في تمام الساعة الخامسة مساء أمس بتوقيت باريس، وقعت حادثة مروعة على بعد كيلومترات من العاصمة الفرنسية، عندما ذبح شخص، مدرس تاريخ فرنسي أمام مدرسته. ولأن المجني عليه، له سابقة سخرية من الدين الإسلامي خلال تدريسه في أحد الفصول الدراسية، فضلًا عن هتاف مُرتكب الواقعة: «الله أكبر» أثناء تنفيذ الجريمة؛ شرع الكثيرون من الشخصيات الإعلامية والسياسية – على رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – بنسب الحادثة إلى ما أطلقوا عليه: «التيار الإسلامي المتطرف».

تصريحات ماكرون المثيرة للجدل التي لا ينفك يقحم فيها «التيار الإسلامي المتطرف»؛ سبق وأن تكررت منذ أسابيع قليلة؛ عندما صرح الرئيس الفرنسي أمام العالم أن «الإسلام يعيش في أزمة» بسبب ما سماه في رأيه «التيار الإسلامي المتطرف». وأعلن آنذاك عن نواياه لفرض مجموعة من السياسات التي «سوف ينتج عنها دين إسلامي يلائم القيم الفرنسية».

وبالعودة إلى عام 2015 عندما حدث الهجوم المسلح الكبير الذي أودى بحياة 130 شخصًا في باريس؛ لم يخرج ماكرون إلى الصحافة أو حتى وسائط السوشيال ميديا ليذكر «التيار الإسلامي المتطرف»، ربما لأنه لم يكن – آنذاك – سوى وزير سابق لم يتحدث معه الإعلام ليطلب رأيه فيما حدث.

لكن عندما أتيحت له الفرصة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، خلال أحد مؤتمراته للدعاية للانتخابات الرئاسية لعام 2017؛ صرح ماكرون متحدثًا عن الإسلام بأنه: «لا يوجد دين يمثل أزمة في فرنسا».

في ذلك الوقت كان الاتجاه السياسي اليميني الصاعد في فرنسا هو فقط من يدّعي أن الدين الإسلامي يشكل خطرًا على فرنسا؛ فلماذا أصبحت تصريحات ماكرون عن الإسلام الآن، تشبه تصريحات ممثلي التيار اليميني المتطرف؟

«الاستبدال العظيم» وبداية اضطهاد المسلمين «الممنهج»

يشكل المسلمون في فرنسا حوالي 6 مليون نسمة؛ أي 9% من مجمل التعداد السكاني، وبذلك تحتوي فرنسا على أكبر نسبة تعداد سكاني للمسلمين في العالم الغربي. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الأقلية المسلمة في فرنسا لم تسلم يومًا من الاضطهاد والتمييز في النواحي الاجتماعية والسياسية، ولكن كل هذا لم يأخذ شكلًا ممنهجًا إلا في العقد الأخير.

البداية كانت مع صدور كتاب «الاستبدال العظيم» للمؤلف الفرنسي رونو كامو، الذي يتحدث فيه عن مجموعة من نظريات المؤامرة التي تدور حول الأثر السلبي الذي يجلبه كل ما ليس «أبيض» على المجتمع الغربي بشكل عام والمجتمع الفرنسي بشكل خاص. يصف الكتاب المهاجرين بأنهم «غزاة» يأتون إلى فرنسا محملين بـ«ثقافتهم المتطرفة وعقائدهم المتخلفة» التي تهدف إلى تدمير ثقافة ومبادئ وقيم المجتمع الأبيض المؤسس لفرنسا. وبكل تأكيد، وصف الكتاب المسلمين في فرنسا بأنهم «أخطر الغزاة» على المجتمع الفرنسي.

كتب

منذ سنة واحدة
«الاستبدال العظيم» قصة كتاب ألهم منفذي هجمات نيوزيلندا وتكساس!

