منطقيٌ جدًا أن تقفز من سفينة تغرق، لكن من غير المنطقي أن تتنصل من قيادتها، وقد كنت واحدًا منهم، وهو ما فعله إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد لعامين كاملين في حكومة فرانسوا هولاند الفاشلة، بعد أن كان مستشاره الاقتصادي لعامين قبلها، والتي عدّها مراقبون أسوأ حكومات جمهورية فرنسا الخامسة.

سرعان ما طارت قصة ماكرون وزوجته التي تكبره بربع قرن من الزمن كالنار في الهشيم، وبالرغم من أنها لا تمثل في عالم السياسة وزنًا، إلا أن كثيرًا من المتابعين لم يتورعوا عن إقحامها في النص السياسي كبادرةٍ حسنةٍ على ما أسموه: مثابرة الرجل وإخلاصه لقلبه ورغباته.

وكي لا نقع في الخطأ ذاته نطوي معكم هذه الصفحة من حياة ماكرون، ونبدأ باستقالته من فريق هولاند العام الماضي أغسطس (آب) 2016، والتي جعلته مُخونًا في نظر الحزب الاشتراكي، الممثَّل في السلطة بالرئيس هولاند وحكومته، وجرى تشبيه ماكرون بالفيلسوف، وعضو مجلس الشيوخ الروماني، ماركوس بروتس، المتهم بالتآمر على يوليوس قيصر وقتله عام 44 ق.م.

القفز من السفينة بدلًا عن إصلاحها

يلمح الأستاذ حازم صاغية في مقالته في الحياة اللندنية، لمشكلة المرشح الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويسحبها على هيلاري كلينتون، المرشحة الخاسرة في انتخابات الرئاسة الأمريكية الفائتة، وهي الجمع بين التقدّميّة في الجانب الاجتماعيّ والثقافيّ، أي في مسائل العنصريّة والنسويّة والجندرية، والمحافظة في الشقّ الاقتصاديّ، أي في العدالة وتوزيع الثروة.

وفي مجتمع كالمجتمع الفرنسي تكون المشكلة أكثر إعضالًا، ثمة معدلات متزايدة للبطالة تصل لـ 10%، وعجزٌ في الميزان التجاري يزيد عن 6 مليارات يورو، ومعدَّل نمو في الناتج الإجمالي المحلي فقط 0.5%، وهو أقل مما كان عليه الحال قبل رئاسة هولاند.

العديد من العمليات الإرهابية نُفذت في عاصمة السلام باريس، وسط اضطراب أمني غير مسبوق في فرنسا، الكثير من عمليات الاضطهاد اليومية تُرتكب ضد المهاجرين الأفارقة، كل هذا وأكثر يجعل اللعب على الوتر الاجتماعي والثقافي، دون الاقتصادي، أمرًا في غاية السوء لمستقبل فرنسا.

معدل البطالة في فرنسا منذ الأزمة الاقتصادية 2008 وحتى اليوم، المصدر: Tradingeconomics

في أغسطس (آب) الماضي قفز ماكرون من سفينة هولاند، الحكومة الأقلّ شعبية في فرنسا منذ ديجول ونشأة الجمهورية الخامسة، بعد أن كان مهندسًا لسياساته الاقتصادية الفاشلة.

خرج ماكرون وما لبث أن ارتدى ثوبًا جديدًا صنعه لنفسه، وتبنّى سياسات اقتصادية خاصة به، وعد خلالها بخفض الضرائب، وإلغاء الضريبة على الثروة، وخفض عدد الموظفين، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة، والزيادة في سن التقاعد، وإدخال المزيد من الإصلاحات على قانون العمل، عناصر يراها مناسبة لبعث عجلة الاقتصاد من جديد والحفاظ على توازنات منطقة اليورو. إصلاحات جميعها تتسم بالمحافظة في ظل خطاب اجتماعي وثقافي منفتح ومتجاوز للقيود.

أن تكون الحل والمشكلة في آن واحد!

