640px-Portrait_of_Niccolò_Machiavelli_by_Santi_di_Titoكتب ميكافيلي أننا حيث نحاول فهم السياسة وتاريخ المجتمعات البشرية، يمكن تفسير الكثير من خلال الصراع الأبدي بين إرادتين أساسيتين. الأولى إرادة الكبار (the grandi) أي الأثرياء جدًا والأقوياء جدًا لحماية قوتهم وثروتهم ولمراكمة المزيد منهما. وفي الجهة المقابلة توجد إرادة المواطنين العاديين أي كل من لا يملك ثروة وقوة كبيرتين للعيش بسلام وحرية دون أن يكونوا معرضين لأعمال الكبار الافتراسية. وكما شدد جون مك كورميك(JhonMcCormick) (*1)، فكَر ميكافيلي أن النزعات الافتراسية للأوليغارشيين تمثل الخطر الأشد لحرية ورفاه الناس العاديين.

كان ميكافيلي محقًا، لقد تغير عديد من الأشياء، لكن ما كان حقيقيًّا حينذاك ما يزال حقيقيًّا الآن، الشهوات الأوليغارشية خطر هائل على الحرية. استعمل ميكافيلي كتاباته لإقناع من في السلطة بأن الطمع الأوليغارشي يجب أن يكبح، ونقده للهيمنة الأوليغارشية غالبًا ما أسيء فهمه.
لكن من هم الأوليغرشيون اليوم في عالمنا الكوربوراتي والمُؤَمَول؟ إنهم صفوة الأغنياء وبصفة عامة أولئك الذين يتحكمون في تركيزات هائلة من الثروة، حتى لو لم يملكوها، أو حتى إن كانوا يملكون جزءًا منها، مثل المسؤولين عن مؤسسات وشركات مالية متعددة الجنسيات.
في السابق غالبًا ما كان صفوة الأغنياء مشاركين بشكل مباشر في الحكومة، لقد كانوا أمراءً وملوكًا، أو أعضاء مجالس شيوخ وأمراء حرب، أو يتولون مناصب أخرى مهمة. أصبحت اليوم مشاركتهم المباشرة نادرة خاصة في الأنظمة الديمقراطية. لكن مع ذلك ما تزال مقاليد السلطة السياسية راسخة في أيديهم. في تصنيف جيفري وينتر (Jeffrey Winter)(*2) تصنف الديمقراطيات المعاصرة كأوليغارشيات مدنية، ولتأكيد طبيعتهم المتناقضة نفضل تسميتهم الديمقراطيات الأوليغارشية.

إن التركيزات الضخمة للثروة تخول للأوليغارشيين السطو على المؤسسات التمثيلية المنتخبة في الديمقراطيات المعاصرة. أما آليات (ميكانيزمات) السطو الأوليغارشي(*3) فتختلف من بلد لآخر، لكنها متينة وراسخة في أغلب – إن لم تكن في كل- الديمقراطيات الحديثة. وتأخذ أشكال فساد غير قانونية وآليات ماكرة تتيحها التشريعات الحالية، وهي بالتأكيد متماثلة في الأنظمة الانتخابية-التمثيلية. في ما يلي الآليات الأبرز للسطو الأوليغارشي:
-1- تحويل الثروة بيسر إلى قوة ضغط، وبالتالي إلى قدرة على توجيه المسار التشريعي لخدمة مصالح كبار الأثرياء.
-2- الحملات الانتخابية مكلفة وتكلفتها في ارتفاع مستمر، كنتيجة أصبح دعم كبار الأثرياء والشركات مهمًا أكثر فأكثر، وذلك يقلل من إمكانية انتخاب طرف معادٍ لمصالح كبار الأثرياء، ويساهم أيضًا في فهم علاقات المشرعين (الذين يتم تعيينهم من قبل السياسيين المنتخبين) القوية بالمجموعات الأوليغارشية.

-3- يعلم السياسيون المنتخبون (والمشرعون) أنه بإمكانهم أن يصبحوا مستشارين ذوي أجر مرتفع بعد انتهاء مدتهم، وهو ما يحفزهم على دعم تشريعات وسياسات تخدم الأوليغارشيين.

-4- في الماضي كان الملوك والأمراء والجمهوريات يجبرون في أحيان كثيرة على القيام بما يطلبه منهم كبار الأثرياء (غالبًا البنكيون) الذين اقترضوا منهم المال لتمويل نشاطات كبناء مشاريع أو لخوض الحروب. اليوم يملك عمالقة المال المسيطرون على الأسواق المالية قوة مشابهة تتأتى من التأثير الذي يملكونه في تمويل الدين السيادي. (يسيطر عمالقة المال أيضًا على وكالات التصنيف التي تتحكم في التصنيفات الائتمانية للمقترضين السياديين).
يمكن للسيطرة الأوليغارشية أن تكون ضعيفة أو قوية. مؤخرًا جادل توماس بيكتي (Thomas Piketty)(*4) بأن انعدام المساواة في الثروة والدخل بلغ معدلات عالية جدًا في بدايات القرن العشرين، وانحدر في منتصف القرن نفسه كنتيجة للحرب العالمية الأولى والكساد العظيم والحرب العالمية الثانية. لقد دمرت تلك الأحداث كميات معتبرة من الموارد الاقتصادية، وبما أن تلك الموارد كانت مركزة في أيدي الأوليغارشيين، مثلت تلك الأحداث تراجعًا مؤقتًا للقوة الأوليغارشية، أنتجت في الديمقراطيات الانتخابية- التمثيلية سياسات خدمت، على الأقل إلى حد ما، مصالح المواطنين العاديين.