أثار كتاب «الاستبدال العظيم» الكثير من الجدل ليس فقط في فرنسا بل في العالم كله، وأصبح الكتاب بعد نشره مرجعًا للاتجاه اليميني المتطرف الذي يعادي المسلمين والمهاجرين بشتى الطرق؛ بداية من اللهجة العنصرية في السياسة والإعلام، وصولًا إلى حمل السلاح وارتكاب جرائم عنف ممنهج ضدهم، مثل حادثة مسجد نيوزيلندا التي أودت بحياة 51 مسلمًا، وحادثة متجر «أولمرت» التجاري في الولايات المتحدة التي أودت بحياة 20 مواطنًا أمريكيًّا من أصول لاتينية؛ وكان المشترك بين الحادثتين هو أن منفذي حادثة نيوزيلندا وحادثة الولايات المتحدة كانا يتخذان الكتاب إلهامًا لأفكارهما «المتطرفة». 

ومن رواق السياسة في فرنسا؛ انتهج حزب «الجبهة الوطنية الفرنسي» كافة المبادئ التي نادى بها كتاب «الاستبدال العظيم»؛ فالسياسيون الممثلون للحزب دائمًا معارضون للمهاجرين، وكارهون لكل المختلفين عن المواطن الفرنسي الأبيض، وبكل تأكيد معادون لكل ما لا ينتمي للهوية المسيحية الفرنسية؛ وتربطهم عداوة شديدة مع المجتمع الإسلامي في فرنسا. 

ماري لوبان.. اليمينية التي اقتربت ذات مرة من أبواب الإليزيه

رئيسة حزب «الجبهة الوطنية» هي ماري لوبان، الناشطة اليمينية والمرشحة الرئاسية السابقة التي هزمها ماكرون في انتخابات الإعادة في عام 2017؛ والتي أعلنت عن نيتها الترشح مرة أخرى في الانتخابات القادمة. وجدير بالذكر أن ماري لوبان حوكمت في عام 2015 في قضية ازدراء أديان لتشبيهها صلوات المسلمين بتجمع جنود الجيش النازي في القرن الماضي، الأمر الذي يشي بسياستها المحتملة تجاه المسلمين في حال فوزها. فهي تريد تجريم الحجاب لا مجرد منعه فقط، وتحديد الشعائر الدينية التي تميز المسلمين مثل ذبح الأضحيات على الطريقة الإسلامية، بالإضافة إلى تقليل نسبة المهاجرين القادمين من خلفيات ومجتمعات إسلامية.

Embed from Getty Images

ماري لو بان رئيسة حزب الجبهة الوطنية

في انتخابات عام 2017 فاز ماكرون كما ذكرنا بنسبة 66% مقابل 34% فقط لماري لوبان، لكن استطلاع رأي نشرته مجلة «بلومبرج» أوضح أن في المرحلة الأولى من الانتخابات يمكن أن تحصل لوبن على 24 إلى 27% من مجمل الأصوات؛ بينما طبقًا للاستطلاع نفسه فمن المحتمل أن يحصد ماكرون ما بين 23% إلى 26% فقط!

لذلك من المحتمل أن ماكرون بدأ يعتقد في أن «انتقاد الإسلام هو الحل»، كما أن الرئيس الذي قدّم نفسه في عام 2017، بوصفه مرشحًا يساريًّا، لا يؤمن بالتفرقة بين الفرنسيين؛ لم يستطع تنفيذ أيّ من الوعود التي منحها لمن صوتوا له في الانتخابات الماضية، الأمر الذي قد يجعله يولّي وجهه نحو الاتجاه الآخر من الرواق؛ حيث أصوات مؤيدي السياسات اليمينية المتطرفة، التي ترى في الإسلام خطرًا على الهوية الفرنسية، ليعلن صراحة أنه «قد حان الوقت للبحث عن إسلام من نوع جديد يلائم المجتمع الفرنسي».

