دائمًا ما يتوقّف تجاوب الاقتصاد العالميّ مع أي انتخابات في دولة ذات ثقل عالمي على توجه المتنافسين، وكذلك ملامح برامجهم الاقتصادية، ومع التناقض والاختلاف الواضح في توجهات مارين لوبان اليمينية المتطرفة، وإيمانويل ماكرون المصرفي السابق، الوسطي الذي يتبنى الفكر الليبرالي في الاقتصاد ويدعم ريادة الأعمال، ربما كان تجاوب الأسواق مع الانتخابات الفرنسية معروفًا مسبقًا قبل إعلان النتيجة.

فوز لوبان كان يعني بلا شك تراجعًا حادًا بالأسواق المالية وقلقًا بين رجال الأعمال والمستثمرين، وعلى العكس تمامًا جاء وقع فوز ماكرون على الأسواق العالمية التي رحبت بتولية رئاسة فرنسا، إذ سيطرت النظرة الإيجابية على تداولات البورصات العالمية والعربية، وذلك بعد تحذيرات من آثار سلبية كبيرة كانت ستتعرض لها الأسواق حال فوز لوبان، وهو ما لم يحدث.

ثاني أكبر اقتصاد أوروبي والسادس عالميًا كان على موعدٍ مع دفعةٍ قوية للعولمة التي كادت أن تفقد كل أسهمها مؤخرًا مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا، إذ لم يكن نجاح ماكرون قاصرًا على كبح جماح اليمين المتطرف في فرنسا، بل كان بمثابة هدية للعولمة التي يتبنى الرجل سياستها، سواء من دعوته للمزيد من التعاون المالي والاجتماعي مع الاتحاد الأوروبي أو دعمه لاتفاقيات التجارة الحرة.

تتناسب سياسات ماكرون كثيرًا مع المؤسسات المالية العالمية، فهو يسعى إلى تخفيض الوظائف الحكومية، ويعتزم خفض الإنفاق الحكومي من مستويات 55- 57% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، فبحسب وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، فإن برنامج الرئيس الفرنسي المنتخب يرمي إلى تفكيك نسيج النشاط الاقتصادي وخفض أعباء الدولة، بهدف معلن هو تحرير نشاط المؤسسات.

«مكافحة البطالة التي سجلت 9,7% بحسب المعهد الفرنسي للإحصاء، من خلال تدريب مليون شاب ومليون من طالبي الوظائف غير المؤهلين، ورفع بعض أعباء الرواتب المنخفضة، وخفض الضريبة على الشركات من 33,3% إلى 25%، المعدل الأوروبي، وإلغاء 120 ألف وظيفة في القطاع العام، وتقليل النفقات العامة بـ60 مليار يورو على خمس سنوات» كانت هذه النقاط الأساسية في برنامج ماكرون الاقتصادي.

ملامح البرنامج وفكر ماكرون الوسطي كانا أهم أسباب الارتياح الذي ظهر في أسواق المال العالمية في مطلع التداولات بعد الإعلان عن فوزه بالانتخابات، فيما جاء تفاعل كل من «الأسهم – العملات – الذهب» مع نجاح ماكرون كما يلي:

الأسهم

ينظر دائمًا إلى أسواق المال على أنها أكثر المؤشرات تفاعلًا مع الأحداث الجيوسياسية، كما تتأثر سريعًا بالتفاؤل والتشاؤم، وكذلك تتأثر بشدة بالتوقعات والتصريحات، وبما أن النظرة العامة لفوز ماكرون تبدو إيجابية كانت النتائج كذلك، إذ سجلت الأسهم اليابانية – أولى البورصات التي بدأت التداولات – مستوياتٍ لم تشهدها منذ 17 شهرًا، أمس الاثنين، وسط تعاملات قوية، فيما ساهمت نظرة جيدة لقطاع الأعمال في أوروبا في تعزيز ثقة المستثمرين بعد فوز ماكرون.

المؤشر نيكي صعد بنسبة 2.3% إلى 19895.70 نقطة ليغلق عند أعلى مستوى منذ ديسمبر (كانون الأول) 2015 كما سجل أعلى نسبة صعود يومية منذ منتصف فبراير (شباط)، بينما زاد المؤشر توبكس الأوسع نطاقًا 2.3% إلى 1585.86 نقطة مع تداول 2.408 مليار سهم وهو أعلى مستوى منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول).

في المقابل، لم يكن تفاعل بورصة باريس على نفس القدر من تفاعل طوكيو، إذ تراجع المؤشر الفرنسي بنسبة 0.51%، وخسر مؤشر كاك-40 27,58 نقطة ووصل إلى 5404,82 نقطة، ورغم هذا الهبوط تظل أسهم باريس قرب المستوى الذي كانت عليه في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2008، بعد أن أغلقت، الجمعة، على ارتفاع بلغت نسبته 1.12% عند 5432.40 نقطة.

بدون مبالغة في الحماس، كان هذا حال معظم الأسواق، إذ يقول يوكيو إيشيزوكي من مجموعة «دايوا سيكيوريتيز» إن نتيجة الانتخابات الفرنسية «أخذت في الاعتبار من قبل الأسواق» التي كانت متفائلة جدًا منذ الدورة الأولى بفوز مرشح «إلى الأمام؟» الذي يلقى تأييد المستثمرين بسبب مواقفه حول أوروبا وتوجهاته الاقتصادية.

ومع تبدد المخاوف من احتمال خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، صعدت الأسهم الأوروبية لفترة وجيزة بفعل الارتياح من فوز ماكرون، فيما أغلق مؤشر ستوكس 600 الأوروبي منخفضًا إلى 0.13% بينما تراجع مؤشر كاك الفرنسي 0.9% بعدما سجل أعلى مستوياته في أكثر من سبع سنوات، وهبط مؤشر داكس الألماني 0.18% بعدما لامس أعلى مستوى له على الإطلاق.

وفي أمريكا، أغلق المؤشر ستاندرد آند بورز مستقرًا بعد أن سجل لفترة وجيزة مستوى قياسيًا مرتفعًا أثناء التعاملات في حين هبط «مقياس الخوف» في بورصة وول ستريت إلى أدنى مستوى في أكثر من عشر سنوات في أعقاب فوز المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون في انتخابات الرئاسة الفرنسية.

وأنهى المؤشر داو جونز الصناعي جلسة التداول مرتفعًا 5.34 نقطة أو 0.03% إلى 21012.28 نقطة، في حين أغلق المؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع نطاقًا مستقرًا عند 2399.38 نقطة بعد أن سجل وهو أعلى مستوى له على الإطلاق أثناء التعاملات، بينما أغلق المؤشر ناسداك مرتفعًا 1.90 نقطة أو 0.03% إلى 6102.66 نقطة.

العملات

على الجانب الآخر، تراجع اليورو عن أعلى مستوياته في ستة أشهر مقابل الدولار، أمس الاثنين، بعد فوز إيمانويل ماكرون الذي كان متوقعًا على نطاقٍ واسع في انتخابات الرئاسة الفرنسية، إذ قام المستثمرون بالبيع لجني أرباح بعد زيادةٍ بلغت نحو 3% للعملة الموحدة منذ فوزه في الجولة الأولى قبل أسبوعين.

ودفع فوز ماكرون اليورو لفترة وجيزة فوق 1.10 دولار وهو أعلى مستوى له منذ انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ ارتفع اليورو إلى 1.1023 دولار مسجلًا أعلى مستوياته في ستة أشهر وقفز إلى أعلى سعر في سنة مقابل العملة اليابانية عند 124.58 ين.

وتراجع اليورو 0.6% إلى 1.0925 دولار، وانخفض 0.53% أمام العملة اليابانية إلى 123.26 ين، بينما زاد مؤشر الدولار الذي يقيس قوة العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات 0.42 بالمائة إلى 99.064 بعد أن نزل في وقت سابق إلى 98.543 وهو أقل مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني).

الذهب

قادت حالة الراحة بالأسواق أسعار الذهب للتراجع في وقت يقتنص فيه المستثمرون الصفقات، إذ هبط المعدن إلى أدنى مستوى في سبعة أسابيع بفعل انحسار الطلب على الملاذات الآمنة إثر فوز إيمانويل ماكرون، ولكن في نهاية الجلسة ارتفع السعر الفوري للذهب 0.5% إلى 1233.33 دولارًا للأوقية (الأونصة) بعد أن لامس 1224.86 دولارًا في وقت سابق من الجلسة وهو أدنى مستوياته منذ 17 مارس (آذار).

المعدن النفيس أكثر المتضررين من الحالة التي عاشتها الأسواق، انخفض 3.2% الأسبوع الماضي في أكبر تراجع له بالنسبة المئوية في 25 أسبوعًا عندما أشارت استطلاعات الرأي إلى فوزٍ كاسح لماكرون، بينما زادت عقود الذهب الأمريكية الآجلة 0.6% إلى 1234 دولارًا للأوقية.

الاتحاد الأوروبي.. الفائز الأكبر

«إمكانية خروج أحد الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، يعني اختفاء الاتحاد الأوروبي بأكمله، فوز لوبان يجعل تفكك أوروبا احتمالًا واقعيًا، وهو ما سيزرع الذعر في الاقتصادات والأسواق المالية الأوروبية»، هكذا قال أناتول كالتسكي، رئيس معهد الفِكر الاقتصادي الجديد، قبل الانتخابات، ولكن مع خسارة لوبان التي أطلقت حملة تحت اسم «فريكست»، ارتفعت أسهم تعافي الاتحاد الأوروبي كثيرًا واختفى كذلك الذعر من الأسواق.

