العاطفي والفكري لطفلك

خلال فترة الطفولة المبكرة تتطور مهارات الطفل المعرفية من انتباه وإدراك وتذكر، ويكتشف أن لدى الكبار والآخرين عمومًا معتقدات وأفكار مختلفة عما يدور في ذهنه، توضح مارجوري رودس أستاذة علم نفس النمو بجامعة نيويورك في تقرير لها، أن الأطفال قبل سن الرابعة يكون لديهم اعتقاد بأن الجميع لديهم الأفكار نفسها التي تعكس ما يحدث في الواقع بشكل حقيقي، لكن بعد سن الرابعة يدركون حقيقة العلاقات من حولهم وأن لدى الآخرين أفكار تختلف عن أفكارهم وهي لا تعكس الواقع، لذلك يصبحون أكثر قدرة على الكذب بشكل محكم.

Embed from Getty Images

تشير تانيا لومبروزو عالمة النفس بجامعة كاليفورنيا إلى أن إدراك الطفل لهذه الحقيقة يُعد مؤشرًا على تطوره العاطفي والفكري وفقًا لما يسميه علماء النفس «نظرية العقل»، والتي تتلخص في قدرة الطفل على فهم أن للأشخاص الآخرين أفكارًا ومعتقدات مخالفة له مما يتيح له التنبؤ بسلوكهم وخداعهم لمصلحته الشخصية، وأنه كلما تحسنت قدرة الطفل على الكذب كان ذلك علامة على تطور نظرية العقل لدى الطفل، وبالتالي تطور مهاراته المعرفية وسلوكه الاجتماعي.

القدوة الحسنة.. أولى خطوات تعلم الصدق

يتعلم الأطفال عن طريق المحاكاة والتقليد، ويساعدهم وجود قدوة حسنة بحياتهم على تعلم الكثير من القيم الإيجابية، لذلك يتعلم الأطفال الصدق من خلال تجاربهم اليومية داخل محيطهم الاجتماعي، وتشير تجربة نشرتها مجلة نيويورك «نيماج» عن الدور الذي تلعبه التنشئة الاجتماعية في تعلم قيمة الصدق من خلال محاكاة الأطفال لقصة «الصبي والذئب» وهي القصة الشهيرة التي يأكل فيها الذئب الصبي بسبب أكاذيبه المستمرة، وقصة أخرى وهي قصة «جورج واشنطن و شجرة الكرز» والتي يعترف فيها جورج لوالده بأنه قطع شجرة الكرز وفيها يثني الأب على صدق ابنه ويخبره أن الحقيقة أهم من شجرة الكرز الثمينة.

تُظهر التجربة أن قصة جورج وشجرة الكرز قللت من نسبة كذب الأطفال إلى 43% مشيرة إلى أن العقاب والتهديد لا يساعدان الأطفال على تعلم الصدق لكنهما يساعدان الطفل على إتقان الكذب، بينما تلعب التنشئة الاجتماعية الجيدة والقدوة الحسنة دورًا كبيرًا في إدراك الطفل للقيمة الحقيقة لقول الصدق مهما كلفته النتائج.

لكن.. ماذا إذا كان الآباء هم الكاذبون؟

يستخدم الآباء الكذب أحيانًا في تربيتهم لأبنائهم، باعتباره إستراتيجية اجتماعية للتحكم في سلوكيات أبنائهم أو لإدارة غضبهم أو توجيههم نحو اختيارات بعينها. وفي الوقت نفسه يطلب الآباء من الأبناء الالتزام بمعايير الصدق والأمانة، فيتلقى الطفل معايير مُختلطة حول قيمة الصدق، ويكتسب الكثير من القيم السلبية التي تتحول لسلوكيات يمارسها طوال حياته، لكن كيف يحدث ذلك؟

Embed from Getty Images

محاكاة الصغار للكبار

أِشارت ورقة بحثية بعنوان «تأثير سلوك الآباء الصادق والكاذب على سلوكيات الأطفال وقولهم للصدق» إلى أن الملاحظة والمحاكاة لها تأثير كبير في تعلم الصدق والكذب، فالطفل عندما يرى أحد الآباء يكذب يقلده دون تفكير، بالإضافة إلى استخلاص الطفل لبعض المعاني حول قيمة الكذب والصدق من خلال ملاحظة سياق الأحداث والعواقب الناتجة عن قوله الحقيقة أو اختياره الكذب، فعندما يرى الطفل أن الآباء يختارون تجنب الصدق وقول الكذب من أجل الهروب من العواقب السلبية لقول الحقيقة؛ يكونون أكثر عرضة لاستخدام هذه الإستراتيجية في المواقف المشابهة، ويتقنون الكذب والخداع.