كيف حولت انتخابات 2022 بوصلة ماكرون من اليسار إلى اليمين؟

قبل خوض الانتخابات الرئاسية في 2017 كانت كل آراء ماكرون تنتمي إلى الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي الذي ينحاز للحقوق والحريات والمساواة وفرض قوانين وسياسات اقتصادية تحقق مبدأ العدالة الاجتماعية بين كافة المواطنين؛ لكن بعد أن أرسلت نتيجة الانتخابات ماكرون إلى قصر الإليزيه تغيرت معطيات الأمور بشكل غريب، وتحولت وعود ماكرون من وعود ليبرالية إلى سياسات معاكسة.

Embed from Getty Images

فانتهج سياسة تخصيص الممتلكات الحكومية والتي كان من ضمنها تخصيص جزء كبير من شبكة خطوط القطارات الفرنسية، ما أدى إلى تظاهرات وإضرابات من قبل العمال في هيئة السكة الحديد؛ لما تسلبهم إياه من الحماية الحكومية التي كانوا يتمتعون بها.

شروط الالتحاق بالجامعات العامة المجانية أيضًا أصبحت في عهد حكومة ماكرون معقدة على الطلاب الفرنسيين، الضرائب التي قللها على الطبقات الغنية؛ منحت 1% فقط من الشعب الفرنسي زيادة حوالي نصف مليون يورو في أرباحهم السنوية.

وبالحديث عن الوعود التي كان يطلقها من أجل حماية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى فرنسا؛ فقد أصدر ماكرون مجموعة سياسات نصت على زيادة المدة التي يقضيها اللاجئ أو المهاجر في مراكز الاعتقال إلى الضعف، وقلت المدة التي ينتظر فيها صاحب قضية اللجوء إلى نصف المدة، ما يعني أن اللجوء إلى فرنسا أصبح أمرًا صعبًا جدًا. جدير بالذكر أن «حزب الجبهة الوطنية» الذي ترأسه ماري لوبان وصف سياسات ماكرون، تجاه المهاجرين واللاجئين بالـ«الانتصار السياسي».

أما بالحديث عن السياسة الخارجية، فقد اتسمت هي الأخرى مؤخرًا بالطابع اليميني أيضًا، ويمكن أن نستدل على ذلك عبر الصراع المحتدم الذي افتعله ماكرون مع أردوغان على ملفين مهمين. الأول: ملف الحدود البحرية الذي تتنازع عليها كل من تركيا من ناحية، واليونان وقبرص من ناحية أخرى. والملف الثاني: هو الملف الليبي؛ إذ لم تخل السماء الليبية في السنوات القليلة الماضية من طائرات الرافال الفرنسية الشهيرة.

وأخيرًا زيارة إيمانويل ماكرون إلى لبنان مرتين عقب انفجار مرفأ بيروت؛ للتودد إلى الشعب اللبناني ورسم صورة فرنسا كونها المنقذ الذي جاء كي يصلح من حال لبنان، في محاولة منه لفرض هيمنة فرنسا في الشرق الأوسط لنيل أصوات اليمين في انتخابات 2022.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
ينفق 12 ألف دولار شهريًا على وسامته من أموال الضرائب! هل ستخلع فرنسا ماكرون؟

بقى أن نذكر أنه في يوليو (تموز) الماضي، أعلن ماكرون عن التشكيل الوزاري لحكومته الجديدة كي تقود الشعب الفرنسي في النجاة من أزمة فيروس كورونا المستجد؛ وجاء التشكيل الحكومي مدللًا على سعي ماكرون الدؤوب نحو حصد أصوات مناصري اليمين في انتخابات 2020. فاختار ماكرون جان كاستيكس المعروف بإتجاه اليميني والذي كان نائب أمين عام الرئاسة الفرنسية في فترة الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي. فيما تضمنت الحكومة وزراء معروف ميلهم نحو اليمين، من بينهم جيرالد دارمانان، الذي له تصريح شهير سابق يقول فيه، «أن المهاجرين يدمرون التركيبة الثقافية للمجتمع الفرنسي».

فهل يستمر ماكرون في انتهاج هذه الاستراتيجية خلال الشهور المقبلة، من أجل مغازلة أصوات اليمين، والبقاء لفترة أخرى في قصر الإليزيه؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد