لدى العالم الكثير ليرويه عن وحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان، بعض هذه الحكايات تحولت إلى أساطير من هول الأفعال البشعة التي اُرتكبت، وهناك أسطورة أمريكية تكفي لأن تروي وحشية غير مبررة، ارتكبتها إحدى سيدات المجتمع الراقي التي تقطن في قصر، وفي حق عبيدها، هذه السيدة تدعى مدام لالوري.

لالوري.. بداية عادية لامرأة وحشية

من أصول أيرلندية ولدت ماري ديلفين عام 1787م؛ لعائلة مكارتي الثرية وذات النفوذ السياسية في مدينة نيو أورليانز الأمريكية، وهي من أكبر مدن ولاية لويزيانا، ضمت عائلتها ضباط عسكريين، ومزارعين، وتجارًا، وكان العديد من أقاربها يمتلكون ويديرون عقارات ضخمة، وحين أتمت 13 عامًا تزوجت من ضابط إسباني، وبعد عدة سنوات توفي زوجها، لتتزوج من رجل مصرفي وتاجر عام 1808، والأخير أيضًا توفي عنها عام 1816.

الأرملة ماري ديلفين تزوجت للمرة الثالثة من طبيب فرنسي يدعى ليونارد لويس نيكولاس لالوري، عام 1825، ومنه حصلت على لقب عائلته؛ وكان عمرها حين تزوجته 38 عامًا، وتشير الروايات أن زواجها من الطيبب لالوري لم يكن سعيدًا، سمع الجيران الزوجين يتجادلان بحدة، فلم يكن مفاجئًا أن لويس لالوري حزم حقائبه وترك المنزل في الأشهر الأولى من عام 1834.

اشترت مدام لالوري العقار رقم 1140 رويال ستريت الكائن في الحي الفرنسي بمدينة نيو أورليانز مقابل 33 ألف دولار في عام 1831، وفي العام التالي للشراء شيدت قصرها عليه، ورغم أنها أنجبت ستة أطفال من أزواجها الثلاثة إلا أن ابنتين فقط هم الذين عاشوا معها داخل القصر؛ والذي شهد كل الأحداث الدامية التي صنعتها مدام لالوري في عبيدها، وتحول الآن إلى قبلة لمحبي سياحة الرعب.

6 من أبرز القناعات العلمية الزائفة حول العالم

ماشطة الشعر في مواجهة سيدة القصر

كانت الفتاة البالغة من العمر 12 عام وتدعى ليا، مستعبدة لدى مدام لالوري في قصرها، ووفقًا للقصص المتداولة أن الفتاة الصغيرة كانت تمشط شعر سيدتها، حين أخطأت في شيء ما، وكلفها هذا الخطأ سوط مدام لالوري الذي لاحقها، جرت الفتاة إلى الدور العلوي ثم إلى السطح وخلفها مدام لالوري بالسوط، لسوء حظ مدام لالوري كان هناك جارة تقف في بيتها وشاهدت الواقعة.

Embed from Getty Images

قصر مدام لالوري في نيو أورليانز

سقطت الفتاة الصغيرة  من أعلى السطح، وارتطمت بالأرض وماتت، ويُرجح أن الفتاة فضلت الانتحار على البقاء حية تحت إمرة مدام لالوري، وتقول بعض الروايات أن مدام لالوري هي التي ألقتها، وأخف القصص وطأة أن مدام لالوري خيرتها بين السوط أو القفز؛ فاختارت الموت، أما الجارة فمن هول ما شاهدته وضعت يدها علي عينيها لتجنب رؤية المزيد، ولكنها سمعت صوت ارتطام جسد الفتاة على الأرض.