رئيس الوزراء الإسباني، ماريانو راخوي، كان قد قال: «فوز لوبان سيعني ببساطة تدمير أوروبا»، فيما ذكر تقرير لـ«سي إن بي سي» إن فوز لوبان يلقي بظلالٍ من الشك حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، كما حدد محللو «سيتي بنك»، سيناريوهين اثنين حال فوز لوبان بشأن عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي، الأول: مغادرة فرنسا للاتحاد الأوروبي على الطريقة النرويجية، والثاني: الانسحاب من اليورو والبقاء داخل الاتحاد.

ولكن مع فوز ماكرون لن تكون فرنسا مضطرة لدخول هذه الدوامة، بل ربما يسعى الرئيس الفرنسي الجديد لإضافة نقاط فقدها الاتحاد بسبب الصعود القوي لليمين المتطرف في أوروبا، وبالتالي يكون قد جنب العالم أزمة اقتصادية كانت وشيكة.

ومن جانبهم اعتبر زعماء أوروبيون أن فوز ماكرون بمثابة تصويت للوحدة الأوروبية، وضربة للقوى السياسية التي سعت للبناء على التصويت الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العام الماضي من أجل تفكيك الاتحاد الأوروبي، إذ قال المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل شتيفان زايبرت على تويتر: «انتصاركم انتصار لأوروبا قوية موحدة وللصداقة الألمانية الفرنسية»، كما غرد رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني قائلًا «مرحى بالرئيس ماكرون! هناك أمل لأوروبا!».

سعادة أوروبا لم تتوقف عند نجاح ماكرون فقط، بل جاء ارتفاع معنويات المستثمرين بمنطقة اليورو في مايو (أيار) إلى أعلى مستوياتها في نحو عشر سنوات لتفوق التوقعات بفضل التقييم القوي للوضع الاقتصادي الحالي وتوقعات بانحسار الضبابية السياسية، خبرًا يؤكد أنه ما زال هناك أمل.

مجموعة سنتكس للبحوث، قالت إن مؤشرها لمنطقة اليورو ارتفع إلى 27.4 نقطة، وهو أعلى مستوياته منذ يوليو (تموز) 2007، من 23.9 نقطة في أبريل (نيسان)، المجموعة استطلعت آراء 1063 مستثمرًا من الرابع إلى السادس من مايو (أيار)، إذ توقعوا انخفاضًا في الضبابية السياسية في منطقة اليورو، وهو ما دفع المؤشر الفرعي الذي يقيس الوضع الحالي في منطقة اليورو للزيادة إلى 34.5 نقطة في مايو (أيار) من 28.8 ليبلغ أعلى مستوياته منذ يناير (كانون الثاني) 2008.

الاقتصاد الفرنسي

ينتظر الرئيس الجديد مجموعة من التحديات، لعل أقلها ارتفاع نسبة الدين والبطالة، في وقت تمثل النفقات العامة أكثر من نصف إجمالي الناتج الداخلي الفرنسي، بحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وينوي ماكرون خفض هذه النفقات بنسبة 3% لتصل إلى 55% بحلول 2022، كما يرغب في خفض العجز العام إلى 1% في 2022 والدين العام إلى 93,2% مقابل 3,4% و96% على التوالي في 2016، لكن هذه الأهداف ليست سهلة على الإطلاق ولكنها ممكنة.

ولم تمر ساعات على فوز ماكرون حتى دعت كبرى النقابات المهنية في فرنسا للتظاهر بمناسبة بداية رئاسته، وللاحتجاج على سياساته الاقتصادية «الليبرالية»، إذ طالبت الكونفدرالية الديمقراطية الفرنسية للعمل – أكبر نقابة عمالية فرنسية -إيمانويل ماكرون بعدم غض الطرف عن الشعور بالحرمان من الحقوق وبالظلم وحتى بالتجاهل الموجود بين عدد كبير من مواطنينا، وهو الأمر الذي يؤكد أن الرجل أمام مهمة صعبة، فهل يتمكن من التعامل مع هذه الأزمات؟

مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، يرى أن ماكرون بارع في عقد الصفقات المالية والاستثمارية، إذ أبرم صفقات عدة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار لصالح مجموعة مصرفية فرنسية، ولديه خبرة كبيرة في إدارة الأموال والثروات حيث عمل سنواتٍ في قطاع الاستثمار لدى أحد المصارف الفرنسية.

ويتساءل عبد السلام: هل تؤهله هذه البراعة لعقد صفقات سياسية واقتصادية يستطيع من خلالها تخطي المشاكل العنيفة التي يعاني منها الاقتصاد الفرنسي؟ والتي في مقدمتها أزمات البطالة وتفاقم مشكلة الدين العام ومعدل النمو الاقتصادي الضعيف والمتباطئ الذي يدور حول 1.1%، ونسبة عجز الموازنة، ومعدل التضخم الذي يهدد مؤشر ثقة المستهلك، ربما سنحتاج للمزيد من الوقت حتى نعرف إجابة هذا السؤال.

عرض التعليقات
تحميل المزيد