مضايا القرية الواقعة في منطقة الزبداني في ريف دمشق في سوريا، سوريا التي قاربت على 5 سنوات كاملة من الحرب المشتعلة، حرب أحرقت الأخضر واليابس وأطراف جديدة حلّت بالمعادلة.

مضايا لم تكن القرية الأولى التي يُفرض عليها حصار من قِبل النظام وميليشيات حزب الله لمدة تقارب نصف العام، ففي حالة الحرب السورية مدن كثيرة قد سبقتها، مدن حوصرت على يد النظام وأخرى على يد داعش والنصرة.

التاريخ لا يخلو من حكايا الحصار، فسلاح الحصار والتجويع لم يكن الأسد أول من استخدمه لكنه استخدم من قبل في الحرب العالمية الأولى والثانية، استخدمه هتلر وستالين، واستخدمه زعيم كوريا الشمالية ضد السجناء المعارضين، واستخدمته الحركات “المقاومة” العربية ضد بعضها البعض وفي مخيمات اللاجئين!

في هذا التقرير استعراض لأبرز حوادث الحصار والتجويع:

LEBANON-SYRIA-CONFLICT

مضايا:

“لو غصصنا بكل لقمة نأكلها وهم جياع، لمتنا من الغصة قبل أن يموتوا جوعًا”.

– “يا عمو اديش صار لك بلا أكل؟”.

= “7 أيام”.

– “قول والله العظيم”.

= “والله العظيم”.

هذه الكلمات كانت جزءًا من حوار بين طفل لا يتعدى عمره العشرة أعوام ويعاني من هزال شديد وشخص آخر يصوره، الفيديو كان قد انتشر بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي وأحدث ضجة جعلت من صورة هذا الطفل أيقونة للصحافة العالمية لتوصيل رسالة بلدة مضايا، فصحيفة الإندبندت وضعت صورة الطفل على صفحتها الأولى مطالبة بإنقاذ هذه البلدة.

مضايا البلدة التي كانت من أوائل القرى المنتفضة ضد حكم بشار الأسد في انتفاضة مارس 2011 صار لها تحت الحصار 6 أشهر كاملة، لم تدخل القرية أيّة مساعدات غذائية منذ أكتوبر، وفقًا لبرنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، ووفقًا لمصادر محلية داخل سوريا، فـ11 شابًا كانوا قد فقدوا أطرافًا لهم جراء محاولتهم الخروج من البلدة لإحضار الطعام، وذلك نظرًا للحصار المفروض والألغام المزروعة حول القرية.

وفقًا لنشطاء سوريين فإن مضايا يعيش بها الآن أكثر من 40 ألف شخص، مات حتى الآن جراء الحصار والجوع أكثر من 30 شخصًا، يعيش السكان على أوراق الشجر، ومحلول المياه والملح، ورضعات عصير البندورة للأطفال الرُضّع، وأخيرًا لحوم القطط والكلاب الموجودة في البلدة!

كان حزب الله قد أصدر بيانًا نفى فيه صلته بالحصار، واتهم المسلحون التابعون للمعارضة بأنهم هم المسؤولون عن الحصار إلا أن بعد حملة ضغط من نشطاء حول العالم وجمع توقيعات للأمم المتحدة، قالت الأمم المتحدة إن النظام قد سمح أخيرًا بعد مفاوضات بدخول مساعدات لمضايا؛ مما يعني أن النظام وأعوانه في الحرب هم المُحاصرون، ولم يكتفِ حزب الله بذلك إلا أن مؤيديه قد أطلقوا (هاشتاج) اسمه #متضامن_مع_حصار_مضايا على وسائل التواصل الاجتماعي صوروا فيه أشهى الأكلات لديهم، وذلك للتعبير عن سعادتهم بالحصار وعدم اكتراثهم بما يحدث.

اقرأ أيضًا: مضايا تموت جوعًا.. والأمم المتحدة في “إجازة”

مخيم اليرموك.. رحلة لجوء جديدة للاجئين

الشاهد في الأمر أن مضايا لم تكن أول المدن السورية المحاصرة والتي يتم تجويعها بشكل ممنهج؛ ففي أبريل 2015 تصاعدت مشكلة مخيم اليرموك الذي يسكنه اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، ويسكنه أبناء سوريا من أصحاب الدخل المنخفض، ولكنه ليس مخيمًا كباقي المخيمات، فهو أشبه بمدينة سكنية، هذه المرة تمت محاصرته من كل الفرق المتصارعة في سوريا، النظام تارة، وداعش والنصرة تارة، حتى اشتبك كل من داعش والنصرة على أولوية الحصار.