بعد التراجع الذي عانوا منه، عادت اللامساواة في الثروة والدخل في الاحتداد مرة أخرى، ووقع السطو (أو إعادة السطو) بسرعة على المؤسسات التمثيلية المنتخبة للبلدان الديمقراطية، واشتدت القبضة الأوليغارشية مرة أخرى على السلطة السياسية. قاد ذلك لسياسيات عديدة تخدم مصالح كبار الأثرياء (والشركات والمؤسسات المالية). في الجهة المقابلة قاد ذلك لكساد أو لتراجع الظروف المعيشية للناس العاديين. في السنوات الـ35 الأخيرة عرفت البلدان الديمقراطية تشريعات وسياسات أفضت إلى:

-أ- خوصصة الخدمات الأساسية والموارد المملوكة من القطاع العام.

-ب- التخلي عن السياسات والمزايا التي تدعم الفئة الأكثر فقرًا من السكان.

-ج- أشكال من رفع القيود سمحت لعديد من الشركات – بما في ذلك الملوثين الكبار(*5) والمؤسسات المالية التي جعلت نفسها “أكبر من أن تفشل”- باستغلال الموارد العمومية وتحميل المجتمع التكاليف والمخاطر (يطلق على ذلك أيضًا “خوصصة الأرباح وتعميم التكاليف”).

-د- آليات ضريبية تخفض الأعباء الضريبية على كبار الأثرياء والشركات.

-ه- الحد من قدرة الناس على الاحتجاج ضد جور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وظروف العمل.
من الجوانب المقلقة لهذا التوجه هو أن العولمة والتكنولوجيات الجديدة والأدوات المالية فائقة التطور ضخّمت من قدرة الأوليغارشيين على انتزاع الموارد من الناس العاديين والعائلات والجماعات، كما أنها عظّمت من قدرتهم على انتزاع الموارد من الكوكب الذي نحيا فيه. إن الهيمنة الأوليغارشية سرطان يدمر حياة الناس والكوكب. يوجد جانب آخر مقلق هو إقصاء عدد كبير من الناس العاديين من المسارين الاقتصادي والسياسي كنتيجة لقدرات الانتزاع المعززة، ورغم أن تلك الظاهرة تأخذ أشكالاً متمايزة في أماكن مختلفة من العالم فهي موجودة في عديد من البلدان كما لاحظت ساسكيا ساسن (Sasika Sassen )(*6) وهي في تباين واضح مع التوجه نحو الإدماج الاقتصادي والسياسي للمواطنين الذي هيمن في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية حين كان الأوليغارشيون ضعفاء.

إن الفكرة القائلة بأن انعدام المساواة على المستوى الاقتصادي وبالتالي الديمقراطية الحقيقية متوافقة مع المساواة السياسية هي محض أسطورة، ومن الواضح أن كبار الأثرياء والشركات الكبرى يجدونها نافعة ومناسبة لذلك يفعلون كل ما يستطيعونه لنشر مثل هذه الأساطير. إن الديمقراطية الأوليغارشية ليست ديمقراطية حقيقية. المساواة السياسية والديمقراطية الحقيقية هما في الوقت الراهن مجرد مُثل يجب أن نبذل ما في وسعنا لتحقيقها. المؤسسات السياسية والسياسات التي تركّز وتحافظ على القوة الأوليغارشية يجب أن تفكك أو أن تغير جذريًا(*7). كلما ازداد الأوليغارشيون ثراءً وقوةً، كلما زادت قدرتهم على مراكمة واستقطاب ثروات إضافية وقوة سياسية، لذلك من المهم إيقاف دوامة نمو اللامساواة قريبًا قبل فوات الأوان بالنسبة للديمقراطية ولكوكبنا.

يجب علينا أن ننتبه إلى نصيحة مكيافيلي حول ضرورة كبح شهوات كبار الأثرياء وذوي النفوذ لدعم وحماية حرية وسعادة الجميع.

 

الإحالات والهوامش:

Machiavelian Democracy – Author: Jhon P.McComick – Cambridge University Press- 2011 -1
Oligarchy – Author: Jheffrey A.Witer – Cambridge University Press 2011 -2
3- Anti Representative Democracy and Oligarchic capture- authors: Lorenzo Del Savo, Matteo Mameli- Opendemocracy.net
4- Capital in the Twenty-First century- Author: Thomas Piketty- Harvard University Press- April 2014
5- المقصود بالملوثين الكبار: هي شركات الطاقة بالخصوص الذين يسبب نشاطهم ضررًا شديدًا للطبيعة.
6- Anti Politics and the 1% – Authors : Lorenzo Del Savo, Matteo Mameli- trouth-out.org – August 2014
7-https://www.truth-out.org/opinion/item/25260-anti-politics-and-the-1

عرض التعليقات
تحميل المزيد