في الليل أمرت مدام لالوري عبيدها بشق حفرة صغيرة أسفل شجرة في فناء منزلها، وألقت الجثة بداخلها، لكن الجارة أبلغت السلطات المحلية، والتي وجدت أن مدام لالوري مذنبة بـ«القسوة ضد العبيد»، وعلى إثر ذلك أمرت المحكمة بغرامة مالية مع إجبارها على بيع عبيدها، وعدم جلب عبيد جدد.

تمكنت مدام لالوري عبر أقاربها من جلب عبيد آخرين، واحتفظت بهم سرًا، ولا يمكن الجزم بما أرادته السيدة بأفعالها الوحشية في عبيدها، لكن ما اكتشف بعد مداهمة قصرها كان بشعًا لدرجة لا توصف، ووفقا لكتاب «New Orleans Ghosts, Voodoo, and Vampires: Journey into Darkness» عثر على إحدى مستعبدات مدام لالوري في قصرها، مشوهة تمامًا؛ بُترت ذراعيها؛ وبشرت بشرتها في شكل دائري؛ مما جعلها تبدو وكأنها «دودة كاتربيلر» بشرية.

لم تكن هذه المستعبدة هي الوحيدة التي شوهت، فوفقًا لنفس الكتاب السابق ذكره، فإن هناك مستعبدة أخرى كسرت أطرافها، وأعيد تشكيلها بطريقة جعلتها تبدو كسرطان البحر، لذا لم تستبعد مؤلفة الكتاب الباحثة كليلة سميث، أن تكون مدام لالوري كانت تجري عليهم تجارب بشرية قذرة.

أمعاء ممزقة وتعذيب بطيء.. والنار ترفق بالعبيد

طباخة مدام لالوري كانت مستعبدة أيضًا، ولم تفلت من المعاملة الوحشية، فلا يوجد سبب منطقي لجعلها مقيدة بجوار الموقد بالسلاسل الحديدية، وبالأخص أن عمرها كان 70 عامًا، لذا ليس غريبًا أنه عام 1834 شبت النيران في قصر مدام لالوري، وبدأت من المطبخ، وترجح عدة مصادر أن الطباخة ضاقت بالحياة الوحشية لدى مدام لالوري، وأرادت تحرير نفسها وزملائها ولو بإضرام النيران في القصر بأكمله، فهذا أفضل من مدام لالوري.

Embed from Getty Images

وصل رجل الإطفاء إلى القصر، وهناك اكتشفوا غرف التعذيب الخاصة بمدام لالوري، ووفقا لصحيفة «New Orleans Bee» فإن رجال الأطفال وجدوا جميع الضحايا عراة وهناك المقيد منهم بالسلاسل على الحائط، وبعض النساء مزقت بطونهن وأخرجت أمعاؤهن، وإحدى النساء حشر بفمها نفايات حيوانية، وخيطت شفتيها، وأخرى بترت ذراعيها وساقيها لتتمكن من إدخالها في قفص صغير.

https://www.sasapost.com/life-on-slave-ships/

أما الرجال فكانوا في حالات لا تقل بشاعة عن النساء، مزقت أظافرهم، وفقعت أعينهم، وقطعت أعضائهم الذكورية وألقيت بعيدًا، وكان أحد الرجال معلقًا، ووضعت عصا بارزة في ثقب في أعلى رأسه، والتكهنات أنها كانت تستخدم العصا لتحريكه عبر رأسه من خلال الثقب الذي أحدثته به، ورجح الأطباء أن مدام لالوري تعمدت استخدام أنواعًا من التعذيب لا تؤدي إلى الموت السريع.

هرب رجال الإطفاء من موقع الحادث بالاشمئزاز، واستدعي الأطباء من مستشفى قريب، ومن غير المؤكد عدد العبيد الذين عثر عليهم في غرفة التعذيب، لكن أغلبهم ماتوا، وكان هناك عدد قليل من الذين تشبثوا بالحياة، ويقال أن مدام لالوري عذبت وقتلت بين 50 إلى 100 من العبيد.