لمزيد من التفاصيل حول الحصار ومخيم اليرموك، من هنا.

وفي 2014، قام النظام بحصار معضمية الشام واستخدام سلاح التجويع هناك، مما دفع سكان المعضمية في يناير من عام 2014 إلى عقد صفقة مع الحكومة مقابل فك الحصار عن المكان، وكان قاسم عيد أحد من عايشوا هذا الحصار قد تحدث لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي بعد لجوئه إلى لبنان ومنها إلى الولايات المتحدة. إنهم خلال فترات الحصار لم يكن لديهم أي شيء ليأكلوه إلا الحشائش ولحوم الكلاب، وحسب تعبيره فإن سلاح التجويع أشد ألمًا وفتكًا من الكيماوي الذي عايش قاسم هجماته أيضًا.

في نفس العام أيضًا ولكن هذه المرة في البلدة القديمة بحمص، قام النظام بتكرار اللعبة، اللعبة التي أسمتها الأمريكية “جانين دي جيوفاني” بلعبة الجوع تيمنًا باسم الفيلم الهوليوودي المعروف، وأن النظام يستخدم التجويع بشكل ممنهج، وقد استمر حصار البلدة القديمة بحمص لمدة تزيد عن 600 يوم.

مخيمات اللجوء.. الموت مرة واحدة لا يكفى

في مخيمات اللجوء حيث الشتات والعيش على حافة العالم، فبينما يصارع اللاجئون من أجل البقاء وكافة الأحلام تتلخص في سقف يأوي وسلطة لا تستهدفهم، كانت الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فحياة اللاجئين في الدولة المضيفة كانت تعتمد على ظروف الدولة/ النظام السياسي/ الحالة الاقتصادية، ففي حالة اللاجئين الفلسطينيين فقد عايش اللاجئون الفلسطينيون حالات الحصار والتجويع في العديد من الأحداث:

تل الزعتر

مخيم تل الزعتر:

مخيم تل الزعتر الموجود بشرق بيروت بلبنان والذي يعود تاريخه لعام 1949، وقدر عدد اللاجئين فيه بين 50 ألف إلى 60 ألف لاجئ، وعلى إثر مناوشات بين المقاومة الفلسطينية الموجودة في المخيم والكتائب المارونية اشتد النزال بينهما حتى وصل إلى الحصار الكامل للمخيم من يناير 1976 حتى يونيو 1976، أي 6 أشهر كاملة، ومُنعت شاحنات المساعدات الغذائية من الدخول إلى المخيم وحتى المياه؛ فقد قامت الميليشيات المارونية بتفجير شبكات المياه فلم يتبقَ لقاطني المخيم إلا بئر مياه ملوث، وذلك وفقًا لصلاح خلف “أبو إياد” مؤلف كتاب “فلسطيني بلا هُوية”، واعتاد الناس في المخيم أن يقولوا “كأس ماء تساوي فعلًا كأسًا من الدم”، سقط المخيم في أغسطس من نفس العام بعد قصف استمر 54 يومًا، وكان عدد القتلى قد تجاوز الـ3 آلاف جراء التجويع والحصار وأخيرًا القصف.

حرب المخيمات:

استمرت هذه الحرب في الفترة ما بين 1985 و1988، وكان أطراف الصراع “حركة أمل والجيشين السوري واللبناني وبعض الفصائل الفلسطينية” من جهة، و”قوات حركة فتح المؤيدة لياسر عرفات، وحرمة مرابطون”، وتحت اسم عدم العودة لما قبل 1982 قامت حركة أمل بشن حربًا ضد مخيم شاتيلا ومحاصرته، وعانى المخيم وقاطنوه من نقص المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، ومن ثم حاصروا الداعوق، والحرب الفعلية بدأت في أول ليالي رمضان في عام 1985، حيث حوصر مخيم شاتيلا لمدة شهر كامل وتم تدمير ما يقرب من 90% منه، وفي 1986 تجددت المعارك التي استمرت لستة أشهر والحصار للمخيمات الذي يصل للمجاعة، فيذكر بعض من عايشوا هذه المرحلة أن الناس قد أكلت القطط ونقعوا البرغل مع الماء، وكان كل 12 مقاتلًا يأكلون علبة حلوى واحدة، وكان المقاتل يقتات على رغيف خبز في اليوم في الشهرين الأخيرين أثناء الحصار، وحصيلة القتلى خلال هذه الحرب قدر بـ600 قتيل.