العقوبات الاجتماعية vs تأنيب الضمير

يُشير باراسكيفي إنجاو الباحث الأول في الدراسة السابقة أنه وفقًا لنظرية التعلم الاجتماعي لباندورا فإن هناك آليتان نفسيتان في تنظيم السلوك الأخلاقي للإنسان وهما «العقوبات الاجتماعية، والعقوبات الذاتية الداخلية» وتنظم العقوبات الاجتماعية سلوك الأفراد وتجعلهم ملتزمين بالمعايير الاجتماعية الصحيحة خوفًا من تلقي اللوم الاجتماعي، بينما تؤدي العقوبات الداخلية إلى لوم الذات وضبط النفس من أجل الشعور باحترام الذات.

Embed from Getty Images

يساعد التعلم بالملاحظة الأطفال في فهم المعايير الأخلاقية المرتبطة بالصدق والكذب، وقد يكونون أكثر رغبة في قول الصدق، وتجنب اللوم الاجتماعي، واحترامًا لذواتهم وتجنب اللوم الداخلي، إلا أنه مع وجود الطفل في محيط اجتماعي يكذب فيه الآباء لتجنب العواقب السلبية لقول الصدق يتعلم الأطفال الكذب ويعلي من قيمة العقوبات الاجتماعية على العقوبات الذاتية. 

وتعرض الأطفال للكذب يصيبهم باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع!

تُشير دراسة منشورة على موقع المكتبة الأمريكية للطب أن هناك علاقة بين تعرض الأطفال للكذب في مرحلة الطفولة المبكرة من قبل الآباء والنمو النفسي والاجتماعي حتى مرحلة البلوغ، يظهر ذلك في شكل تطور اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

وتفسر الدراسة ذلك بأن كذب الآباء على الأبناء يفقد الأبناء تعلم مهارات مثل حل المشكلات والنزاعات وتحمل عواقب الأمور ومواجهتها، وبالتالي يكون الطفل معرضًا لخطر تطوير مجموعة من السلوكيات المنحرفة اجتماعيًا مثل الكذب والغش والعنف وعصيان الأوامر، إذ تصل للطفل رسالة ضمنية بأن الكذب مقبول للتهرب من العواقب السلبية فيقوم الطفل بتعميم هذه الاستجابة على كل المواقف التي يواجهها في حياته.

والآباء هم أول ضحاياهم!

كشفت دراسة نفسية أجريت بقيادة جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة بالتعاون مع جامعة تورنتو الكندية، وجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وسان دييغو، وجامعة تشجيانغ نورمال الصينية، بأن كذب الآباء على الأبناء في مرحلة الطفولة المبكرة يجعل الأطفال أكثر عرضة للكذب على والديهم في مرحلة البلوغ كما يجعلهم غير قادرين على مواجهة التحديات النفسية والاجتماعية التي تفرضها مرحلة البلوغ بالإضافة إلى شعورهم الدائم بالذنب.

إذن.. ماذا يفعل الآباء حتى يتجنبوا الكذب على أبنائهم؟

عادة ما يستخدم الآباء الكذب على الأبناء للتحكم في سلوكياتهم ولتجنب نوبات غضبهم، تقدم إليسا سينيلي كاتبة في مجال تربية الأطفال على موقع «فاميلي إيديوكيشن» التعليمي مجموعة من النصائح التي قد تساعد الآباء لتجنب استخدام الكذب عند التعامل مع أبنائهم حددتها فيما يلي:

  • كن قدوة جيدة، وحاول ألا تكذب أمام طفلك لتجنب العواقب السلبية قل الصدق مهما كلفك.
  • قدم لطفلك أسباب رفضك أو أسباب عدم قدرتك على تنفيذ ما يطلب دون أن تقدم وعودًا كاذبة لتحقيقه.
  • تقبل احتجاج طفلك على بعض الأمور التي ترفضها وعلمه كيف يتعامل مع مشاعر غضبه بطريقة صحية، لكن لا تكذب عليه لتهدئته.
  • لا تعاقب طفلك إذا كذب عليك، ادعم طفلك فأخبره أنك تثق فيه وتفضل أن يخبرك الصدق والحقيقة حتى وإن كان الأمر يغضبك على أن يكذب عليك ليتجنب العواقب السلبية للأمور.
  • مساعدة طفلك على تعلم الأمانة وقول الصدق في مرحلة الطفولة المبكرة أمر يساعده على تخطي مرحلة المراهقة بسلام دون كذب وخداع، كما أنه على المدى البعيد يساعد طفلك خلال رحلة نموه وتطوره النفسي. 

علاقات

منذ سنة واحدة
هل يحتاج البشر إلى بعض «الكذب» كي تستمر الحياة؟

المصادر

تحميل المزيد