ليلة هرب لالوري واندلاع ثورة الجيران

حين شبت النار في قصر لالوري، هرع بعض الجيران لمساعدة جاراتهم، لكنهم لاحظوا شيئًا غريبًا؛ كانت مدام لالوري تحاول إنقاذ مجوهراتها وفرائها دون أن تحاول مساعدة عبيدها، لذا سألوها عن مكان خدامها، فجاء الرد مفجعًا، قالت لهم اهتموا بأموركم الخاصة، لكن سمع بعض الجيران أنينًا وصيحات خافتة قادمة من أعلى؛ سارعوا إلى الأصوات، وفتحوا الباب وصدموا من هول ما رأوا، فقد وجدوا غرفة التعذيب؛ وحاولوا الدخول لكنهم تقيأوا من الرائحة الكريهة.

عقب الحريق تناثرت الأقاويل حول معاملة مدام لالوري الوحشية للعبيد، هربت مدام لالوري حتى لا تتعرض للمحاكمة، بينما أطلق الجيران سراح العبيد الذين بقوا على قيد الحياة من المبنى المحترق، واحتشد حوالي 4 آلاف من سكان البلدة الغاضبين من أفعال مدام لالوري حول القصر، وخربوه تمامًا، كسروا القطع الفنية، وحطموا النوافذ، وهدموا الأبواب؛ حتى لم يبق شيء في القصر سوى الجدران الخارجية.

بعد عامين من الحريق زارت هارييت مارتينو وهي كاتبة إنجليزية وباحثة اجتماعية، نيو أورليانز، وأجرت تحقيقًا دقيقًا في قصة مدام لالوري، ونشرت تقريرًا في كتابها «Retrospect of western travel»، ووجدت هاربيت أن وقائع التعذيب الوحشية حقيقية، قالت هاربيت عن العبيد «كانت عظامهم تبرز من جلودهم، وكانوا مقيدين ومربوطين؛ البعض على ركبهم، وآخرين أيديهم فوق رؤوسهم، وكان لديهم أطواق حديدية ذات مسامير؛ أبقت رؤوسهم في وضع واحد، والسوط المغطى بالدم كان معلقًا على الحائط؛ وكان هناك سلم تقف عليه الشريرة بينما تجلد ضحاياها».

ثورة الجيران أجبرت ابنتيها، واللتين كانتا تجلدان من أمهما إذا حاولوا مساعدة العبيد، على الهرب خارج المدينة؛ لتفادى غضب الجيران، وعاشا في فقر، أما مدام لالوري نفسها؛ فتمكنت من السفر إلى باريس وفقًا لأغلب المصادر، وعاشت هناك بقية حياتها، وقيل أنها توفيت هناك عام 1849، وفقًا لبعض السجلات في باريس.

ظل قصر مدام لالوري الذي خُرب تمامًا شاغرًا لسنوات عديدة، وادعى الكثير من الجيران أنهم يسمعون أصوات صراخ تعذيب قادمة من القصر المهجور ليلًا، بل إن بعضهم ادعى أنه شاهد عبيدًا من ظهورهم يسيرون على شرفات وساحات القصر، ورغم أن القصر بعد فترة عُرض في السوق إلا أن كل من سكن به تركه بعد مدة قصيرة، بدعوى أنه مسكون بالأشباح.

حدثت محاولات لاستغلال القصر في أكثر من مجال تجاري، لكنه في نهاية الأمر رمم وجددّ، ويتداول حاليًا كشقق للمستأجرين الذي يمكنهم تحمل تكاليفه، أما مدام لالوري فاحتفظت الثقافة الشعبية الجنوبية بها باعتبارها أسطورة وحشية، واستوحت من قصتها العديد من أفلام ومسلسلات رعب، وأيضًا قصائد، وروايات، بل وألعاب فيديو.

مصحات أقرب إلى سجون.. «التاريخ الأسود» لأمريكا في معاملة المرضى النفسيين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد