منذُ 100 عامٍ في يوليو (تموز) 1920 ركل جنرال فرنسي قبر صلاح الدين الأيوبي (قائد معركة حطين)، في دمشق، وصاح قائلًا: «ها قد عدنا يا صلاح الدين، وجودي هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال».

يؤرخ الكاتب «كارل ماير»، في كتابه «صناع الملوك – اختراع الشرق الأوسط الحديث»، هذه الحادثة، عن الجنرال هنري جوزيف جورو، المندوب السامي الفرنسي على أراضي سوريا ولبنان. فما هي تداعيات هذه الحادثة؟ ومن هو الجنرال الفرنسي المبعوث الذي تسبب في معاناة الأراضي السورية واللبنانية تحت وطأة التقسيم وويلات الحروب حتى الآن؟

صورة تظهر الجنرال الفرنسي هنري جورو إبان قيادته لفيلق المشاة الفرنسي في عام 1915. المصدر: مكتبة فرنسا الوطنية

«جورو».. جنرال عسكري يهاجم حتى الإبادة

هنري جوزيف أوجين جورو، هو أحد أهم القادة العسكريين الفرنسيين، خلال الحرب العالمية الأولى (1919 – 1923). كان قائدًا للجبهة الغربية في الدردنيل (مضيق في تركيا الآن)، في الحرب التركية الفرنسية، وبُترت فيها ذراعه اليمنى. 

وينتسب جورو إلى المدرسة العسكرية الفرنسية في سان سير (Saint-Cyr)، وتخرج فيها برتبة ضابط 1888، وخدم بسلاح القناصة، وعمل ضابطًا في القوات الاستعمارية الفرنسية قبل الحرب العالمية الأولى، وساهم في احتلال موريتانيا، ومالي، وتشاد.

ويُعدُّ «جورو» من دُعاة ومُنفِّذِي النظرية العسكرية الفرنسية، التي تدعو إلى إبادة المُقاومين لزحف الجيوش الفرنسية، وعدم الاكتفاء بهزيمتهم – وهي نظرية هجومية، وليست دفاعية – عُرفت باسم «الهُجُوم حتى الإبادة». 

رجل فرنسا الأول في لبنان

بعد خسارة الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، وتقاسم بريطانيا وفرنسا المشرق العربي – عبر اتفاقية سايكس – بيكو 16 مايو (أيار) 1916 – وقع لبنان والساحل السوري تحت نير الاحتلال الفرنسي، وأصبحت حكومة دمشق تحت حكم الملك فيصل بن الحسين، تتبع النفوذ الفرنسي حسب الاتفاقية، بعد تخلي بريطانيا عنه.

ونشرت الدول الأوروبية مسؤولين عسكريين في الشرق الأوسط لتولي المهام العسكرية والمدنية؛ من أجل التحضير لإعادة تنظيم الأراضي العربية، وحينها عيَّن رئيس المجلس الفرنسي جورج كليمنصو – آنذاك – «هنري جورو» مفوضًا ساميًا (مندوبًا ساميًا)، على سوريا، وقائدًا لقوات المشرق.

ومع تقدم القوات الفرنسية إلى الداخل السوري ظهرت أعمال المقاومة في البقاع، ومرجعيون، والقنيطرة، وامتدت إلى الشمال لتصل إلى اللاذقية، فلجأ الجنرال الفرنسي إلى تدمير العديد من المدن والقرى، كأنطاكية وبانياس والقصير، وشرَّد معظم سكانها، ونشر النعرات الطائفية بين الأهالي.

صورة أحد خطابات الجنرال هنري غورو للشعب السوري. المصدر: شبكة سوريا الإخبارية

وهنا تنبّهت الحكومة السورية، إلى الخطر المُحدِق بالبلاد من خلال هذه الحشود العسكرية، ورأت ضرورة سفر الملك فيصل إلى مؤتمر الصلح؛ تلبيةً لسابق دعوةٍ تلقّاها من كلّ من بريطانيا وفرنسا، لعلّه يستطيع دفع الكارثة، فأظهر فيصل ارتياحه لهذا الرأي، واستعدّ للسفر على رأس وفد إلى مؤتمر الصلح، وأرسل مستشاره السياسي نوري السعيد إلى بيروت ليطلب من جورو إعداد وسائل السفر.

إنذار جورو.. بداية احتلال فرنسا للأراضي السورية

في 14 يوليو 1920 (يصادف يوم عيد الحرية في فرنسا)، وجه الجنرال جورو إلى الملك فيصل بن الحسين إنذاره الشهير، يطالبه بقبول الانتداب الفرنسي، وتسريح الجيش السوري، والموافقة على احتلال القوات الفرنسية لمحطات سكك الحديد في رياق، وحمص، وحلب، وحماة.