لعب ماكرون على التناقضات واستفاد منها حتى بات على بعد خطوة واحدة من قصر الإليزيه، وها هو يذهب بحلمه بعيدًا وهو بالكاد يتم عقده الرابع، لكنه ليذهب بعيدًا يبدو أنه حكَم على فرنسا بالبقاء على حالها.

مستغلًا حداثة سنه وربما أيضًا قلة خبرته ومشاركته السياسية ليتبنَّى خطابًا مغايرًا، لم يشأ أن يُحسب على أي من الحزبين الكبيرين: الجمهوريين والحزب الاشتراكي، والذين لم تخرج من بينهم رئاسة البلاد في الجمهورية الخامسة، ورفع شعار«لا يمين ولا يسار»، واعتذر عن عرض الحزب الاشتراكي لخوض انتخاباته التمهيدية؛ لأنه عرف أن الحزب مُقصيّ من الجولة الثانية قبل أن تبدأ المعركة، فهو الخارج من رحم حكومة الحزب ويعلم كم أصابها من الضرر، ليس فقط على المستوى الأمني وإنما على مستوى سياساته الاقتصادية، حينما كان مستشارًا اقتصاديًا لهولاند منذ العام 2012 ثم وزيرًا للاقتصاد في حكومته من العام 2014 وحتى 2016.

أعلن ماكرون تمرده على المؤسسة لأنّ الناخب الأوروبي تمرّد عليها، لكنّه كان الأوفق من بين ثلاثة مرشحين تبنوا الفكرة ذاتها، لوبان، مرشحة فرنسا الغاضبة وجون لوك ميلونشون، مرشح اليسار الراديكالي. وجدير بالذكر أن ثلاثتهم تحصلوا على 65% من إجمالي أصوات الناخبين، بينما تحصل المرشحَين عن الجمهوريين والحزب الاشتراكي فقط على 26% من إجمالي الأصوات، وذهبت باقي الأصوات للمرشحين الصغار.

من بين الثلاثة كان ماكرون المؤيد بشدة لسياسات الاتحاد الأوروبي وضرورة التمسك بها، لذلك بينما بدا مرشح الحزب الاشتراكي خارج المنافسة وفرانسوا فيون، لفضائحه، شحيح الفرص، كان لابد من دعم ماكرون من يسار الوسط ويمينه، وانبرى الكثيرون من وزراء هولاند لدعمه على مرشح الحزب الاشتراكي، بونوا آمون.

وهنا تجد المؤامرة طريقها لعقول المتابعين، إذ يرى البعض احتمالية أن يكون الانفصال بين ماكرون وهولاند انفصالًا مدبرًا لمضاربة مرشح يمين الوسط فيون، والجبهة الوطنية، مارين لوبان.

وسواء كان سيناريو المؤامرة واقعيًا أو افتراضًا خياليًا، فالحقيقة الثابتة أن ماكرون ما هو إلا امتداد لحقبة هولاند، أو بمعنى أشمل لثنائية يمين ويسار الوسط، الجمهوريون والحزب الاشتراكي، وبهذا نَجَحَ النظام الأوروبي في إطالة أمد حكمه لفرنسا لسنواتٍ خمس قادمة في بحثٍ حثيث لتدعيم ثنائية الزعامة الأوروبية (ألمانيا وفرنسا).

تأتي الجولة الثانية للانتخابات في ظل ما تطلق عليه حكومات أوروبا العزل الصحي، التكتل من قبل يمين ويسار الوسط خلف ماكرون لمنع وصول لوبان للإيليزيه، سيحولون دون وصول لوبان على أغلب الظن، لكن من سيحول دون وصولها في رئاسيات 2022، إذا استمرت أوروبا في عجزها عن حل أزماتها الأساسية، والتي على رأسها الاقتصاد؟

بالنظر لخريطة توزيع الأصوات في الجولة الأولى، نجد أن أكثر المدن دعمًا لمارين لوبان، تلك الواقعة في الشمال والشمال الشرقي وتلك الواقعة جنوبًا على ساحل المتوسط، حيث يعاني سكان الشمال والشمال الشرقي من إغلاق المصانع والبطالة وما ترتب عليها من تهميشٍ للمجتمع واغترابٍ للأفراد، حتى صارت كتلةً صلبة داعمة للجبهة الوطنية، وفي الجنوب حيث «يعاني» الفرنسيون من المهاجرين الأفارقة عبر المتوسط. في المقابل حظي ماكرون بتأييد سكان المدن الكبرى والعاصمة، حيث الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وطبقات المثقفين، الذين على الأغلب يعجبهم الخطاب الأوروبي النيوليبرالي.