الحصار والتجويع في لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى

يعود تاريخ هذه المجاعة إلى الفترة ما بين 1915 و1918 قضى خلال هذه الفترة ما بين 120 ألفًا و200 ألف لبناني، خلال هذه الفترة التي بدأت بغزو للجراد في 1915 ودمر معظم المحاصيل الزراعية، قام الحلفاء بفرض حصار على لبنان وذلك لمنع دخول السلع القادمة من مصر، ولكن يقول مؤرخون إن السبب وراء هذه المجاعة الحصار البري الذي فرضه الحاكم العثماني جمال باشا، كان الحاكم المذكور سلفًا قد منع منعًا تامًا دخول القمح تحديدًا إلى جبال لبنان الأمر الذي أدى إلى تجويع سكان المنطقة.

رسم توضيحي 2 مصدر الصورة: فرانس 24 من أرشيف إبراهيم كنعان نعوم

حصار لينينغراد.. المحصلة 600 ألف شخص

في 27 يناير من كل عام تحيي روسيا ذكرى فك الحصار عن لينينغراد، الحصار الذي فرضه هتلر وجيوشه على المدينة التي تعرف الآن باسم مدينة سان بطرسبورغ، كان الحصار الذي فرضه هتلر على المدينة كان قد استمر لمدة 900 يوم (1941-1945) طوّق خلالها كل المخارج للمدينة، ومنع دخول أي مساعدات غذائية للمدينة، قضى خلال هذا الحصار والتجويع والقصف أيضًا ما يقرب من 600 ألف شخص.

الطريق الوحيد الذي أنقذ المدينة من هذا الحصار كان بحيرة لادوغا، التي عملت كممر مائي يمكن عن طريقه إجلاء المحاصرين وإمدادهم بالطعام والغذاء

 ولودومور.. ستالين لا يحب الفلاحين

في عام 1929، قام ستالين بحملة ضد الفلاحين الأوكرانيين، أسماها الأوكرانيون “هولودومور” أي القتل بالتجويع، وكان هدف من أهداف ستالين التوسع بالاتحاد السوفيتي ليشمل أوكرانيا، وكان يهدف إلى التحديث العسكري وذلك عبر طرق عديدة إحداها إنشاء المزارع التعاونية بشكل قسري، وكانت تقضي خطة ستالين إلى شراء الحبوب ومحاصيل الفلاحين وبيعها للخارج بشرائها منهم بأثمان زهيدة، وهو ما لم يوافق عليه الفلاحون، استمرت المناوشات بين الطرفين حتى قام الأوكرانيون بانتفاضة ضد ستالين ولكنه استطاع السيطرة عليها، وكان السبب الرئيسي للمجاعة التي حدثت بين عام 1932 -1933 هي الأساليب الحكومية المستخدمة في تخزين الحبوب، حيث أُجبر الفلاحون على إعطائه أكثر من 40% من محاصيلهم؛ مما أدى إلى انتشار الجوع وحدوث المجاعة التي راح ضحيتها 3 مليون و941 ألف شخص.

رسم توضيحي 3 صورة من شهادة السجين الكوري من تقرير الأمم المتحدة

التجويع.. في السجون أيضًا

في أحد تقارير الأمم المتحدة الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان، نُشرت رسومات تحكي الواقع المأساوي الذي عايشه بعض السجناء في كوريا الشمالية، واستطاع أحد الناجين من هذا السجن بعد خروجه حكي شهادته ووصفها لرسام استطاع تحويل شهاداته لرسومات، ويقول السجين الذي فر إلى الصين إن التعذيب كان بأوضاع مختلفة وكل وضع له اسم، “لقد أطعومنا طعامًا حتى الخنزير يرفض أكله، كانوا أحيانًا يقدموا لنا الطعام، هذا الطعام مثل الخيار المتعفن، وإذا رفضنا هذا الطعام كنا نُضرب”، ويضيف السجين أنهم كانوا يبحثون عن الثعابين ليأكلوها لتضورهم جوعًا!

عرض التعليقات
تحميل المزيد