وطلب الجنرال جورو من الملك فيصل قبول هذه الشروط جملةً أو رفضها جملةً، وحدد مهلة لإنذاره تنتهي بعد أربعة أيام، فإذا قبل الملك فيصل بهذه الشروط فعليه أن ينتهي من تنفيذها كلها قبل 31 يوليو عند منتصف الليل، وإذا لم يقبل فإن العاقبة لن تقع على فرنسا، وتتحمل حكومة دمشق مسؤولية ما سيقع عليها.

خان ميسلون.. معركة الشرف العسكري

في تلك الأثناء علم الأهالي بخبر إنذار الجنرال الفرنسي، فاشتعلت حماستهم، وأقبلوا على التطوع، فامتلأت بهم الثكنات العسكرية، واشتد إقبالهم على شراء الأسلحة والذخائر، وأسرعت الأحياء في تنظيم قوات محلية للحفاظ على الأمن.

صورة للجنرال الفرنسي غورو (في المنتصف) يستعرض فيها قواته على أعتاب دمشق. المصدر: ويكبيديا

غير أن الجنرال الفرنسي لم ينتظر، مهلته المحددة، وتقدم «جورو» نحو خان ميسلون، فانتفض يوسف العظمة وزير الحربية – آنذاك – برفقة 3 آلاف جندي مسلحين، ولم تضم قواته دبابات أو طائرات أو أسلحة ثقيلة، واشتبك مع القوات الفرنسية في صباح 24 يوليو 1920 في معركة غير متكافئة، اشتركت فيها الطائرات الفرنسية والدبابات والمدافع الثقيلة، ودخل «جورو» دمشق – على إثرها – مزهوًا، ليصيح بعبارته الشهيرة – كما ورد في بداية التقرير – على قبر صلاح الدين الأيوبي.

ويقول المفكر السوري ساطع الحصري، في كتابه «يوم ميسلون»، عن هذه الحقبة: «لقد كان كلّ شيء يدلّ على قرب حدوث أزمة خطيرة تُقرِّر مصير البلاد بصورة نهائيّة، بعد أشهر من الترقّب والانتظار التي مرَّت بها سوريا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى».

31 أغسطس.. من قصر الصنوبر كان التقسيم

بعد أن سيطرت القوات الفرنسية على دمشق، على إثر هزيمة السوريين في معركة ميسلون، أخذت سلطات الاحتلال الفرنسي إجراءات عدة؛ لتوسيع نطاق لبنان على حساب سوريا، منها قرار «جورو» رقم 229 الذي صدر في الثالث من أغسطس (آب) 1920، القاضي بفك الأقضية الأربعة عن سوريا، وهي بعلبك، والبقاع، وحاصبيا، وراشيا، وضمهم إلى لبنان الكبير، وكذلك القرار رقم 318 الصادر في 31 أغسطس، الذي تضمن إعلان قيام دولة لبنان الكبير المستقل.

وعلى ذلك شملت دولة لبنان الكبير – التي تشكلت حكومة باسمها لاحقًا – منطقة لبنان الإدارية الحالية، وأقضية بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا، ومن أراضي ولاية بيروت المفصلة سنجق صيدا خلا ما ألحق منه بفلسطين بحسب الاتفاقات الدولية، وسنجق بيروت، وقسم من سنجق طرابلس يشتمل على أراضي قضاء عكا الواقعة جنوبي النهر الكبير وقضاء طرابلس، وقسم من قضاء حصن الأكراد واقع جنوبي حدود لبنان الكبير.

صورة من قرار الجنرال الفرنسي هنري غورو لإعلان دولة لبنان الكبير. المصدر: التاريخ السوري المعاصر 

 ويرصد لنا المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني، في كتابه «الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي»، أجواء وصول الجنرال جورو إلى سوريا، إذ زادت من حدة التناقضات بين المواقف الداخلية، وأثار وصوله الفرنسي فرح وابتهاج المطالبين بدولة لبنانية أو سورية محمية من فرنسا، وعلى الجانب الآخر تنامت مشاعر القلق لدى التيار القومي (العروبي) المطالب باستقلال سوريا، فالأول عبر عن نفسه بتنظيم المظاهرات المؤيدة لفرنسا في العديد من المناطق التي تنتشر فيها عناصر كاثوليكية ومارونية، وتميزت ردة فعل الموقف الآخر بالاحتجاج والسخط والدعوة لمقاومة الاحتلال الأجنبي.

ويضيف المؤرخ، أن مهمة الجنرال جورو كانت السيطرة الكاملة على سوريا، ومنع أي تدبير من شأنه عرقلة المشاريع الاقتصادية الكثيرة التي ابتدأت تتهيأ لها الشركات الفرنسية، بما يعني ذلك الإسراع في القضاء على (التيار القومي)، وسحق مشروع حكومة دمشق في المهد.

وتذكر المجلة الفرنسية «Persée»، في أحد منشوراتها، أن جورو اعتمدَ على سياسةٍ تستند إلى التجزئة المناطقية والدينية بضمانة فرنسية، مع تفضيلٍ واضحٍ وعلني لمسيحيي لبنان؛ إذ خطط الجنرال في المرحلة الأولى لإنشاء لبنان الكبير بأغلبية مسيحية ودولتين مسلمتين في دمشق وحلب.

وفي 1 سبتمبر (أيلول) 1920 أعلن الجنرال في قصر الصنوبر ولادة لبنان الكبير، ورسم حدوده من النهر الكبير عند حدود فلسطين إلى البحر والجبل، ولم يبق له سوى الذهاب حتى النهاية في مشروع تقسيم سوريا.

الجنرال الفرنسي غورو خلال إعلان دولة لبنان الكبير في قصر الصنوبر عام 1920. المصدر: BBC

دبلوماسية ماكرون.. إعادة الحنين الاستعماري

التاريخ يتجدد، والمشهد لم يتغير كثيرًا، وأجواء الوصول التي حدثت إبان عهد الجنرال الفرنسي هنري جورو، تتكرر خلال زيارة الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت، في أغسطس 2020.

فلم يكن من قبيل المصادفة أن يصبح «ماكرون» أول رئيس غربي يتجول على أطلال بيروت، ويجتمع بالأطراف اللبنانية، على طاولة مستديرة، بقصر الصنوبر (الذي أعلن جورو منه دولة لبنان الكبير)؛ للنظر في ما بعد كارثة الانفجار.

وبغضّ النظر عن مقررات الاجتماع نفسه، فإن اختيار قصر الصنوبر مقر لهذا الاجتماع حملت دلالاتٍ تاريخيةٍ واضحة، ترمز لتاريخ الاحتلال الفرنسي لتلك الأراضي وتقسيمها. وحول ذلك؛ يقول الكاتب ستيفن باسكو الباحث في جامعة كاليفورنيا إن دبلوماسية ماكرون في بيروت أعادت إحياء الحنين الاستعماري بين بعض اللبنانيين في البلاد وفي الشتات. وفي غضون ساعات من زيارته، جُمع أكثر من 50 ألف توقيع على عريضة عبر الإنترنت تطالب بإعادة إنشاء الانتداب الفرنسي في البلاد.

ماذا يريد ماكرون من لبنان؟

تقول صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، إن رئيس فرنسا يتوجه إلى بيروت؛ لدعم الأنظمة الحاكمة باسم الاستقرار، حتى لو كانت فاسدة، أو سلطوية، أو كلاهما في نفس الوقت، وترى صحيفة «L’Humanité»، أن تقديم ماكرون لإصلاحات في لبنان – الأكثر تعقيدًا – ستبدأ بتشكيل الحكومة، وما يسميه القضاء على الفساد، ثم إعادة بناء البلاد، وبالتالي إمبريالية فرنسية أخرى.

ويرى اليساري الفرنسي ريتشا رولان، أن عودة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت – في ثوب الممثل التجاري لمراعاة مصالح الرأسماليين – ومن أجل تنفيذ توجيهات صندوق النقد الدولي، بدءًا بالخصخصة لجميع القطاعات الرئيسة في الاقتصاد وأولها الكهرباء، ثم إعادة هيكلة الديون.

وعلى الرغم من مثالية الإصلاحات المرجوة – بحسب رولان – إلا أنها تعتمد على إصلاحات سياسية زائفة تضمن استدامة تقاسم السلطة بين رؤساء الطوائف الدينية المختلفة، وبالتالي تجديد نظام عمره 100 عام كان مصدر كل الأزمات.

واستكمالًا لإصلاح قطاع الطاقة؛ يؤكد الباحث ستيفن باسكو، أن «ماكرون» يريد أن ترعى شركة كهرباء فرنسية، مخططًا رئيسًا جاهزًا (وُضع في السنوات الأخيرة بناءً على طلب البنك الدولي، وبطلب من الدائنين الدوليين للبنان) لحل مشكلة نقص الكهرباء.

يبدو أن زيارة «ماكرون» لن تكن- كما صرح بنفسه – شيكًا على بياض، بعدما طالبه لبناني بمساعدة باريس لبلاده قائلًا: «سيدي الرئيس، أنت في شارع الجنرال جورو، الذي حررنا من قبضة العثمانيين، حررنا أنت من السلطات الحالية»، فيجيب «ماكرون»: «لست هنا لأكتب شيكًا على بياض للنظام».

اليوم، في ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر، يعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد 100 عام، إلى بيروت، وسط حسابات متضاربة. فثمّة أمور لم ينتبه لها اللبنانيون بفعل تداعيات انفجار المرفأ، منها وصول فرق إنقاذ كثيرة ومحققين غربيين ووحدات عسكرية إلى الشاطئ اللبناني، ومشاركتها في توزيع المساعدات وإشرافها عليه، إضافة إلى مشاركتها في التقصي وفي التحقيقات، هذا كله شطرٌ من تدويل كل الملفات اللبنانية، الاقتصادية والمالية، والمساعدات والتحقيقات. وحيال هذا التطور يغدو تشكيل الحكومة مسألة بسيطة في ظل الأزمة اللبنانية الأعمق والمتعددة الجذور.

المصادر

تحميل المزيد