هل يعود ماكرون من حيث أتى؟


أتى ماكرون من رحم الإدارة الحالية، ليرفع شعار «لا يمين ولا يسار»، وبغض النظر ما إن سلّم الناخب الفرنسي بصدق شعاراته، فقصّة نجاحه كرئيس لفرنسا تبدو وكأنها لن تكتمل، إمّا على الصعيد الشكلي أو الإجرائي، إذ سيجد ماكرون – إذا ما كان رئيسًا – نفسه وحيدًا بغير كتلة برلمانية تدعمه، حيث تجري الانتخابات البرلمانية الفرنسية بعد قرابة الشهر من الآن، وإذا لم تكن الأغلبية مؤيدة لسياسات الرئيس، فإن الكثير من القوانين والإصلاحات من شأنها أن تتعطل، أو يجد ماكرون نفسه مضطرًا لعقد تحالفات مع من تنصَّلَ منهم بدايةً، إذ يبدو حزب الجمهوريين (يمين الوسط) الأقرب لحصد أغلبية مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية في يونيو (حزيران) المقبل، بعدما كانت الأغلبية بيد الحزب الاشتراكي، وهنا يضطر ماكرون للتحالف مع من كانوا بالأمس القريب معارضين لحكومةٍ ظل وزيرًا بها لعامين اثنين.

هكذا لا تعرف السياسة رومانسية الشعارات، يمكنك من خلالها أن تربح المعارك الانتخابية، لكن لن تبني سياسة حقيقية، لها خطاب وأهداف وأدوات.

رجوعًا إلى الأزمة الاقتصادية الفرنسية، ثمة إشكالية بنيوية تعصَّى حلها على حكومة هولاند، فمن ناحية، تعاني البلاد حالة متزايدة من البطالة منذ الأزمة الاقتصادية 2008، وما تتركه البطالة في المجتمع من آفات، ومن ناحية أخرى تحتاج الشركات للاستثمار في فرنسا لمضاعفة إجمالي ناتجها المحلي لمزيد من التطمينات، أهمها تخفيف التزامها تجاه العمال.

الأولى تحتاج من الحكومة مزيدًا من الإنفاق وفتح آفاق جديدة للعمل والرعاية الاجتماعية، والثانية تحتاج الكثير من الدعم للرأسماليين – أصحاب الشركات – على حساب العمال، وكانت من جانبها حكومة هولاند قد خففت من القيود المفروضة على العمال فيما يخص عقود العمل، فكان أن تزايدت حصة العمالة المؤقتة من 75% من إجمالي العمالة الفرنسية لعام 2000 إلى 86% للعام الماضي (2016)، 80% من إجمالي هذه العمالة المؤقتة لا تتعدى عقودهم للعمل الشهر الواحد! ما يجعل النسيج المجتمعي في فرنسا على شفا جرفٍ هارٍ.

خلاصة القول، أن الصورة البيضاء التي رسمها ماكرون لنفسه أعطت الأمل لوسط النيوليبرالية، إذ بات بإمكانهم أن يحكموا فرنسا لخمس سنوات قادمة، لكن ذات المشكلات التي جعلت انتخاب لوبان في الجولة الأولى أمرًا منافيًا للشك، ستظل موجودة وتتصاعد، وهي المشكلات نفسها التي أثقلت كاهل دول الاتحاد الأوروبي معظمها وأودت بالمملكة البريطانية إلى البركسيت، وبالتالي فإن كان ماكرون بدعم من أوروبا سيكون رئيسًا لفرنسا، فإن لوبان بات بإمكانها المضي قدمًا في جمع الأصوات، بينما يفقد تيار الوسط آخر أوراقه، خارج ثنائية الحزب التي كفر بها الناخب الفرنسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد